إشكاليات التوسع في اختصاص القضاء الجنائي العسكري بقلم د فائزة الباشا

 

 

 

إشكاليات التوسع في اختصاص القضاء الجنائي العسكري

د فائزة يونس الباشا

شهد قانون الإجراءات الجنائية العسكري تطورا تشريعيا تبعا للمتغيرات السياسية بما ينسجم وطبيعة السياسة الجنائية التي من خصائصها إنها سياسية مرتبطة بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهو ما يتأكد بجلاء خلال العشر سنوات الأخيرة، التي ألقت بظلالها على القانون المشار إليه بصورة سلبية، فيما يتعلق بحدود معيار الاختصاص الشخصي، ومحل الجريمة المرتبط بالمصلحة المحمية، بين اتجاه موسع نسبياً وآخر مضيق وثالث موسع على نحو مخل.

ولقد عدل البرلمان الليبي بموجب القانون رقم 4 لسنة 2017م المعدل لقانون العقوبات والإجراءات العسكري عن مسلك من سبقه بتبني النهج الموسع الذي تقرر عام 1999م بموجب قانون الإجراءات الجنائية العسكري، بعد إن قصر المؤتمر الوطني العام إختصاص القضاء العسكري  على العسكريين فقط  في القانون رقم 11 لسنة 2013م المعدل لقانون العقوبات والإجراءات العسكري، وزاد الطين بله بشرعنته لمصطلح المليشيات المسلحة وإخضاعهم  لاختصاص القضاء  الجنائي العسكري ، وتلك مفارقة عجيبة أخرى  فهل استخدام مصطلح مليشيا عسكرية في قانون الإجراءات الجنائية العسكري مسلك مقبول  دون تحديد للمقصود بها؟  كما وأن إخضاع الجرائم الإرهابية لاختصاص القضاء الجنائي العسكري يزيد الأمور تعقيدا.

 

وأغفل المشرع  مسائل عديدة أهمها أن القضاء العسكري قضاء خاص (استثنائي)، يتعين ألا يوسع من نطاق اختصاصه لمساسه بحق المتهم في المثول أمام  قاضيه  الطبيعي، والمساواة أمام القانون، ناهيك عن عدم مراعاته  للإنتقادات التي توجه للقضاء  العسكري ، وفي مقدمتها عدم استقلاله عن السلطة التنفيذية، وعدم تخصص القضاة، فصفة ضابط  لا تعني إلمام العسكري بالقوانين والقدرة على تمحيص الوقائع وتكييفها وفق صحيح القانون ، واحترام معايير المحاكمة العادلة ، كما وأن تخويل المحكمة الاستعانة بمستشارين إجراء  شكلي  غير كافى لأنه  لا يحقق للمجتمع والضحايا حقهم في إرساء دعائم العدالة، ولا للمتهمين ما يلزم من ضمانات لمحاكمتهم محاكمة عادلة، ليدخل ضمن اختصاص القضاء العسكري  ليس فقط العسكريين، بل أيضا:

  • المستدعون للتدريب العسكري العام .
  • المدنيون العاملون بالجيش الليبي في حالة النفير .
  • الأسرى العسكريون .
  • المليشيات المسلحة .
  • مرتكبو جرائم الإرهاب .

ولقد أفرز الواقع العملي إشكاليات أخري زادت الأمور تعقيدا بسبب تدخل أجهزة تتبع للقوات المسلحة في تنفيذ مشاريع للجهات العامة وتخويلها صلاحية التعاقد مع الشركات والهيئات المدنية خدمة للصالح العام وتحقيقاً للتنمية المستدامة الوطنية خارج نطاق المعسكرات والثكنات والمقرات والأماكن التابعة للقوات المسلحة، وتشكيل لجان إدارية لها إختصاصات الجمعية العمومية، وتصدى الأجهزة الرقابية للمخالفات بعد وقوعها للخلل الذي تسبب فيه المشرع الليبي بمنح الجهات الإدارية صلاحية  التعاقد دون رقابة سابقة فيما لا يزيد عن خمس ملايين ( وهو مبلغ تبني به مشاريع ضخمة في دول مجاورة ) بهدف منحها المرونة وتجاوز البيروقراطية الإدارية فتسبب ذلك في إفساد التعاقدات ومنح الأجهزة الرقابية سلطة الرقابة اللاحقة وإقرار معالجات لتقويم الإنحرافات الذي يتعذر تقويمها في الغالب.

