محمد علي المبروك … عائلات ليبية تحت طواف البرد الشديد .

محمد المبروك

عائلات ليبية تحت طواف البرد الشديد
بردا يهب ، تجتاح أمواجه الباردة أمواج أمواج مع ريح رجراج ، بردا شحذ الجلود شحذاً ، ولطم صقيعه الوجوه ونفذ عبر الأرجل والأذرع فهيج فيها  الدماء وأطبق  على العروق فخنق دفق الدماء فيها، ترتعد منه اعضاء الجسد ولا يمنع نفوذه غلظة ملابس او أغطية .
في مدينة بنغازي عائلات مهجرة لجأت الى مدارس وفي طرابلس عائلات من تاورغاء قطنت أكواخ الصفيح لشركات اجنبية وفي منطقة ورشفانة عائلات فضلت بعزة ان تبقى في جزء من بيتها المهدم او بيتها المحترق على ذل اللجوء الى احد .
هبت في هذه الايام على ليبيا موجة بالغة من البرد الشديد لاتتردد على ليبيا الا نادرا، في هذه الهبة الشديدة من البرودة تجتمع العوائل المهجرة في عدة مناطق في نهارها البارد تتحلق حول مواقد الحطب المشتعل لتمدهم بطاقة مقطوعة من الدفء ويتلفع بعض أفراد هذه العائلات بأغطية مبطنة يلفونها على أجسامهم لفا وهم حول النار وذلك لا يمنع نفاذ البرد الذي يهب شديدا فيخفت لهيب النار حيناً او يميلها حيناً وكأنها تجامل جبروت البرد بالخضوع له حيناً عندما تخفت وبالرقص له حيناً عندما يتراقص لهبها يميناً ويسارا ومع هذا البرد كانت الأمطار تهطل وحبات البرد( التبروري) تتساقط وكان دوران الرياح يحول هطول الأمطار وحبات البرد الى عديد الوجهات فتصيبهم الأمطار وحبات البرد في  الأماكن التى احتموا فيها من البرد والمطر ، كانت النيران الملتهبة من مواقد الحطب تتراقص بهب البرد فتعكس ظلالا متراقصة أشبه بأشباح او أطياف تتراقص على وجوههم وعلى الجدران التى بعضها قائم وبعضها مهدم  وكان كل فرد من هذه العائلات يحاول الاقتراب من الاخر ليلتصق بجسده حتى تأخذ أجسادهم دفء بعضهم وهم يتحلقون حول هذه المواقد ، يستغرق بعضهم في ذاته بصمت وبعضهم ينظر للآخر مع ابتسامة غير منفرجة تضيق أسى ، الذي هو مستغرق قي ذاته تأخذه ذكرياته بحسرة ولهفة علي بيتهم الذي هجروا منه وخرجوا من دفئه الى برد العراء .
فتيات كسرت قوامة النفس فيهن وهن في تعاسة التشرد وبؤس التهجير ، اطفال تحيطهم اجواء الحرمان من الدفء في طقس لايرحم الا بالمرض او الموت بردا ونسوة أعزة ، اذلهن التشرد والضياع المعيشي ولايملكن الا المقاومة لأجل أطفالهن ، رجال وشباب وكهول مع أسر الإحباط ينسون أنفسهم ويجاهدون حتى تتدفأ عائلاتهم ولايهمهم ان ماتوا بردا، المهم عائلاتهم ، كان هب البرد شديدا يجتاح هبوبه النوافذ المخلوعة في المدارس ويجتاح أركان البيوت المهدمة والتى اتخذ منها ركنا مفتوح على الطقس وينفذ عبر جدران أكواخ الصفيح ، الاطفال يندفعون الى احضان إمهاتهم وكأنهم يرغبون دفنا في هذه الأحضان الدافئة والفتيات والشباب والكهول يلفون الأغطية المبطنة والرجال والشباب يجمعون ماندر وما فقد من خشب لإيقاد النار وكل ذلك لا يجدي الا قليلا ، ان هى الا جرعات من الدفء ضعيفة ومؤقتة تكافح البرد وهى مهزومة امام شدته فيمرض منهم من يمرض ويموت منهم من يموت بردا .
عند حلول الليل يشتد البرد اكثر وتخمد النيران ويتحول جمرها الى رماد فيسحب النوم هذه العائلات الى افرشتها الأرضية فيتداعوا الى ركن في مقامهم البائس وضعت فيه افرشة ارضية محاذية لبعضها البعض فيرتمى الاطفال والفتيات والأم بمحاذاة بعضهم البعض بغطاء واحد ويرتمي الأب وأولاده بمحاذاة بعضهم البعض بغطاء واحد وتتلاصق أجساد الاطفال والفتيات والأم حتى تتدفأ أجسادهم من بعضهم البعض وكذلك الأب وأولاده ولكن البرد يبقى أقوى ممايدبرون ، لهم الله .. لهم الله .
أهذا قدر العائلة الليبية ؟ أهذا شأنها ؟ ان تكون في أكواخ الصفيح او تحت جدران بيتها المهدم او في ركن من بيتها المحترق او في المدارس وفي ليبيا عشرات الفنادق وعشرات القرى السياحية الا تستحق العائلات الليبية الإقامة في هذه الفنادق والقرى السياحية ام ان هذه الفنادق والقرى السياحية منازل لحكام فبراير فقط والعائلات الليبية لا تستحق ؟ . حسبهم الله .
محمد علي المبروك خلف الله

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف المقالات, كتاب الصحفية الليبيين, مقالات الصحيفة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *