إثبات النسب بعد 17 سنة من الولادة.. ثمّ نقضه بعد 36 سنة.

طفلة زوجة 3

منقول :  الدمام ـ حبيب محمود، ياسمين آل محمود

نادية: افحصوا ابنتي وإخوتها وأتحمل كامل المسؤولية.
«العدل»: إذا اكتسب الحكم القطعية فلا يحق للمتهمة الطعن.

الحكم: «أميرة» أخت «نادية» .. والبنوة مزورة.

السيدة “نادية” الأم تحدتث لـصحيفة  “الشرق”
بدأت القصة في قرية مصرية صغيرة اسمها «طُرة البلد». وبلغت ذروة تعقيداتها في مدينة الدمام. وما بين البداية والذروة فاصل زمني تجاوز 36 عاماً، امتلأ بتفاصيل حلقات مسلسل معقّد. ووصلت فيه حلقتها ما قبل الأخيرة إلى الحكم على «نادية» و«أميرة» بالسجن سنتين، وغرامة 10 آلاف ريال، لكل منهما، بتهمة التزوير، بهدف إثبات نسب «أميرة» إلى مواطن سعودي مُتوفَّى، ومن ثم الحصول على نصيبٍ من تركته.
لكنّ حلقة النهاية هي الحاسمة، وهي التي سوف تُثبت إن كانت السيدتان المقيمتان في المملكة زوَّرتا فعلاً أم لم تُزوِّرا  الحلقة تحتاج إلى فحص DNA يُثبت ـ أو ينفي ـ أن «أميرة» هي ابنة للمواطن الذي اختفى بعد زواجه بـ 3 أشهر.
السيدة «نادية» هي الأم، وقد زارت «الشرق» برفقة ابنها «أحمد» الذي أنجبته من زوج سعوديّ آخر . وكلاهما روى القصة من طرفهما، وقدّما وثائقها، آملَين أن يصل صوتُهما وتحصل «نادية» على حقّ فحص الحمض النووي لابنتها «أميرة»، ولأبناء زوجها السابق.. ليس أكثر.

زواج في مصر

صورة من حفل الزفاف قبل 36 سنة
في يوليو 1979؛ زار ستينيٌّ سعودي قرية «طرة البلد» المصرية باحثاً عن زوجة صالحة على سنة الله ورسوله. كانت «نادية» في بداية عقدها الثالث، وأكملت دراستها المتوسطة. تمّ الزواج، بمباركة أهلها، وبقي الزوج معها لأكثر من 3 أشهر بقليل، وعندما شعرت الزوجة بعوارض الحمل؛ أخبرت زوجها بالأمر. عندها؛ وجد نفسه ملزماً بأخذها معه إلى بلاده. ومن أجل ذلك؛ عاد إلى المملكة لينهي الإجراءات الرسمية المتصلة بإذن الزواج من غير السعوديات، ومن ثمّ نقلها «نادية» معه إلى حيث يقيم في بلاده.

اختفاء

ومنذ مغادرته الأراضي المصرية قبل نهاية العام 1979 بقليل؛ انقطعت أخباره. «فَصْ مَلحْ ودابْ»، كما يقول المصريون. لكن الجنين أخذ ينمو في بطن «نادية» التي ليس بينها وبين «بدر» الغائب إلا صورة من بطاقة الأحوال المدنية خاصته، وعقد الزواج، وصورة من حفل الزفاف. يُضاف إلى ذلك معلومة ناقصة؛ هي أن الزوج السعودي الغائب يقطن المنطقة الشرقية من السعودية.
إلا أن هذه الروابط لم تُجدِ نفعاً في الوصول إليه على الرغم من جهود السفارة السعودية.

طلاق غيابي

أكمل الجنين مدته في رحم أمه، وفي الـ 9 من شهر مايو 1980 وُلد أنثى، وسُمّيت «أميرة»، ووالدها ما زال غائباً، وأخباره بلا أثر. لم ترَ والدها مطلقاً. وبعد إكمال الطفلة عامها الثالث لجأت والدتها إلى القضاء المصري، فحصلت على الطلاق غيابيّاً، لتنتهي مشكلتها، وتبقى مشكلة طفلتها .

تداعيت الجنسية السعودية 
بلغت «أميرة» سنّ الدراسة، لكنّ النظام المصري لا يسمح بدخول السعوديين المدارس الحكومية. وجدّها الفقير «سيد حافظ» غير قادر على نفقاتها الدراسية في مدارس أهلية. عندها لجأ إلى الخطأ  الذي أسّس كلَّ التعقيدات لاحقاً. سجّل «أميرة» باسمه، ووضع نفسه أباً في السجلّات الرسمية. دفعه الفقر والحاجة إلى أن يفعل ما لا يجوز فعله. تقديرا منه لمصلحة الطفلة .

إثبات النسب

 بعد زواج الام بسعودي ثاني ، عرفت، أن طليقها المرحوم «بدر» له أبناء. وحين تواصلت معهم وأخبرتهم بقصتها الطويلة؛ تردّدوا في تصديق أن لهم أختاً اسمها «أميرة» من زوجة أخرى لأبيهم. عندها لجأت «نادية» إلى القضاء، في دعوى رفعتها إلى المحكمة الكبرى في المبرز. وعند نظر القضية أقرّ «سيف» وهو أحد أبناء المتوفَّى «بدر» بأن والده أخبره وأخبر أخاه «محمد» معاً أنه «تزوج امرأة من مصر، وأنها حُبلى منه، وأنه قد حاول قبل وفاته» إحضارها إلى المملكة ولم يفلح. وهذا ما دوَّنته المحكمة في الصكّ الذي صدر عنها في 17/2/1418هـ. وبعد عرض الأدلة الأخرى، أقرّ الأبناء الثلاثة «محمد» و«سيف» و«سعود» بما طالبت به زوجة أبيهم «نادية» التي أدَّت «اليمين المكملة للشهادة»، بناءً على طلب «سعود».
بعد هذا كله حكمت المحكمة «ببنوَّة أميرة» لـ المرحوم «بدر» الرجل الذي تزوجته «نادية».

حكم المحكمة الكبرى في المبرز ببنوة “أميرة”.. وشهادة وفاة الوالد «بدر» عام 1414

أضيف اسم «أميرة» إلى حصر الإرث
صدر حكم قضائي قبل به الطرفان «نادية» وأبناء «بدر». وكان يمكن لهذا الحكم أن يقلِّص حلقات المسلسل إلى 18 سنة من المتاعب والمعاناة. خاصةً بعدما جيءَ بالبنت «أميرة» من مصر بتذكرة مرور، وبدأت تعيش مع إخوتها في بيتٍ واحد. وبعد ضمها إلى وثيقة حصر الإرث الشرعية، بعد يوم واحد من حكم إثبات النسب، ظهرت مفاجآت صادمة جداً، وتوالت متعاقبة؛ فالشابّة «أميرة» أحيطت بسوء معاملة في بيت إخوتها، ووصلت المعاملة إلى الضرب، حسب قول السيدة «نادية. فوق ذلك؛ أودعت في دار رعاية الفتيات في الأحساء، لأن أحد إخوتها أنكر نسبها من جديد، وبقيت في الدار قرابة العام، قبل ترحيلها إلى مصر لاحقاً. وفوق ذلك رفع «سعود» دعوى ضدّها وضدّ «نادية»، متهماً الاثنتين بالتزوير لإثبات نسب «أميرة» إلى أبيهم المتوفَّى «بدر».
واستند «سعود» في الدعوى إلى الوثائق الدراسية المصرية، فهي تحمل اسم «أميرة سيد» وليس «أميرة بدر».

هذا يعني ـ حسب الاتهام ـ بأن «نادية» و«أميرة» أختان، وليستا أمَّاً وابنتها. ويعني، أيضاً، أن الاثنتين زوَّرتا الوثائق من أجل إثبات نسب «أميرة» والحصول على حصة من إرث والدهم.
أخذت الأحداث تتسارع، والإجراءات تتعقّد، والتحقيقات تتلاحق. وبعد أيام، تمّ إبلاغ الاثنتين بأن نتائج التحليل تُثبت أن «أميرة» ليست ابنة لـ «بدر». التحليل ـ حسب السيدة نادية ـ مبنيٌّ على عينتَي دم أُخِذتا في الشرطة. وفي تسارع للأحداث؛ رُحِّلتْ «أميرة» إلى مصر. وكان ذلك عام 1422، أي بعد قرابة 5 سنوات من صدور حكم إثبات النسب.

حكم قضائي

القصة لم تنتهِ بعد.. مرَّت سنواتٌ، ليتم استدعاء «نادية» وتُوجَّه إليها تُهمة التزوير في نسب «أميرة»، بهدف الحصول على نصيب من إرث المرحوم «بدر»،. وتحرّكت الدعوى، ووصلت إلى ديوان المظالم. واعتمدت الدعوى على فحص الدم السابق، وشهادة «أميرة» التعليمية التي كتبت باسم جدها حتى تتمكن من إكمال تعليمها حين بلغت سن التعليم في مصر.
وفي ديوان المظالم؛ عُقدت الجلسات، الجلسة تلو الجلسة. سنوات من الأخذ والرد والادعاء والدفع. الاتهام يقول إن «نادية» أختٌ لـ «أميرة». والدفاع يقول إن «نادية» هي أمٌّ لـ «أميرة»، والمرحوم «بدر» أبٌ لـ «أميرة» أيضاً. ويطالب الدفاع بإجراء فحص الحمض النووي DNA للاثنتين إضافة إلى أبناء المرحوم «بدر».
ويوم الإثنين الـ 22 من شهر رجب من العام الماضي؛ صدر الحكم بسجن «نادية» و»أميرة» سنتين وغرامة 10 آلاف ريال لكلٍّ منهما. وهو الحكم الذي أيَّدته محكمة الاستئناف الإدارية في المنطقة الشرقية. وبهذا بدأ العد التنازلي لتنفيذ الحكم الصادر ضدهما. وجاء في الحكم أن «الدائرة تصادق على ما انتهت إليه الدائرة في حكمها محل الاعتراض وتؤيده محمولاً على أسبابه، ولا يغير من ذلك ما أثير في الاعتراض من أقوال لم تخرج في الجملة عما سبق إيراده أمام الدائرة أثناء نظر الدعوى، لذلك حكمت الدائرة بقبول الاعتراض شكلاً ورفضه مضموناً وتأييد الحكم الصادر».
وقد تواصلت «الشرق» مع وزارة العدل في العاصمة الرياض، وعلَّق مصدرٌ مطلع بقوله «إذا اكتسب الحكم القطعية من محكمة الاستئناف بعد الفترة المحددة بشهر من صدور الحكم الأول، فلا يحق للمتهمة الطعن في الحكم ويعدُّ نافذاً».

أبناء «أميرة» بلا سجلّ

تواجه «أميرة» مشكلة أخرى من تداعيات القضية. وهي متزوجة من شاب سعودي، ومقيمة في المملكة. ولديها ثلاثة أطفال أكبرهم في الخامسة. غير أنهم بلا سجلات مدنية. السبب هو أن نسب الأم غير ثابت حتى الآن. وبالتالي؛ لا يمكن تسجيلهم لهذا العائق، على الرغم من أنهم سعوديون بحكم تبعيتهم لجنسية والدهم السعودي.

الفحص يستلزم أمراً رسمياً

هنا وصلت القصة ذروتها، ووجدت السيدتان نفسيهما أمام باب مسدود، لا يمكن فتحه إلا بدليلٍ حاسم، هو فحص الحمض النووي. وهذا الرأي شرحه أحد قضاة محكمة الاستئناف لـ «أحمد»، ابن السيدة «نادية». وفي حال توفّر هذا الدليل فإن هناك احتمالاً قائماً لإعادة النظر في القضية من جديد. ولكنه احتمالٌ غير مؤكد.
مع ذلك تطالب السيدة «نادية» بإجراء هذا الفحص، وتحمّل نفسها كامل المسؤولية فيما يخصّ نتائج فحص الحمض النووي.
غير أن إجراء الفحص النووي لا يمكن بسهولة، ولا بدّ من توفُّر طلب رسميّ صادر عن جهة رسمية ذات صفةٍ اعتبارية. كما يمكن إجراء الفحص خارج المملكة، لكن «أميرة» لا يمكنها السفر إلى الخارج، لأنها ـ حتى الآن ـ تواجه مشكلة في سجلها المدني، فنسبها غير ثابت رسمياً لأبيها «بدر».

حلقات في القصة

عقد زواج “نادية” من “بدر” في مصر بتاريخ 9 يوليو 1979م.
شهادة ميلاد “أميرة” صادرة في مصر بتاريخ 9/ 5/ 1980م.
شهادة وفاة الزوج “بدر” بالأحساء بتاريخ 12/ 11/ 1414هـ.
حكم إثبات نسب “أميرة” المحكمة الكبرى في المبرّز بتاريخ 17/ 2/ 1418.
ضم “أميرة” إلى حصر الإرث من المحكمة الكبرى في المبرز بتاريخ 18/2/1418.
حكم المحكمة الإدارية في المنطقة الشرقية ضد “أميرة” و “نادية” في 22/ 7/ 1436.
حكم محكمة الاستئناف الإدارية في الشرقية في 9/ 11/ 1436.
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٧٢) صفحة (٧) بتاريخ (١٥-١٢-٢٠١٥)

هذه المقالة كُتبت في التصنيف المقالات, ثقافة, جريدة الجرائد. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *