تونس : مكافحة الاتجار بالبشر.. مشروع قانون سيعتمد قريبا .

هجرة جزر اليونان

يشكل الاتجار بالبشر نشاطا ضخما سريا عابرا للدول، ويشمل الرجال والنساء والأطفال الذين يقعون ضحية الخطف، والقسر أو الاستدراج لممارسة أشكال مهينة من الأعمال لمصلحة المتاجرين بهم. وتتخفى معظم هذه العمليات تحت ستار نشاطات شرعية يصعب استقصاؤها أو تتبع تحركاتها، ما يحتاج إلى سن قوانين صارمة وقادرة على مواجهة هذه الظاهرة.
و تعرف القوانين الدولية الاتجار بالبشر بتجنيد الأشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر والاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال.

وهذا القانون الذي تم سنه سنة 2000 على أهمية بالغة على مستوى تحديد الإطار العام لهذا النوع من الجرائم بما يسهل عمل الهيئات المختصة في متابعتها، إلا أن سقف هذه الجرائم لم يتوقف، فهي تتخذ أنماطا عدة تكون عصية على الكشف في العديد من المناسبات.
وعلى اختلاف هذه القضايا المستفحلة على الصعيد الدولي وبأشكال مختلفة إلا أنها تلتقي في خانة المساس والضرر بالحرمة النفسية والجسدية للأفراد وتتعارض مع كل مبادئ حقوق الإنسان في العالم. وتعد تونس بلدا منشأ ونقطة عبور ومقصدا للاتجار بالبشر، ويشكل فيها النساء والأطفال والرجال بغض النظر عن سنهم أو وضعهم الاجتماعي أهدافا للمجرمين حسب المنظمة الدولية للهجرة.

ولهذا السبب وضعت السلط المختصة في تونس مشروع قانون أساسي يتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته، وكان محور ندوة دولية بالاشتراك بين وزارة العدل التونسية ومجلس أوروبا والمنظمة الدولية للهجرة وحضرها عدد من المسؤولين التونسيين والخبراء الأوروبيين.
تثمين مشروع القانون

أكد  وزير العدل التونسي  خطورة ظاهرة الاتجار بالأشخاص وما تقوم عليه من ممارسات مهينة لكرامة الإنسان ومنتهكة لحرمته الجسدية، مشيرا في السياق ذاته إلى أن هذا النشاط أصبح يستحوذ على اهتمام المجموعات الإجرامية المنظمة التي بادرت بالاستثمار في تدفقات الهجرة الدولية وأصبحت تسيطر على أسواق اليد العاملة الرخيصة وشبكات الدعارة والتسول وتجارة الأعضاء البشرية وغيرها من أشكال الاستغلال المهينة للإنسان. وأوضح الوزير التونسي أن هناك العديد من المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة انخرطت في مكافحة هذه الظاهرة من خلال نشر الوعي بخطورتها وتعزيز قدرات الدول على التصدي لها وإبرام الاتفاقيات الدولية في مختلف المجالات ذات العلاقة بهذا النشاط المحظور.

علما وأن مشروع القانون الذي ينتظر المصادقة عليه قريبا اعتمد في تعريفه للاتجار بالبشر ما ورد في بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة الموقع في باليرمو الإيطالية سنة 2000. وحدد بوضوح أشكال الاستغلال والاتجار بالبشر وآليات العقاب والأحكام المدرجة في الغرض بين التشديد والتخفيف، إلى جانب آليات الحماية والمساعدة الموجهة أساسا لضحايا هذه الجرائم وباب خاص بهيكلة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص التي سيتم بعثها بالشراكة بين وزارات العدل، والداخلية، والدفاع، المرأة والأسرة والطفولة، إلى جانب مكونات المجتمع المدني.

أهمية المشروع وتحدياته

تمكنت المنظمة الدولية للهجرة بين سنتي 2012 و 2015 من التعرف ومساعدة 57 ضحية للاتجار بالأشخاص في تونس أغلبهم قادمون من أفريقيا (جنوب الصحراء)، وتم ذلك بالتنسيق مع المؤسسات الحكومية التونسية ومنظمات المجتمع المدني والقنصليات الأجنبية في تونس في إطار مشروع “شار 1 و2”. ومن بين الضحايا 36 ضحية من الكوت ديفوار (معدل 63 بالمئة) وتسعة ضحايا من نيجيريا (16 بالمئة)، فيما ينحدر بقية الضحايا الذين تم التعرف إليهم من تونس والكونغو والكاميرون وغانا والفلبين وكولومبي، وتتراوح أعمارهم بين 18 و52 سنة.

ولأول مرة سيكون المشرع التونسي مطالبا ببعث قانون يكون علامة فارقة في القانون الجزائي التونسي ولا سيما في ما يتعلق بالتعاطي مع الضحية التي يمكنها القانون من إعادة التأهيل وجبر الضرر وإعادة دمجها في المجتمع من جديد كطرف فاعل، ويقطع مع العادات التي تتجه نحو معاقبة الجاني في حال ثبوت التهم ثم تغض الطرف عن الضحية دون الالتفات إليها على حد تعبيره.

الضحية هي الأساس

تركز النصوص القانونية الدولية في مسألة الاتجار بالبشر على عدة معطيات وحلقات متداخلة لفك شفرة قضايا في هذا الإطار، لكن الضحية تبقي الرقم الأصعب في هذه العملية ككل، حيث ينص القانون على ضرورة تقديم أنماط خاصة من الرعاية تكون كفيلة بإعادتها إلى الانخراط من جديد في الحياة. وهذا الإطار لم تكن تونس من بين الدول المنخرطة في العمل به حتى وقت قريب، إذ كانت الضحية تدرج في خانة المذنب وتسلط عليها العقوبات بدل الرعاية.

نيكولا لو كوك: لا بد من التعاطي الصحيح مع ضحايا قضايا الاتجار بالبشر وحماية حياتهم
وفي هذا السياق فإن النصوص الحالية في تونس تعتبر في بعض الحالات الضحية شريكا في الجريمة أو تعتبرها فاعلا أصليا على غرار جرائم البغاء السري والتي لنا فيها مثال قضية الفتيات العائدات من لبنان مؤخرا واللاتي تم اعتبارهن فاعلات في الجريمة وتم الحكم عليهن بالسجن.

ولهذا فإن هذا القانون يكتسي أهمية بالغة أمام انتشار ظواهر الاستغلال الاقتصادي والجنسي التي تحتاج نصا شاملا يجرم هذه الأفعال ويضع أحكاما خاصة بالضحايا.

هذا واعتبر نيكولا لو كوز رئيس فريق خبراء مكافحة الاتجار بالبشر في أوروبا أن الاتجار بالبشر أصبح ظاهرة عالمية عابرة لكل الحدود وهو ما يجعل مثل هذه القوانين ذات أهمية خاصة وتساعد على توسيع دائرة النشاط الهادف إلى التصدي لمزيد انتشارها. وشدد على ضرورة التعاطي الصحيح مع ضحايا هذه القضايا عبر توفير الرعاية الصحية والنفسية وحماية حياتهم والحماية أثناء التحقيق والتعويض المادي أيضا، فضلا عن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية مع إيلاء الاعتبار لحقوقهم وسلامتهم وكرامتهم عبر إنجاز تقييم للمخاطر والسلامة التي تسبق إعادتهم للوطن، إلى جانب تقديم المساعدة من أجل إعادة الإدماج من قبيل التعليم أو المساعدة على إيجاد عمل. كما دعا لو كوز إلى تفعيل هذا القانون عاجلا حتى يتم القطع مع القوانين السابقة في تونس التي لا تكفل الحماية للضحية بل وتضعها في خانة المذنب.

وقالت باتريسيا لو كوك، وهي محققة تابعة للمركز الفدرالي للهجرة (بلجيكا) إن الضحية هي الطرف الأهم في مثل هذه القضايا وتحتاج إلى مستوى دقيق جدا من التعاطي يشمل عدة جوانب نفسية واجتماعية وقانونية، وهو ما توصلت إلى تجسيده بلجيكا بعد سنوات من التجربة في التعامل مع عدة قضايا في الاتجار بالبشر على حد تعبيرها.

وذكرت أن العملية على غاية من الدقة وتحتاج جملة من الخطوات التي يقوم بها عدد هائل من الخبراء على غرار جمع المعلومات التي تكون عبارة عن تقارير تقيم وتحلل الأوضاع العامة في بلدان الضحايا والتدابير المتخذة في قضايا الاتجار بالبشر والتي يتم الاستفادة منها على مستوى التعامل مع الضحية التي تخضع في الأثناء لمتابعة ورعاية خاصة على أيدي مختصين وضعوا لمتابعة مثل هذه الحالات ويمتلكون التجربة اللازمة لذلك.

عن صحيفة العرب

هذه المقالة كُتبت في التصنيف الأخبار, المقالات, تحقيقات. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *