العنف اللفظي ضد المرأة في تأملات الكوني د. فائزة الباشا

نظم قسم القانون الجنائي بكلية القانون جامعة طرابلس ورشة عمل بعنوان العنف اللفظي ضد المرأة الليبية يوم الثلاثاء الموافق 4 يناير ، حضرها د حسام بلحاج وكيل الكلية وثلة من اعضاء هيئة التدريس بالكلية وطلبة الدراسات العليا ومن المهتمين، قدمت د حميدة البوسيفي أستاذة علم الاجتماع بكلية الاداب ورقة عمل عن العنف ضد المرأة من واقع دراسة ميداينة . قدم ا محمود الغالي عضو هئية التدريس بقسم القانون الجنائي  ورقة حول ماهية العنف اللفظي وصوره.

وقدمت د فائزة الباشا ورقة حول العنف اللفظي ضد المرأة في تأملات الكوني وإسقاطها على العنف الممارس ضدها من قبل المسوولين الحكوميين 2021م.

 

 

العنف اللفظي ضد المرأة

 

 

 

 

 

شعرت بفخر عندما حظي رجل من بلدي الأستاذ الفاضل إبراهيم الكوني بتقدير عالمي لإبداعه فى مجال الأدب ، ولاستحقاقه كل ذلك التكريم وأكثر لما حباه الله به من موهبة أدبية جسدها في كتاباته بأسلوب رائع ولصبره ومثابرته   ، وكان خير سفير لصحرائنا الرائعة المعطاءة ، وبنفس الدرجة التي سعدت فيها بذلك ككل وطني حر يشعر بأن الليبيين لم ينالوا فرصتهم وما يستحقونه من تقدير لمدة ليست بالقصيرة من الزمن ، انتابني إحساس بالتعاسة كسيدة لأن بعض الرجال سواء كانوا مبدعين أو بسطاء ، من العامة أو النخبة بما فى ذلك من يدعون دعمهم لقضايا المرأة لأسباب سياسية وشخصية ، ولا يرون فى تحررها ضيرا مادامت لاتمت إليهم بصلة قربي ، جميعهم وفى نقطة معينة يتحدون وينصهرون فى بوثقة واحدة ؛ مثقفين ومفكرين ؛ عوام ومشايخ متشددين هي نظرتهم الدونية للمرأة وتهميشهم لدورها والانتقاص من مكانتها التي خصها بها خالق الكون الذي كرمها كإنسان ، ولم يكن رد الأديب الرائع فى هذا الخصوص مقنعا ؛ فقوله بأن نظرته السلبية للمرأة فى كتاباته تعبر عن تأملاته لا عن رؤيته كمفكر قول غير مقبول ولايمكن تفسيره ومردودا عليه  ، لأنه لم ينجح فى تجاوز التفكير الذكوري الذي ما فتئ يرسخ لدونية المرأة وسطحيتها ويعمم هذه الفكرة رغم أن السطحية والدونية سمات قد يتصف بها أي إنسان رجل أو امرأة ، فقد نجد رجل متميز وقيادي وامرأة لها الصفات ذاتها وإن اختلفا فى تكوينهما البيولوجي ، كما نصادف فى الحياة رجل أحمق وتافه وكذلك امرأة لاتملك عقلا راجحا وحمقاء ، لذلك يؤسفني القول بأن ما جادت به تأملات كاتبنا المبدع لم تتجاوز الأفكار السلبية التي وجدت فى الفكر الكنسي المنغلق على ذاته واليهودية وبعض التيارات الفكرية التي عملت على الإساءة للمرأة .

وفى اعتقادنا أن مناقشتنا لهذه الموضوعات على درجة كبيرة من الأهمية  لأسباب عدة منها  أن من الرجال سواء الشرقيين الذين عاشوا فى الغرب ، أو المتميزين ؛ أو المسئولين أو العلماء أو الأدباء أو رجال الدين وغيرهم ؛ ممن نالوا مناصب معنوية أو مادية رفيعة أو لم ينالوها ؛ لازال من بينهم  من لا يقدر المرأة ودورها الإنساني ويتسبب بما له من تأثير فى تعميق الهوة التي تشدنا إلى التخلف الاجتماعي والثقافي .

ولم يشد كاتبنا الكبير عن القاعدة في نظرته للمرأة التي عبر عنها في مؤلفه ” رسالة الروح ” الذي لم أجد فيه ما ينم عن تقدير للمرأة التي كانت السبب في خروجه للحياة [ الأم ] ولا للزوجة التي لاشك ساهمت في تهيئة الأجواء المناسبة له ليكون أحد مبدعي القرن الحادي والعشرين ؛ لكنها من وجهة نظره الشيطان الذي لا يحمل بداخله إلا الشر والكره لكل ما هو جميل ورائع وأن تجسد ذلك في رجل دين أو راهب بقوله إنه : من حق المرأة ألا تعرف الإحساس بالإثم لأن وجود المرأة بوجود الإثم رهين ، وقوله أن: ما تتمناه المرأة هو أن تستطيع أن تحتقر الناسك ، وأن” الناسك يتجنب المرأة ، ولكن المرأة تكره الناسك ” .

أما في معنى الحرية فقد عبر عنها الكوني بقوله : قهقهه المعلم حتى استلقى على قفاه عندما قال له المريد أنه يريد امرأة لن تريد أن تسلبه الحرية ، ويستمر الكوني في احتقاره للمرأة والتقليل من شأنها والنظر إليها كمجرد جسد لا كائن آدمي له قيمته في قوله : “قيمة الرجل في نفسه ، قيمة المرأة في الرجل “، أي إنها مجرد تابع ليس لها أن تحظى بوجودها إلا تبعاً لمشيئة الرجل  . فأين هن أمهات المؤمنين ، والسيدة خديجة رضي الله عنها التي احتضنت الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام وتدثره ليطمئن ويبشر برسالته العالم أجمع ، ويعود بنا الكوني إلى العصور الوسطى .عندما طُرح سؤال هل المرأة إنسان ؟

بل إنه أهان الأمومة عندما رأى في الطلاق الفرج الذي كان يجب اللجوء إليه مسبقاً في قوله: ” قالوا له أبوك طلق أمك ، فأجاب حسنا فعل رغم أنه كان يستحسن الفعل أكثر لو طلقها قبل أن تنجبني ” ، فإذا كان أستاذنا الكبير لا يرى في الأمومة وهى أسمى معاني الوجود ؛ الأرض التي تمنح الحياة ويستمر بها الوجود الإنساني وجوهر العطاء ، الأم التي لولاها ما كان للأستاذ الكوني حفظه الله ؛ وجود وذكر . هل تستحق منا المرأة كل ذلك ؟ وهي الأم والأخت والابنة والزوجة والصديقة التي نلجأ إليها لنشكو همومنا ونشعر بالاطمئنان في وجودها لأنها الروح التي خلقت للسكني إليها ، ولتخفف عن أدم وحشته وعزلته ؛ وهذه النظرة الدونية للجسد الذي أبدعه الخالق لتكمل المرأة رسالة الخلود ، لقد أنكر – الكوني – عليها حتى مجرد الألم ورأى بأن الإلهام مصدره الألم الذي تتسبب فيه بقوله : ” ليست المرأة هي التي تلهمنا ، الألم الذي تسببه المرأة هو الذي يلهمنا ” ، ونعلم جميعا أن للألم مصادر عديدة وهو جزء من طبيعة الحياة ، فيولد الطفل وهو يصرخ ليتنفس الأكسجين ، ولا ننكر بان الألم الذي تشعر به من تهب الحياة أحد كنوزها  يفوق أي ألم أخر وهو ما جعل الجنة تحت أقدام الأمهات.

اعتذر للقراء الأفاضل ، لأنني لا أقصد الإساءة إلى رمز وطني  من رموزنا الأدبية  ؛ إلا أن ما قرأته فاجأني لأن من يعظم الصحراء ووهبها حياته أنكر على المرأة التي لها خصوصية لدى الطوارق ، ما لها من سلطة ومكانة لديهم فهي رمز للحياة والعطاء ، فالسلطة لدى الطوارق أمومية وليست أبوية ، لذلك فأن المرأة تتمتع  بمكانة عظيمة حرمت إياها فى أدب الكوني ، الأمر الذي نستغرب معه موقفه منها ، فقد أنكر عليها حتى حقها في أنها ملهمة له ولغيره ، وأن الإلهام يرجع إلى مبدع المرأة الأمر الذي يذكرنا بالكاتب الرائع المبدع المرحوم الصادق النيهوم الذي جاءت كتاباته على نقيض الكوني بحرصه على تفنيد الاتهامات التي تسئ للمرأة فى مؤلفه : الحديث عن المرأة والديانات ، حيث بين تفصيلا مصدر الادعاءات التي تدين المرأة وتنتقص من مكانتها وقارن بين موقف الدين الإسلامي والمسيحية واليهودية ، وأكد على ما منحه الباري للمرأة من كرامة هي جوهر إنسانيتها ، ونجح فى تحديد الملامح العامة للنصوص المتعلقة بالمرأة بما في ذلك التي تسئ إليها ، وأوضح حقيقة مصدرها وبأن لا أساس لها فى روح الدين الإسلامي وأنها محض خرافات انتقلت إلينا من نصوص التوراة والإنجيل التي تم تحريفها لان الذي أنزلها منزه وعادل فهو الحق الذي نحمده على نعمة الإسلام الذي جاء لرفع الظلم عن العالمين بما فيهم النساء اللائي خصهن بسورة من آيات الذكر الحكيم وفصل أحكام الميراث حماية لهن وأقر مبدأ الإنصاف ضمانا لحقوقهن ، وللحديث بقية بأذن الله تعالي .

د فائزة الباشا

رئيسة قسم القانون الجنائي

هذه المقالة كُتبت في التصنيف المقالات, طرابلس, مقالات الصحيفة, نبض الشارع الليبي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.