وتسبب تفسير الجهة الرقابية الموسع للفقرة 2 البند أ المادة الثانية في إخضاع المدنيين للقضاء الجنائي العسكري ولم يقصره على الحالات الواردة في الفقرة الأولي منها (وهي سياسة جنائية تشريعية محل الانتقاد )، حيث مد اختصاص هذا القضاء الخاص (الاستثنائي) إلى الجريمة أو الجرائم التي يكون محلها المعدات وغيرها ، والتي فسرت بأنها إهدار للمال العام يوجب مساءلة من يتسبب فيه ولم تتوفر فيه الصفة العسكرية أمام القضاء الجنائي العسكري .

وأن اتفقنا أن المعدات ومهمات وأسلحة وذخائر ووثائق وأسرار القوات المسلحة وكافة متعلقاتها  لها قيمة مادية، وان إهدارها يوجب مسألة الجناة ممن توافرت فيهم صفة موظف عام عن جريمة التقصير والإهمال في حفظ المال العام وفقا للمادة 15 من القانون رقم 2 لسنة 1979م بشأن الجرائم الاقتصادية ، إلا أن منفذ أحكام قانون الإجراءات الجنائية العسكري المعدل ( الجهة الرقابية) جانبه  الصواب، إذ  يجب إعمال النص في أضيق نطاق، حيث أن المعدات وغيرها مما يتصور أن يكون محلا لجريمة الإهمال والتقصير في حفظ المال العام، تقتضي ان تكون تلك المعدات أو المهمات أو الأسلحة أو الذخائر أوالوثائق وكافة متعلقاتها مسلمة للقوات المسلحة تسليما رسميا، وأن تخضع  للنظم والقواعد الخاصة  التي يحكمها القانون العسكري، ويتعين مراعاة  الأوامر المستديمة، التي تعد بمثابة لوائح داخلية بإدراج تلك المعدات وغيره ضمن القوة العمومية للجهة العسكرية التابعة لها ، بما يلزم  جهة الإدارة العسكرية  ببيان ما بعهدتها من أجهزة ومعدات وأسلحة وغيرها .([1]) والتي من بينها ما يدخل في عهدة المستشفيات والمراكز الطبية العسكرية التابعة للقوات المسلحة الليبية.

ولا شك أن الوضع القانوني لجهاز الطب العسكري يطرح العديد من التساؤلات، من بينها هل أخضعت التعاقدات التي أبرمها جهاز الطب العسكري إلى القواعد الخاصة المقررة بشأن قواعد الشراء والبيع والفحص في القوات المسلحة؟ ([2]) أم إلى لائحة العقود الإدارية؟ وهل استهدف التعاقد توريد معدات للمستشفيات والمراكز التابعة للقوات المسلحة؟ وهل تم اخضاعها للنظم الرقابية في جهاز الحسابات العسكرية؟ وهل تم استلام المعدات وغيرها من قبل لجنة مشكلة من قبل مدير عام الجهاز مكونة من ثلاث ضباط وأخضعت للفحص بحسب ما تنص عليه الأوامر المستديمة ذات العلاقة؟

تلك الإشكاليات وغيرها نأمل من طلاب الدراسات العليا القسم للعام تناولها بالبحث والدراسة، بمراعاة الخصوصية التي يتمتع بها جهاز الطب العسكري بحسب قرار إنشائه، وطبيعة التعاقدات التي أبرمها وتحكمها التشريعات النافذة في ليبيا -بحسب أحد العقود –  والتي قصد بها قوانين العمل والضمان الاجتماعي، وإخضاع العقد للتسجيل بإدارة الضرائب، ولم ترد إشارة إلى قانون الخدمة والحسابات العسكرية.

مما تقدم  يتضح بجلاء إن الفقرة 2 من المادة الثانية تستهدف حماية المعدات والمهمات والأسلحة والذخائر والوثائق وأسرار القوات المسلحة وكافة متعلقاتها، المسلمة رسميا بعهدة الجيش الليبي والتي أخضعت لرقابة الحسابات العسكرية ،   ولا يسأل المدنيين  بصفتهم فاعلين أصليين  عن جريمة إهدار المال العام وتحقيق منافع للغير دون وجه حق أمام القضاء العسكري الذي لا يكون مختصا إلا إذا كانت الأشياء المشار إليها محل الجريمة مسلمة بصورة رسمية لجهة عسكرية وفق  أحكامه ونظمه، إذ  أنه ورغم تبعية الجهاز لوزارة الدفاع بحسب قرار إنشائه رقم 204 لسنة 2019م المعدل ، إلا أن تسيير شؤونه يتم من قبل لجنة إدارة بموجب القرار رقم 270 المعدل للقرار آنف الذكر ، والذي لم يشر في ديباجته إلا إلى الاتفاق السياسي والقانون الصحي وقانون العمل وقرار المجلس الرئاسي بشأن منح تفويض مهام ، ليسحب الاختصاص من وزير الدفاع بتسمية المدير العام وتكلف به لجنة الإدارة التي تتولى الاشراف على اعماله وإعداد اللوائح التنظيمية وعرضها على مجلس الوزراء، الأمر الذي يؤكد أن لجنة الإدارة لا تخضع للنظم العسكرية إلا بالنسبة لمن توافرت لديه الصفة العسكرية.

كما يستفاد من قرار إنشاء الجهاز الذي حل محل الإدارة العامة للخدمات الطبية العسكرية ،  إن المدير العام هو من يتولى تصريف شؤونه التنفيذية والمالية والإدارية والتوقيع على العقود الخاصة بعد الموافقة عليها من لجنة الإدارة ، وأنه ملزم بمتابعة تنفيذيها بعد إعتمادها ، وعن تقديم التقارير الدورية للجنة الإدارة التي تسأل إداريا إذا تهاونت في الاضطلاع بدورها الرقابي الاشرافي، ويسأل أعضائها ورئيسها عن جريمة الإهمال أمام القضاء العادي إذا  ثبت إخلالهم بالواجبات الوظيفة التي  يوجبها عليهم التزامهم بتولي إدارة أو عضوية مجلس الإدارة إذا لم يكن الموظف ممن تتحقق فيه صفة العسكري، لأن مشاركتهم لم يتحقق بها صورة الاخلال بواجب عسكري كما وانه لم يقع بسببه،  ويصدق ذلك على أي سلوك يتحقق به وصف الاخلال بالواجب  ، ومن صور   الإهمال عدم  تقديم المدير العام تقاريره الدورية للجنة الادارة، وفي حال  علمهم بعدم قيام المدير العام بواجباته لحفظ المال العام، وموافقتهم الصريحة أو الضمنية  في حال تغاضيهم عن تقصيره وإهماله، يسأل من توافرت فيه صفة العسكري وفقا  لأحكام البند ث الفقرة 1 من المادة الثانية من قانون الإجراءات الجنائية العسكري رقم 4  لسنة 2017م  أمام القضاء العسكري.

ولقد انتهت المحكمة العليا الليبية إلى ان ” الإهمال في أداء الواجب الوظيفي يتحقق بترك الموظف لعمله المنوط به في وقته بأن يتغاضى عنه أو يؤديه بتراخي وتباطئ بدون عذر مشروع لما في ذلك من الاخلال بحق الواجب الوظيفي والإساءة إلى المصلحة العامة ..”. ([3]) وعرفت محكمة النقض المصرية الإهمال بأنه (صورة من صور الخطأ الفاحش ينبئ عن انحراف مرتكبه عن السلوك المألوف والمعقول للموظف العادي في مثل ظروفه وقوامه، تصرف إرادي خاطئ يؤدى إلى نتيجة ضارة توقعها الفاعل أو كان عليه أن يتوقعها ولكنه لم يقصد إحداثها ولم يقبل وقوعها) .

 

ومما تقدم نؤكد أهمية التضييق من تطبيق معايير الاختصاص الشخصية والنوعية علاوة على محل الجريمة، بما يحقق المعيار المصلحي الذي لأجله أنشئ القضاء الجنائي العسكري، وضرورة التقييد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية العسكري الذي لا يخول سلطة الادعاء العام ( جهاز النيابة العامة ) إيقاف الموظف باعتباره تدبير احترازي ذا طبيعة إدارية له شروطه وأحكامه الخاصة، ناهيك عن الإشكالية التي تلقي بظلالها على من يتولى منصب الادعاء العسكري ، حيث كلف مجلس النواب مدعى عام عسكري، غير الذي تم تسميته من وزير الدفاع المفوض بحكومة الوفاق، الأمر الذي يخل بمبدأ المساواة أمام القانون ومعايير المحاكمة العادلة، وهو أحد الموضوعات الشائكة التي يجب تسويتها.

 

د فائزة يونس الباشا

25 نوفمبر 2020م

[1] – أمر المستديم رقم 2 ،  الأوامر المستديمة 1972م.

[2] – أمر المستديم رقم 21،  الأوامر المستديمة 1972م.

[3] – طعن جنائي 72/21 ق جلسة 18/6/1975م مجلة المحكمة العليا العدد 1 ص 158

هذه المقالة كُتبت في التصنيف الأخبار, المقالات, مقالات الصحيفة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *