مركز كارنيغي ” فريدريك ويري” إنهاء الحرب الأهلية في ليبيا: التوفيق بين السياسة وإعادة بناء الأمن .

فريدريك

مركز كارنيغي ” فريدريك ويري”

إنهاء الحرب الأهلية في ليبيا: التوفيق بين السياسة وإعادة بناء الأمن

بعد أكثر من سنوات ثلاث على سقوط معمر القذافي، تعيش ليبيا في خضمّ حرب أهلية مريرة تكمن جذورها في توازن الضعف بين الفصائل السياسية والجماعات المسلحة في البلاد. ونتيجة لتمزّق المشهد المحلي بسبب المطالبات المتنافسة على السلطة ومع تدخّل الجهات الإقليمية الفاعلة الذي يعمل على ترسيخ الانقسامات، سيكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل استعادة الاستقرار في ليبيا وبناء هيكل أمني موحّد من دون إجراء مصالحة سياسية شاملة.

  • سياسات استقطابية ومؤسّسات أمنية محطّمة
  1.  بعد سقوط القذافي، تحوّل قطاع الأمن في ليبيا إلى نظام هجين، تميّز بتعاون فضفاض وغير متوازن بين الجماعات المسلحة المنظّمة محلياً التي ترعاها الدولة وبين الجيش الوطني والشرطة.
  2. انهار النظام عندما ازدادت وتيرة الاستقطاب في المؤسّسات السياسية والأمنية وفق انقسامات مناطقية ومجتمعية وإيديولوجية.
  3.  البلاد منقسمة الآن بين معسكرين متحاربين: “عملية الكرامة”، وهي تحالف يتكون من قبائل المنطقة الشرقية وأنصار الفيدرالية والوحدات العسكرية الساخطة. و”عملية الفجر”، وهي تحالف من القوى الإسلامية المتحالفة مع جماعات مسلحة من مصراتة. كل معسكر يدّعي بأنه يملك الحكم والشرعية، وله برلمانه وجيشه ورئيس وزرائه الخاص.
  4. .أسهم الدعم الإقليمي لكلا المعسكرين – تدعم مصر والإمارات العربية المتحدة “عملية الكرامة”، في حين تدعم قطر وتركيا والسودان “عملية الفجر” – في تعميق هذه الانقسامات.

فشلت الجهود الخارجية لتدريب وتجهيز المؤسّسات الأمنية في ليبيا بسبب هذا الاستقطاب. إذ لايوجد هيكل قيادة فعّال، حيث لجأ المتدرّبون إلى الولاءات المناطقية أو هم في إجازة مفتوحة بسبب عدم وجود هيكل عسكري يمكنهم الانضمام إليه.
توصيات لقادة ليبيا والأطراف الخارجية التي تدعمهم
تركّز أبحاث ويري على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج وليبيا، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً.

تطبيق وقف إطلاق النار بين الكرامة والفجر وتأمين انسحاب القوات المشاركة في الحملات العسكرية التي يقوم بها الطرفان. ينبغي أن تخرج الوحدات العسكرية الخاصة بالتحالفين من المدن الكبرى، كما ينبغي حلّ الوحدات التي هاجمت المدنيين أو المنشآت المدنية.
الدفع باتجاه تشكيل حكومة انتقالية تشمل جميع الفصائل. ينبغي أن يشمل ذلكصيغة لتقاسم السلطة تحفظ ماء وجه كل السياسيين وتضمّ أنصار “الكرامة” و”الفجر”، هذا إذا كفّ التحالفان عن دعم الجماعات الإرهابية ومهاجمة المنشآت المدنية.
إبرام اتفاق إقليمي ضدّ التدخّل العسكري في شؤون ليبيا. ينبغي على القوى الخارجية الكفّ عن تجهيز وتمويل الجماعات المسلحة، ودفع حلفائها في ليبيا باتجاه المصالحة. ويُعتبر اتفاق عدم التدخل الذي تم توقيعه في أيلول/سبتمبر 2014، ويشمل مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا، بداية مشجّعة.
دعم تطوير بنية أمنية وجيش وطني وقوة شرطة جديدة في ليبيا، عبر تسخير واستخدام المبادرات الأمنية المحلية. بعد صياغة ميثاق سياسي جامع، يتعيّن على الولايات المتحدة وحلفاؤها التركيز على دعم إقامة بنية دفاعية يسيطر عليها المدنيون، وقوات تعتمد على المجالس المحلية، وجهود نزع السلاح والتسريح المحلية.
مقدّمة
تبدو ليبيا منقسمة بعد رحيل  معمر القذافي. فمنذ منتصف العام 2014، اتّخذت البلاد مساراً متصاعداً نحو الحرب الأهلية. وتخوض الجماعات المسلحة المتناحرة قتالاً من أجل السيطرة على مطار طرابلس الدولي. ففي الشرق يقوم فصيل منشق عن القوات المسلحة الليبية بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، بقصف الجماعات الإسلامية المسلحة في بنغازي وماحولها. وقد تم إجلاء الدبلوماسيين الأجانب ورجال الأعمال والعاملين في بعثة الأمم المتحدة وموظفي السفارة الأميركية. واتّخذ الصراع منعطفاً إقليمياً خطيراً بسبب الضربات الجوية التي شنّتها طائرات إماراتية أقلعت من قواعد عسكرية مصرية ضد مواقع الجماعات الإسلامية المسلحة المتحالفة مع مدينة مصراتة.
توجد في ليبيا بالفعل حكومتان متنافستان. إحداهما في طرابلس، حيث استولى تحالف من الجماعات المسلحة من مصراتة ومدن أخرى في غرب ليبيا، جنباً إلى جنب مع الإسلاميين، على المطار والوزارات. والحكومة الأخرى موجودة في طبرق، حيث اجتمع مجلس النواب المنتخب حديثاً والحكومة التي يهيمن عليها أنصار حفتر وأنصار الفيدرالية. وبالتالي فإن القوات المسلحة الليبية، الرسمية منها وغير الرسمية على حدّ سواء، هي أساساً في حالة حرب مع بعضها البعض، حيث يحظى كل فصيل بدعم كوكبة من القبائل والمدن.
القوات المسلحة الليبية، الرسمية منها وغير الرسمية على حدّ سواء، هي أساساً في حالة حرب مع بعضها البعض، حيث يحظى كل فصيل بدعم كوكبة من القبائل والمدن.
غالباً مايميل المراقبون الخارجيون إلى قراءة ذات بعد واحد للاضطرابات في ليبيا. لذا يبدو من السهل أن يُفسَّر انهيار ليبيا على أنه صراع سياسي بين الإسلاميين والليبراليين: حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان المسلمين والفصائل الجهادية الرافضة مثل “أنصار الشريعة”، مقابل “الليبراليين” المنضوين تحت لواء تحالف القوى الوطنية. وهناك مستوى آخر للصراع يبدو مناطقياً يتمثّل في التنافس بين مدينتي الزنتان ومصراتة في الشرق على القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي في طرابلس، أو بين أنصار الفيدرالية وخصومهم في الشرق المهمَّش منذ فترة طويلة. وثمّة طبقة إضافية تتكوّن من بقايا النظام القديم – رجال الأمن السابقين والضباط المتقاعدين الذين أمضوا سنوات طويلة في الخدمة والتكنوقراط السابقين من عهد القذافي – وكادر أحدث وأصغر سناً ممن نعتوا أنفسهم بـ “الثوار” وهم إسلاميون في الغالب ممن تم نفيهم أو سجنهم أو كلا الأمرين، خلال حكم الدكتاتور.
والواقع أن عناصر جميع هذه الأبعاد تبدو مؤثّرة، بيد أن أيّاً منها لايملك بمفرده قوة تفسيرية كافية. فالعنف في ليبيا، في جوهره، شأن محلي جداً، وهو نابع من شبكات المحسوبية المتجذّرة التي تقاتل من أجل الموارد الاقتصادية والسلطة السياسية، في دولة تعاني من فراغ مؤسّسي واسع ومن غياب حكم مركزي يملك قوة راجحة. ويعاني البلد في الأساس من توازن الضعف بين الفصائل السياسية والجماعات المسلحة. فليس ثمّة كيان واحد يمكنه أن يجبر الآخرين على التصرّف عن طريق الإكراه، غير أن كل كيان قوي يملك من القوة مايكفي للاعتراض على الآخرين.
يشكّل مشهد الاستقطاب السياسي الحالي وقطاع الأمن المحطّم معضلة عميقة للمجتمع الدولي. إذ تبدو إحدى المقاربات السابقة لدعم مؤسّسات الدولة إشكالية عندما تكون تلك المؤسّسات، سواء الجيش أو البرلمان أو الوزارات، منقسمة بالفعل بين فصيلين متحاربين. وبالمثل، فإن الجهود التي تم التخطيط لها منذ فترة طويلة لتدريب الجيش الليبي، لايمكن أن تمضي قدماً إلا بعد وقف إطلاق النار وإجراء مصالحة سياسية تفضي إلى الاتفاق على خريطة طريق واضحة المعالم لإصلاح المؤسّسات الأمنية.
وإذا ماتم أخذ ذلك في الاعتبار، فإن الحلّ النهائي لمشاكل الأمن في ليبيا يكمن في وضع الحلول الأمنية في سياق محدّد والتوصل إلى اتفاق سياسي الشامل ووضع دستور وقيام حكومة تمثيلية. وبالتالي فهذا هو أحد المجالات التي يمكن للجهات الخارجية من خلالها تقديم المشورة والمساعدة المحسوبة، غير أن الليبيين أنفسهم هم من ينبغي أن يتحمّلوا العبء الأساسي.

  • الجماعات المسلحة 

في كثير من الأحيان، يُعتقَد أن الجماعات المسلحة في ليبيا هي خارج المجتمع والدولة الليبيين، غير أن الواقع يؤكّد أنها متداخلة جدّاً فيهما كليهما.
أحد الألغاز في ليبيا يكمن في أن كل الجماعات المسلحة تقريباً تدّعي أنها تملك الشرعية بسبب انتمائها إلى الأجهزة المتنافسة في الحكومة الضعيفة والمنقسمة. ولعلّ منشأ الدعم الحكومي لهذه الجماعات يكمن في الحالة الضعيفة للجيش والشرطة النظاميين. فقد همّش معمر القذافي تلك القوى لصالح وحدات النخبة التي يقودها أبناؤه، وتبخّر الجيش والشرطة إلى حدّ كبير خلال الثورة التي أطاحت القذافي. وبسبب تجريدها من وسيلة لإبراز سلطتها والحفاظ على الأمن على الحدود الخارجية للبلاد وفي البلدات، وضعت السلطة الانتقالية في ليبيا التي تولّت السلطة بعد القذافي – المجلس الوطني الانتقالي – الجماعات المسلحة على جدول الرواتب الخاص بها. ولذا فإن رئيس أركان الجيش ووزير الدفاع ووزير الداخلية ورئيس المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته (الهيئة التشريعية التي خلفت المجلس الوطني الانتقالي) “أدرجوا” في سجلاتهم أو “فوّضوا” جميعاً في وقت واحد تحالفات الجماعات المسلحة. وتمثّلت إحدى نتائج هذا الدعم في تكاثر الجماعات المسلحة على نحو يتجاوز بالفعل عدد الجماعات التي قاتلت ضد القذافي.
ولعلّ أفضل وصف لما نشأ بعد ذلك هو أنه نظام أمن هجين.1 ويبدو هذا المفهوم مفيداً في الحالة الليبية لوصف كيف أن القوات “الرسمية” للجيش والشرطة تعمل بتنسيق فضفاض ومشبوه في الغالب مع جماعات مسلحة “غير رسمية” أكثر قوة تخضع اسمياً لأوامر الحكومة المدعومة من السلطات القبلية والدينية التقليدية.
كانت نتائج هذا التنظيم في ليبيا متفاوتة وتعتمد بصورة كبيرة على المكان. في بعض المجتمعات المتجانسة حيث تتمتّع الجماعات المسلحة بجذور وعلاقات اجتماعية طبيعية، لعبت تلك القوى دوراً هو أقرب إلى دور قوات الدرك المحلية، وقامت بأداء وظائف مثل منع المخدرات وحراسة المدارس والمستشفيات وحتى صيانة الشوارع. ولكن في الأماكن المختلطة أو ذات الأهمية الاستراتيجية، أي طرابلس وبنغازي، تطوّرت تلك القوى وتحوّلت إلى كيانات طفيلية ومفترسة خطيرة، تسعى إلى تحقيق أجندات إجرامية وسياسية وإيديولوجية في آن.
خلافاً لبعض الافتراضات، لايمكن لأي فصيل أن يكون بمنأى عن اللوم في هذا المجال. فقد استخدمت كل الجماعات المسلحة الإسلامية والمصراتية والزنتانية وتلك التي تؤيّد الفيدرالية القوة أو التهديد باستخدام القوة للضغط على المؤسّسات المنتخبة والاستحواذ على عمليات التهريب في البلاد، أو الاستيلاء على الأصول الاستراتيجية مثل نقاط التفتيش الحدودية ومرافق النفط ومستودعات الأسلحة والموانئ، وربما الأهم من ذلك، المطارات.
ينطبق هذا الأمر بصورة خاصة على جماعات الزنتان ومصراتة المسلحة التي اشتهرت بنهب العاصمة اقتصادياً. خذ على سبيل المثال، لواء القعقاع سيئ السمعة، الذي يتشكّل في معظمه من الزنتانيين غير أنه يتمركز في طرابلس. قائده، عثمان مليقطة، رجل قوي وملتحٍ التقيته في مجمّع وحدته الذي يخضع إلى حراسة مشدّدة في غرب طرابلس. وقد كشفت ممرات مكاتب مليقطة عن كفاءة بيروقراطية والتزام بالشكليات تجاوز ماهو موجود في وزارة الدفاع. فهناك غرفة انتظار ومكتب للبروتوكول، وقسم للخدمات اللوجستية والمرتبات، وجميعها لافتة للنظر بصورة واضحة.
في أوائل العام 2012 قال مليقطة: “قرّرنا أن هدفنا هو الحفاظ على العاصمة آمنة. وبمجرّد أن يعود كل شيء إلى طبيعته سنتخلّى عن سلاحنا”. بيد أن من الصعب التكهّن بما ستبدو عليه تلك العودة إلى الحالة الطبيعية، خاصة أن اللواء أصبح لاعباً رئيساً في عالم الجريمة في طرابلس. من الناحية الرسمية، لواء القعقاع تابع لرئيس أركان الجيش، ويوفر الأمن على طول الحدود التي يسهل اختراقها في جنوب غرب البلاد، ويحرس المنشآت النفطية في الحقول الجنوبية. لكن اللواء معروف على نطاق واسع باعتباره أكثر الجماعات المسلحة في طرابلس لصوصية وشبهاً بالمافيا.
في الآونة الأخيرة، انخرط لواء القعقاع في الشأن السياسي بشكل متزايد، وهو يتصرف بالفعل باعتباره الجناح المسلّح لحزب رئيس الوزراء السابق محمود جبريل، تحالف القوى الوطنية، (شقيق مليقطة هو رئيس اللجنة القيادية للتحالف).2 في كانون الثاني/يناير، هدّد رجال مليقطة بإغلاق المجلس التشريعي المنتخب ردّاً على خطوة خصومه الألدّاء، المصراتيين، بتمديد ولاية المؤتمر الوطني العام. كانت تلك واحدة من المحاولات شبه الانقلابية العديدة التي بشرّت بفصل جديد وخطير في رحلة ليبيا المضطربة.3
حافظ تقسيم مناطق النفوذ كأمر واقع بين جماعات الزنتان ومصراتة المسلحة، والذي سيطرت بموجبه الميليشيات المحلية التي تحالفت مع مختلف البلدات على الوزارات والمواقع الاستراتيجية مثل المطارات، على سلام هشّ تميّز باشتباكات دوريّة. مع ذلك، حملت هذه الترتيبات على الدوام بذور عنف أكبر، خاصة منذ أن بدأت جماعات الزنتان باستغلال سيطرتها على مطار طرابلس الدولي لتلقّي أسلحة من الخارج. وفي سياق الاستقطاب المتزايد في المؤتمر الوطني العام وإطلاق “عملية الكرامة” بقيادة الجنرال حفتر في الشرق، تصاعد الاستقطاب ليتحوّل إلى قتال مفتوح.
يعكس وجود الجماعات الإسلامية المسلحة في الشرق الغربة المديدة لتلك المنطقة عن المركز وزيادة تبنّي التقوى والنقاء الأخلاقي.
في الوقت نفسه، يعكس وجود الجماعات الإسلامية المسلحة في الشرق الغربة المديدة لتلك المنطقة عن المركز وزيادة تبنّي التقوى والنقاء الأخلاقي. ظهرت أقوى هذه الجماعات في الأيام الأولى للانتفاضة المناهضة للقذافي، وهي تشمل لواء شهداء ثورة 17 فبراير وسرايا راف الله السحاتي ولواء شهداء الزاوية ولواء الشهيد عمر المختار ولواء شهداء أبو سليم وكتائب شهداء ليبيا الحرة. توافد الشباب القلقون والمتململون من الشرق إلى صفوف هذه الجماعات، يدفعهم إلى ذلك الالتزام بالقواعد الأخلاقية ورفقة السلاح وحب المغامرة والرواتب. قلّة من هؤلاء كانت لديهم خيارات أخرى. فقد ظهر على لائحة أسماء مجندي إحدى هذه الوحدات، “لواء شهداء الزاوية”، عدد من فئات العمالة قبل الثورة بتكرار مثبط: عامل مياوم أو عاطل عن العمل أو ميكانيكي أو طالب. وقد وجد هؤلاء الشبان هدفاً جديداً عبر قتال القوات الموالية. وعندما سقط القذافي، وجد هؤلاء صعوبة في العودة إلى ما كانوا عليه من قبل.
يرفض الكثيرون الآن تسليم الأسلحة والتسريح والاندماج في جهاز الأمن الرسمي. فهم يطلبون بأن يتم أولاً “تطهير” قوات الأمن النظامية من موظفي عهد القذافي، بصفته ليس مجرّد واجب سياسي بل أخلاقي. ويحمل الإسلاميون بانتظام على مؤسّسات الدولة باعتبارها ملوّثة من جانب أنصار النظام السابق الساقطين أخلاقياً. فهم “ملاحقونو للنساء ومدمنون للمخدرات”، على حدّ قول قائد إسلامي. وثمّة شرط مسبق آخر يتمثّل في تطبيق دستور يقوم على الشريعة الإسلامية ويصون الحرمة الأخلاقية للجيش. إذ قال القائد السابق لسرايا راف الله السحاتي، إسماعيل الصلابي، في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، مستخدماً المصطلح الإسلامي القوي “الطاغية”: “نحن نريد جيشاً يدافع عن الشريعة الإسلامية والشعب، وليس عن الطاغوت”. مع ذلك، وعلى الرغم من كرههم للمؤسّسات التي كانت قائمة في عهد القذافي، لايعمل هؤلاء الإسلاميون تماماً خارج حظيرة سلطة الدولة.
قطاع الأمن الهجين
ترتبط كل الجماعات المسلحة العاملة في ليبيا تقريباً بالدولة بطريقة ما، ما أدّى إلى ترسيخ نظام هجين بين القوات الرسمية وغير الرسمية. ينبثق هذا النظام من مجموعة مفجعة من السياسات التي سنّتها الحكومة الانتقالية الضعيفة وغير المنتخبة والمجلس الوطني الانتقالي بعد سقوط القذافي، في أواخر العام 2011 وأوائل العام 2012.
وبسبب حرمانه من وسيلة لإبراز سلطته الضعيفة والحفاظ على النظام، حاول المجلس الوطني الانتقالي تكريس قدر من السيطرة على الجماعات المسلحة من خلال وضعها على جدول الرواتب الخاص به. كانت الفكرة تهدف إلى تسخير قوة الثوار البشرية والنارية لملء الفراغ الأمني الذي خلّفته الشرطة والجيش غير الموجودين تقريباً واللذان كان ينظر إلى فلولهما باعتبارهم ملوثين في مرحلة ما بعد الثورة بسبب ارتباطهم بحكم القذافي. الأهم من ذلك هو أن القصد من تقديم الدعم المالي للجماعات المسلحة كان استخدامها لقمع الاندلاع المتكرر بصورة متزايدة للاقتتال الطائفي والعرقي الذي كان يحتدم في البلاد.
مع مرور الوقت، وضعت معظم الجماعات المسلحة نفسها تحت إمرة رئيس هيئة الأركان ووزارة الدفاع. انضم الكثيرون إلى قوة درع ليبيا، التي كانت بمثابة جيش البلاد، وجهاز الأمن الوقائي، وهو جهاز مكافحة التجسّس والتحقيقات الذي نشأ في الأيام الأولى للثورة لاجتثاث الموالين للقذافي. وانضم آخرون إلى اللجنة الأمنية العليا في وزارة الداخلية التي كانت مهامها تشبه تقريباً مهام الشرطة. كانت اللجنة الأمنية العليا على الدوام أقوى في طرابلس منها في المناطق الأخرى. ولأن الجماعات المسلحة كلها انضمت إلى قوات اللجنة الأمنية العليا ودرع ليبيا، فقد حافظت الهياكل الجديدة على تماسك الجماعات المسلحة وعلى منظورها ضيق الأفق، وإن كان ذلك تحت غطاء الدولة.
وفقاً لما يقوله الجميع، كان أثر هذا النظام الهجين متفاوتاً، إن لم يكن سلبياً على استقرار ليبيا وديمقراطيتها الهشّة. فقد دعمت الحكومة درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا، وهو ماتمخّض عن تأثير غير مرغوب فيه تمثّل في تضخّم حجم الجماعات المسلحة التي كانت تشكّل الكتلة الأكبر من القوات التي توافد الشباب إلى صفوفها، يدفعهم إلى ذلك الوعد براتب ثابت يتجاوز كثيراً راتب رجال الشرطة والجيش.
ولأنها كانت مفوّضة بالفعل من جانب الحكومة ولديها وفرة من الأموال، أصبحت الجماعات المسلحة أكثر جرأة في سعيها إلى تحقيق أجندات سياسية تخدم المصالح الذاتية على نحو متزايد. كانت هياكل درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا، في أحسن الأحوال، وسائل استخدمتها الحكومة الليبية لتأمين القوة النارية عند الحاجة لتهدئة الأزمات. غير أن الهياكل الجديدة أصبحت تتمتّع بوجود مستقلّ، وأحبطت جهود بناء الجيش النظامي. وإذ يشير الليبيون إلى هذه القوات باعتبارها دولة ظل أمنية وجيشاً موازياً، أو الأسوأ من ذلك، أنها تجسيد جديد للجان “الشعبية” و”الثورية” المخيفة التي روّعت البلاد في عهد القذافي.
كانت القوات المسلحة النظامية والشرطة تأتي في المرتبة الثانية بعد قوة درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا وعدد من القوات شبه العسكرية الأخرى، وهو النظام الذي يعكس النسق الذي كان موجوداً في غسق حكم القذافي. يومها تخلّت قوات الجيش والشرطة عن إدارة وتنفيذ المهام التنفيذية لكل من الكتائب الأمنية بقيادة أبناء القذافي وجهاز الأمن الداخلي الذي كان يخضع مباشرة إلى إشراف مكتب القذافي.
في أجزاء عديدة من البلاد، تتحكم الجماعات المسلحة، لاالجيش، بوزارات الدفاع والثكنات والقواعد ومستودعات الذخيرة.
القوات المسلحة الرسمية في ليبيا اليوم، تعاني من سوء التجهيز وضعف التدريب والتضخم في الرتب العليا. وفي أجزاء عديدة من البلاد، تتحكم الجماعات المسلحة، لاالجيش، بوزارات الدفاع والثكنات والقواعد ومستودعات الذخيرة. ويبدو أداء قوة الشرطة أفضل قليلاً، إلا أنها لاتزال غير مهيأة للتعامل مع مهام حفظ الأمن والنظام الصعبة والمحفوفة بالمخاطر.
في الأغلب، تعمل القوات النظامية والجماعات المسلحة في مسارين متوازيين. كانت هناك حالات قليلة لوحدات مختلطة يندمج فيها أفراد الجماعات المسلحة وقوات الجيش النظامي بصورة كاملة. ولكن في معظم الحالات، تتميّز العلاقة بين الجانبين بالازدواجية والعداء وانعدام التنسيق. ولطالما كانت علاقات الجيش النظامي عدائية مع قوات درع ليبيا والقوات شبه العسكرية الأخرى، إذ ينظر كبار ضباط الجيش إلى قوات درع ليبيا باعتبارها مجموعة سيئة الانضباط ومسيّسة إلى حدّ كبير وإسلامية. وفي الوقت نفسه، تنظر قوات درع ليبيا إلى الجيش النظامي باعتباره قوة جوفاء وفاسدة وغير مستقرّة. وتتميّز علاقة اللجنة الأمنية العليا مع الشرطة بنوع مماثل من عدم الثقة، ويُنظر إلى الشرطة باعتبارها عاجزة وعديمة الأهلية وملوّثة بإرث الانتماء لنظام القذافي. من جهتها، تنظر الشرطة إلى قوات اللجنة الأمنية العليا، مثل وحدات درع ليبيا، باعتبارها جامحة وعقائدية وإجرامية.
طوّرت التشكيلات الأمنية الهجينة الجديدة، درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا، مقاربة “منفّذ الحرائق وإطفائيّها في آن” تجاه أمن ليبيا. فقد برّرت استمرار فائدتها ووجودها للحكومة الهشّة على أساس قدرتها على التعاطي مع أمن الأحياء والقبض على مهرّبي المخدرات وقمع اندلاع القتال الطائفي والعرقي في أقاليم البلاد النائية. لكن، وفي كثير من الحالات، كان أفراد قوات درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا، وغيرها من الجماعات المسلحة “المسجّلة”، يزيدون حالة عدم الاستقرار في البلاد سوءاً، إما بالتورّط مباشرة في النشاط الإجرامي أو بالقتال كمحازبين في الصراعات التي يفترض بهم قمعها.
قوة درع ليبيا: جيوش الظل
يشير العديد من الليبيين إلى مشروع درع ليبيا باعتباره الخطيئة الأصلية للمجلس الوطني الانتقالي، أي صفقة فاوستية (مع الشيطان) خاسرة وضعت البلاد على مسار تنازلي سريع. فقد شكا أحد كبار المسؤولين من أن “قوات درع ليبيا هي بمثابة فرانكشتاين”.4
أخذ القادة الأقوياء في الجماعات المسلحة الثورية على عاتقهم مشروع درع ليبيا كوسيلة لمقاومة إدماجهم في الجيش الليبي النظامي، الذي كانوا يكرهونه بسب ارتباطه بالنظام القديم. وضعت الحكومة الليبية الانتقالية قوات درع ليبيا تحت إمرة رئيس أركان الجيش، الجنرال يوسف منقوش. وبسبب عدم امتلاكها جيشاً وشرطة، نشرت الحكومة درع ليبيا لوقف القتال العرقي والقبلي في جميع أنحاء البلاد. لقد تصرّفت قوات درع ليبيا، على حدّ تعبير مستشار غربي، باعتبارها “فرق الإطفاء في البلاد.”
في غضون العامين الماضيين، أصبح درع ليبيا “جيش ظل” تمكّن من التفوق بسرعة على سلطة القوات النظامية. فالراتب الشهري الحكومي لأحد أفراد درع ليبيا يفوق راتب الشرطي النظامي والمجنّد في الجيش، وهو مالم يوفر حافزاً لأفراد الجماعات المسلحة أو المجنّدين المحتملين للانضمام إلى القوات الرسمية للحكومة. وفي حالات أخرى، يحدث انخفاض في أعداد المتقدمين يصل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف. وبسبب نظام المدفوعات المباشرة غير المنظّم لقادة الجماعات المسلحة وعدم وجود نظام تسجيل فعّال، قد يكون أحد الشباب عضواً في درع ليبيا وفي الشرطة في الوقت نفسه، بينما لاتزال جماعته المسلحة المحلية التي صُنّفت ضمن درع ليبيا تعمل بشكل مستقل.
من الناحية التنظيمية، هناك اثنتا عشرة فرقة تابعة لدرع ليبيا منتشرة في جميع أنحاء البلاد. وكل فرقة من الدرع متحالفة مع منطقة معينة.
وفق المخططات التنظيمية الرسمية، يتولّى قيادة الفرقة ضابط في الجيش الليبي النظامي وعادة ما يكون برتبة عقيد. لكن الواقع أن قائد التشكيل المسلح الذي يشكّل رجاله فرقة درع ليبيا هو صاحب الكلمة الفصل.
يتمثّل الخلل الفاقع الأكثر عرضة للنقد والاتهام في هذا النظام في أن الدرع يحافظ على بنية وتماسك الجماعات المسلحة. فرؤساء التشكيلات المسلحة الفردية أحرار في السعي إلى تحقيق أجنداتهم الخاصة، سواء الإيديولوجية أو الإقليمية أو الإجرامية، بينما يعمل أحدهم كقائد في درع ليبيا، وذلك باستخدام تفويض الحكومة الرسمي كغطاء. وقد أدّى هذا إلى زعزعة الاستقرار، ولاسيّما خلال القتال المتواصل بين جماعات الزنتان ومصراتة المسلحة في العاصمة.
تتكوّن فرق درع ليبيا من شباب المدن والمحافظات التي ترابط فيها، وهي تعكس الأجندات والنظرات ضيقة الأفق لتلك المناطق. على سبيل المثال، درع المنطقة الوسطى مصراتي إلى حدّ كبير، وقوات درع ليبيا الأولى التي تتمركز في بنغازي ذات صبغة إسلامية شرقية، إضافة إلى مكوّنها القبلي القوي. في بعض الحالات، تكون فرقة الدرع كلها جماعة مسلحة غيّرت انتماءها، وهذا هو حال فرقة درع ليبيا السابعة، التي تتكوّن من سرايا راف الله السحاتي.5
تختلف أحجام الفرق ولكنها لاتتجاوز في العادة 1000 فرد، وهو الحدّ الذي يعكس الأصول المحلية للتشكيلات المسلحة وعدم قدرتها، لجملة من الأسباب الشخصية والمتعلقة بمناطق النفوذ، على الاندماج في هياكل أكبر.6 أما الخلافات والانشقاقات فهي أمر شائع. وقد ظهرت فرق جديدة لدرع ليبيا وذلك كنتيجة للصراعات الشخصية بين قادتها.
في منتصف العام 2012، طرح العقيد سالم جحا، وهو قائد درع يتمركز في مصراتة، اقتراحاً لتحويل درع ليبيا إلى فرع رسمي أكثر نظامية من الجيش. ويعدّ جحا هذا شخصية أسطورية في الأوساط المصراتية. فبوصفه ضابطاً سابقاً في سلاح المدفعية، قاد جحا عملية الدفاع عن المدينة أثناء الحصار الأسطوري لها من جانب قوات القذافي. بعد الحرب، نال جحا استحسان جميع الفصائل لكونه عملياً وغير حزبي على نحو غير مألوف حيال المسار المستقبلي لقطاع الأمن في ليبيا.
تحدث جحا بتفاؤل في صيف العام 2012 عن الوسائل التي ستؤدي خطته من خلالها إلى تقليص استقلالية الجماعات المسلحة. إذ سيعمل أفراد الدرع، في الواقع، باعتبارهم القوة العسكرية الاحتياطية للبلاد، ويتدربون لمدة شهر واحد في السنة، ويتلقون في المقابل راتباً شهرياً ويحصلون على مزايا طبية لهم ولأسرهم. وسيخدم الجنود في وحدات ترابط محلياً قريباً من بلداتهم بعقود لمدة سنتين. وسينضمّ المجندون إليها كأفراد، وليس كجزء من تشكيل مسلح. كانت عملية جمع الأسلحة في البلاد جزءاً لايتجزأ من الخطة، حيث تقوم الجماعات المسلحة بتسليم الأسلحة الثقيلة كالمدفعية والدبابات وصواريخ غراد من الحقبة السوفييتية، والبنادق عديمة الارتداد إلى قوات الدرع. وتقوم الحكومة بإعادة شراء الأسلحة المتوسطة مثل المدافع من عيار14.5 و23 ملليمتر المضادة للطائرات، إضافة إلى صواريخ “ميلان” و”كورنيت” المضادة للدبابات التي كانت تشكّل الدعامة الأساسية لثورة العام 2011. وسيتم الإبقاء على مخازن تلك الأسلحة في “مناطق عسكرية” إقليمية يشرف عليها قادة الدرع المحليون.7
كان جحا يعدّ العدة بكل جدّية لانتقال درع ليبيا إلى قوة احتياطية لتفكيك الجماعات المسلحة ومؤيديها السياسيين، والمجالس العسكرية المحلية في مدن ليبيا التي أنشئت أثناء وبعد الثورة لتنظيم الجماعات المسلحة والدفاع عن أفرادها على المستوى الوطني. قال جحا: “ليست هناك حاجة لها بعد الآن. فقد كانت نتاج الحرب. وهي تمثّل الآن حكومة الظل ولابدّ أن تختفي”
غير أنه كان من الصعب صرف النظر عن الخطة باعتبارها وسيلة للحفاظ على صلاحيات الجماعات المسلحة ووضع درع ليبيا كهيكل موازٍ للجيش الوطني وكوسيلة للتحوّط في مواجهة الأوضاع السياسية غير المواتية في طرابلس. وبالتالي لايبدو مستغرباً أن خطة الاحتياطي نشأت في مصراتة، نظراً إلى سمعة المدينة من حيث استقلالية القرار ووجود جماعات مسلحة قوية فيها، ومطالبتها بمرجعية الثورة. قال جحا: “مصراتة سوف تبدأ هذه المبادرة، ونحن على ثقة بأن مدناً أخرى ستحذو حذوها”.
في نهاية المطاف، انهارت الخطة بسبب معارضتها في كلٍّ من مصراتة والطيف السياسي الأوسع في ليبيا. حدث هذا إلى حدّ كبير لأن مشروع جحا انتهك أحد الركائز الأساسية لمبدأ نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج. فقد حاول جمع أسلحة الجماعات المسلحة قبل التوصل إلى توافق سياسي شامل. كما واجه جحا زيادة التحرّش والتهديد باستخدام العنف من متشدّدي مصراتة الذين يعارضون مقاربته الشاملة. وبعدها، غادر البلاد ليعمل بوظيفة الملحق العسكري الليبي في دولة الإمارات العربية المتحدة. وبالتالي فإن ما تظهره حادثة جحا هو أن الخلافات السياسية عميقة الجذور أحبطت حتى الخطط غير الحزبية المشجعة، وهي تُديم الهيكل الهجين الموازي.
منذ ذلك الحين، اكتسبت فرق درع ليبيا زخمها الخاص، وقدّمت نفسها باعتبارها الدعامة التي لاغنى عنها في المرحلة الانتقالية في ليبيا. على سبيل المثال، ألقت فرقة درع ليبيا الرابعة ظلالاً من الشك على الفكرة القائلة إنه يمكن أن يكون هناك بديل صالح لدرع ليبيا، في ظل غياب “جيش محترم وقوي يملك عقيدة عسكرية حقيقية وواضحة تحظى بثقة كل الليبيين”.8 وأوصت بيانات أخرى على أن قوات درع ليبيا كانت تحمي الجيش الهشّ، حيث حذّر القادة من أنهم سيتحركون ضد كل من يقترب من قواعد سلاح الجو أو المعسكرات أو مقرّ قيادة الجيش.9 لكن النقاد يقولون خلاف ذلك. إذ قال أحد المراقبين: “أسهمت قوات درع ليبيا بالفعل في توسيع الفجوة بين الثوار والجنود”.
في جميع الحالات تقريباً التي تم فيها إرسال فرق درع ليبيا لتخفيف حدّة القتال، لم تتصرّف تلك الفرق بوصفها وسيطاً محايداً للدولة بل كمحازبين نشطين. تم إرسال فرقة درع ليبيا الأولى إلى واحة الكفرة في الجنوب لوقف القتال بين قبائل الزوي والتبو، لكن انتهى بها المطاف بتأجيج التوتّرات أكثر، حيث كان نائب قائد الفرقة، حافظ الأغوري، أحد أفراد قبيلة الزوي. وبهدف كسر حصار المنشآت النفطية الشرقية الذي يفرضه القائد الفيدرالي المتشدّد إبراهيم جثران، أرسلت الحكومة فرقة درع المنطقة الوسطى، غير أن تكوين الفرقة المصراتي جعل أبناء المناطق الشرقية في ليبيا ينظرون إليها باعتبارها قوة غازية من مصراتة، ما أثار المخاوف من حدوث حرب أهلية أوسع.10
اللجنة الأمنية العليا: منفّذو القانون (البلطجية) الثوريون
هناك درجة مماثلة من التحزّب وسمت اللجنة الأمنية العليا، نظير الدرع في وزارة الداخلية. تشكّلت القوة في تشرين الأول/أكتوبر 2011، كمحاولة لتأمين طرابلس من الفوضى بعد الثورة، وظاهرياً، من تهديدات فلول عهد القذافي. فقد أصدر وزير الداخلية قراراً، في كانون الأول/ديسمبر 2011 يخوّل بموجبه اللجنة الأمنية العليا السلطة الرسمية إجراء التحقيقات والاعتقالات.11 وسرعان ما تحوّلت اللجنة إلى هيكل وطني وأصبح لها فروع في المدن الكبرى. ويقال إن هناك 70 مجموعة مسلحة متناثرة في أنحاء طرابلس، ولها “كتائب وقوات وفرق دعم – سرايا إسناد وقوات إسناد وفرق إسناد – منتقاة من أحياء طرابلس المتنوّعة وتعكس التوجه السياسي والهياكل العائلية لتلك المناطق.
وخارج طرابلس، تختلف درجة السيطرة بين فرق اللجنة الأمنية العليا والجماعات غير التابعة لها والشرطة النظامية والجيش ودرع ليبيا بصورة كبيرة تبعاً للموقع. في بنغازي، على سبيل المثال، اللجنة الأمنية العليا غير موجودة الآن إلى حدّ كبير، بعد أن أخلت المدينة عقب هجوم أيلول/سبتمبر 2012 على القنصلية الأميركية.12
على الرغم من هذه الاختلافات، وعلى غرار قوات درع ليبيا، قد يثبت أن من الصعب تفكيك وحلّ هيكل اللجنة الأمنية العليا. لكن هاشم بشر، قائد فرع طرابلس في اللجنة الأمنية العليا، أوضح السبب. إذ قال بشر، وهو الإسلامي الذي درس في الأصل أمانة المكتبات وعلوم المعلومات، إنه لايريد شيئاً أكثر من أن يرى إنهاء مشروع اللجنة الأمنية العليا ودمج أعضائها في الشرطة النظامية. قال في العام 2013: “هناك الكثيرون في اللجنة الأمنية العليا لايريدون العمل في مجال الأمن”. بيد أن الفرص التي أتيحت لهم كانت قليلة، نظراً إلى عدم وجود قوة شرطة عملية، وشحّ سوق العمل، والأحوال السياسية غير المستقرّة في ليبيا.
على الرغم من أنه تم، من الناحية الظاهرية، تفكيك اللجنة الأمنية العليا جزئياً في منتصف العام 2014، بعد أن تم نقل ما يقرب من 80 ألفاً من أعضائها إلى الشرطة، فإنها لاتزال قائمة في واقع الأمر.13 وهي تتميّز بسلسلة قيادتها المعقدة والمتشابكة، والمنافسة بين فروعها المحلية والوطنية. إذ لاتمارس الفروع الوطنية سيطرة تذكر على مكوّنات وحدات المدن والأحياء. وأشار بشر بغضب إلى حالات عدّة عمل فيها فرع اللجنة الأمنية العليا في طرابلس لغايات تتعارض مع اللجنة الوطنية بشأن التحقيق في موضوع شخص مفقود، حيث كان الفرع الوطني يوفّر المرشدين لسرايا وفرق اللجنة الأمنية العليا في المدينة من دون إبلاغه. وفي الوقت نفسه، لاتعترف السرايا والفرق بسلطة الهيكل الوطني.
في المهام الأكثر خطورة، كالاعتقالات التي تنطوي على مخاطر كبيرة أو عمليات مكافحة المخدرات أو التحقيقات، تطلب الشرطة ذات الكادر الضعيف والتجهيز السيء من اللجنة الأمنية العليا زيادة القوة، إن لم يكن التعامل مع المهمة بالكامل. لكن العلاقات مع الشرطة متوتّرة بسبب نظرة الثوار لقوة الشرطة باعتبارها مؤسّسة من عهد القذافي. ولعلّ الأهم من ذلك هو أن التفاوت في الراتب لايعطي عناصر اللجنة الأمنية العليا حافزاً للانضمام إلى الشرطة. وفقاً لما يقوله بشر، حيث يحصل أعضاء اللجنة الأمنية العليا على 900 دينار (حوالي 750 دولاراً) شهرياً في حين يحصل أفراد الشرطة على 500 دينار (نحو 400 دولار).
كما تمثّل اتصالات اللجنة الأمنية العليا إشكالية هي الأخرى. فالتعاون بين الشرطة واللجنة الأمنية العليا شخصي وعرضي ومجرّد من أي إطار مؤسّسي. قال بشر: “إذا كان ضابط الشرطة يعرف عضواً في اللجنة الأمنية العليا فسيتصل به”. ويبدو التنسيق بين اللجنة الأمنية العليا وقوات درع ليبيا أفضل قليلاً. في العديد من الحالات، وفقاً لبشر، أعطته وحدات الدرع التي تعمل من خارج طرابلس إشعاراً مسبقاً بالمواقع وحركة الأفراد والأسلحة التي تدخل إلى المدينة.
ثمّة أيضاً فصل بين التفويض الخاص باللجنة الأمنية العليا ورؤيتها الخاصة لدورها في ليبيا، وبين مفهوم الكثير من المواطنين في طرابلس عن هذه المجموعة. فنظراً إلى أصولها، سرعان ما اكتسبت اللجنة الأمنية العليا في العاصمة سمعة باعتبارها معقلاً للإسلاميين. لقد كان سجل القوة الفعلي متفاوتاً وهو مصدر للكثير من النقاش والخلاف. إذ أصبحت اللجنة الأمنية العليا بالنسبة إلى كثير من الطرابلسيين شرطة الأخلاق المخيفة في المدينة، حيث هاجمت الأضرحة الصوفية وفرضت الأعراف الإسلامية الصارمة على العلاقات بين الجنسين ومنعت المخدرات. ومن مقرّها في قاعدة معيتيقة الجوية عند الخاصرة الشرقية للمدينة، أدارت قوات اللجنة الأمنية العليا المتحالفة مع حي سوق الجمعة القريب، سجونها الخاصة التي لم تكن تخضع إلى الرقابة عموماً وقيل إنها كانت تسجن فيها خصومها السياسيين من الزنتان وجبال نفوسة. وغالباً ما أدّت الاشتباكات بين اللجنة الأمنية العليا وبين مجموعات مسلحة من مصراتة والبلدات الواقعة في جبل نفوسة إلى وقف التجارة وحركة المرور على الطرق الرئيسية في طرابلس.
لا أحد يجسّد الطبيعة المخادعة والمنافقة للجنة الأمنية العليا أكثر من عبد الرؤوف كارة، قائد لواء النواصي، الذي يثير الخوف ويحظى بالاحترام ويتعرّض للسخرية في آنٍ بسبب آرائه العقائدية السلفية وأسلوبه في استخدام اللجنة الأمنية العليا لفرض تلك الآراء.14 وقد اعترف الساسة المحليون لابل أشادوا بعمله في مكافحة مشكلة المخدرات في طرابلس المتفاقمة، لكن مفبركي النكات يسخرون من حماسته الدينية.
عندما التقيته في قاعدة معيتيقة الجوية، كان كارة وديّاً ومستعداً للحديث عن نظرته السلفية ودورها في التعريف بعمله في حفظ الأمن والنظام. لكنه أصر على أن إرادة الشعب لها الأسبقية. قال: “أنا شخصياً لست معجباً بالديمقراطية. لكن إذا كان غالبية الناس في ليبيا يريدونها، عندها لابدّ لي من دعمها”.
كان كارة وبشر متشبّثين برأيهما حول تبعيّة اللجنة الأمنية العليا للدولة. يُؤطّر كارة إخلاصه في سياق الواجب السلفي الكلاسيكي بإطاعة الحاكم، بغضّ النظر عن حجم خلافات المرء معه. ففي إشارة إلى رئيس الوزراء الليبي آنذاك، علي زيدان، قال كارة لي: “زيدان هو وليّ الأمر (المصطلح السلفي للرئيس الشرعي للدولة والقوات المسلحة الذي تجب طاعته) علينا أن نتبعه مهما كان الأمر”. عندما خطف تحالف آخر مسلح، غرفة عمليات الثوار، زيدان في تشرين الأول/أكتوبر 2013، لعبت اللجنة الأمنية العليا دوراً في حل الأزمة من خلال الوساطة واستنفار رجالها.
مع ذلك، وعلى غرار فرق درع ليبيا، تمثّل قوات اللجنة الأمنية العليا انعكاساً لاختلاف وجهات النظر المحلية والسياسية التي ابتليت بها التشكيلات المسلحة. خلال العمليات القتالية التي نشبت في تشرين الأول/أكتوبر 2013 بين حي سوق الجمعة في طرابلس ومصراتة، لم تتدخّل وحدات اللجنة الأمنية العليا ككل. لكن أفراداً منها كانوا متورطين في النزاع.
كما هو الحال بالنسبة إلى درع ليبيا، بُذلت محاولات لتنظيم اللجنة الأمنية العليا عبر تحويل أعضائها الى قوات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية. لكن ذلك كان صعباً، ويعود ذلك جزئياً إلى الضعف المؤسّسي والخلل البيروقراطي في وزارة الداخلية. وقال أحد كبار مستشاري الأمم المتحدة في منتصف العام 2013 إن الوزارة “تعمل على تصحيح وضع اللجان الأمنية العليا، ولكن بصورة متقطعة. ليست هناك رؤية استراتيجية داخل الوزارة كما أن هناك منافسة بين مختلف المديريات”.
على أمل جذب المزيد من المجندين، أصدر زيدان توجيهاً بزيادة رواتب أفراد الشرطة النظامية بحيث تتجاوز رواتب أفراد اللجنة الأمنية العليا. وأمرت اللجنة الأمنية العليا فرع طرابلس أعضاءها بإتمام عملية التسجيل في وزارة الداخلية حتى يتمكنوا من الانضمام إما إلى دورات تدريبية أو يحصلوا على مكافأة نهاية الخدمة وفقاً للقرار الرقم 53 الصادر عن المؤتمر الوطني العام، والذي أمر بنزع سلاح كل الجماعات المسلحة. لكن، ووفقاً لما قاله رئيس فرع طرابلس في اللجنة الأمنية العليا، لم يتخرّج سوى 1154 شخصاً حتى تشرين الأول/أكتوبر 2013. 15 وبحلول شباط/فبراير 2014، أعلنت وزارة الداخلية عن تخريج دفعة جديدة تضم 1500 من أعضاء اللجنة الأمنية العليا، وقال متحدث باسم الوزارة إن العدد الإجمالي لضباط اللجنة الأمنية العليا الذين تخرجوا بلغ 22 ألفاً، وإن الكثيرين منهم تلقوا تدريباتهم في الخارج.16
لم تحرز أي من هذه الجهود قدراً كبيراً من النجاح، فلاتزال هناك معارضة للاندماج. وترى الجماعات المسلحة المكوّنة لسرايا وفرق اللجنة الأمنية العليا، والتي تبقى مرتبطة عضوياً بأحياء طرابلس، أن خطة وزارة الداخلية ليست سوى حيلة سياسية لحرمانها من النفوذ. وقال كارة في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 “أنا لست متفائلاً حول خطة انتقال اللجنة الأمنية العليا إلى الشرطة”. فوزارة الداخلية أشبه بشجرة ميتة. وحتى لو صببت الماء عليها لايمكنك إحياؤها”. وزعم أن أعضاء اللجنة الأمنية العليا الذين انضموا إلى الشرطة لم يشاركوا بنشاط في عمل الشرطة. في نيسان/أبريل 2014، أسهب بشر في الحديث عن المشاكل المستمرة التي تواجهها عملية الدمج، وقال إن القطاع الأمني في طرابلس لايزال يخضع إلى سيطرة أجهزة الأمن الهجين، “القوات الخاصة وغرف العمليات المشتركة وقوات التدخل السريع”، في حين يجري إهمال الإدارات الأساسية في الشرطة مثل المرور والطوارئ الطبية والتحقيق الجنائي ووحدات مكافحة المخدرات.17
ومع ذلك، فقد جادل قادة اللجنة الأمنية العليا، في مواقع التواصل الاجتماعي، بشأن ضرورة استمرار لجنتهم. وذكروا بأن وزارة الدفاع ومكتب رئيس الوزراء طلبا من اللجنة الأمنية العليا فرع طرابلس بأن تتولّى وحدات من السرايا والفرق مسؤولية تأمين العاصمة، لأن الشرطة النظامية غائبة على الرغم من زيادة رواتب أفرادها بنسبة 50 في المئة.
النص الكامل :

http://carnegie-mec.org/2014/09/24/%D8%A5%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%81%D9%8A%D9%82-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%88%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86/hs4u

هذه المقالة كُتبت في التصنيف المقالات, جريدة الجرائد, كتاب غير ليبين. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *