العزل السياسي … بين الإنصاف والإجحاف تأليف : فتحي بن عيسى .

Judge using his gavel

بسم الله الرحمن الرحيم

إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب

صدق الله العظيم

تمهيد :
العزل السياسي في ليبيا مطلب تتنازعه أهواء ومطامح وأغراض شتى منها حسن النية ومنها بسوء طوية، لتبقى ليبيا رهينة تنتظر أن يفرغ أبناؤها من شحنائهم وبغضائهم ويدركوا أن معاركهم فيما بينهم الرابح فيها مهزوم فينبذوا عصبية وجاهلية تفشو بينهم من نصرة الحزب والجماعة والقبيلة إذ يقدمونها على مصالح الوطن، إلى رغبة مميتة للثأر والتشفي مغموسة في مستنقع التباهي والاعتزاز بالرأي لسان الحال مقالة مدعي الألوهية في سورة غافر الآية 29: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) !!

بل أصبح توظيف نصوص الشرع الإسلامي من قرآن كريم وحديث نبوي شريف ومواقف الصحابة والتابعين وتطويعها لخدمة هذا الهدف وذاك ديدن الأعم الأغلب وهو أمر حذر الحق سبحانه وتعالى عباده منه فهو الأدرى بخلقه منهم (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) سورة الملك الآية 14.

ففي غياب منظومة قيمية أخلاقية تضبط إيقاع الجميع ويحتكمون لها ويرضون بحكمها نصبح أسرى الهوى الذي حذرنا الحق سبحانه وتعالى منه ونبهنا ألا نجعل الهوى الها يعبد يأمر فيطاع فقال سبحانه في سورة الجاثية : (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) .

ولعمري إن لم يكن تطويع النصوص الشرعية لتحقيق مآرب دنيوية مهما بدت سامية (هوى) فماذا يكون ؟

حرب النصوص :

يستند المنادون بالعزل السياسي إلى الاقتباس من السيرة النبوية لدعم وجهة نظرهم بعد أن صاغوا وصكوا نصا بصيغة القاعدة الفقهية تقول ( ليصلوا معنا ولا يصلوا بنا) !!

وكذلك يفعل الرافضون للعزل السياسي لجؤوا للسيرة النبوية دعما لوجهة نظرهم مقتبسين منها نصا في مواجهة نص المنادين بالعزل السياسي يقول (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام) و(الإسلام يجب ما قبله) .

وقبل هذا لجأنا جميعا للسيرة النبوية مسقطين (فتح مكة) على (معركة طرابلس) في 20 اغسطس 2011 التي وافقت 20 رمضان يوم دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة.

وما بعد دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة نتفرق بين من يواصل معايشة أحداث فتح مكة ليصل إلى (فاذهبوا فأنتم الطلقاء) والتفرغ لاستكمال بناء دولة المساواة والعدل قوامها قول الله سبحانه (لا تزر وازرة وزر أخرى) ، وحديث رسول الله أن (البينة على من المدعي واليمين على من أنكر) حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا ، وبعضه في الصحيحين .

وبين من يرى في الخاتمة مشهدا لا يخدم مصلحته فيلجأ إلى الشرعية الثورية التي ثار عليها يقلب تاريخ ثورات البشر يستلهم منها ما يخدم أغراضه وإن تصادمت مع ثوابته فمن يصاب بالهوى تكون له أعين لا يبصر بها وأذن لا يسمع بها وقلب لا يفقه به، فقد ختم الله على سمعه وبصره، أليس الله يقول (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) .

فمن أجل هواه لا ير حرجا بالاستعانة بنماذج تصطدم بشعار يعلن أنه سيموت لأجله (ما فرطنا في القرآن من شيء وأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم) !!

بين خالد ووحشي :

في السيرة النبوية العطرة نموذجان لشخصيتين يستشهد بهما أنصار وأعداء العزل السياسي اليوم هما (خالد بن الوليد) و (وحشي بن حرب) .

فخالد بن الوليد زينة شباب قريش ومن أكرم عائلاتها قائد عسكري من خيرة إن لم يكن أفضل قواد معسكر قريش المناوئ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولعب دورا محوريا في الحاق أول هزيمة عسكرية بالمسلمين في غزوة أحد التي فقد فيها المسلمون خيرة قوادهم (حمزة بن عبد المطلب) ، كما شارك خالد بن الوليد ضمن صفوف الأحزاب في غزوة الخندق.

أما (وحشي بن حرب) فكان عبدا حبشيا يأمل بعتقه واستعادة حريته فجاءته الفرصة وكان الثمن رأس عم رسول الله وقائد جنده حمزة بن عبد المطلب فقام بدوره المطلوب منه ليمثل معسكر قريش بجثة غريمهم أبشع تمثيل !! دون أن يذكر التاريخ أن المسلمين انتقموا لهذا الأمر المروع البشع بعد أن دخل الجناة إلى الاسلام إما رهبا وإما رغبا !!

تذكر كتب السيرة حيثيات اسلام وحشي بن حرب فتقول:

بقي وحشي في مكة بعد عتقه حتى فتحها المسلمون، ففر إلى الطائف إلى أن خرج وفد منها للقاء النبي صلى الله عليه وسلم .

يقول : فلما خرج وفد الطائف ليسلموا ضاقت علي الأرض بما رحبت وقلت ألحق بالشام أو اليمن أو بعض البلاد فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال رجل ‏:‏ ويحك‏!‏ إنه والله ما يقتل أحداً من الناس دخل في دينه‏.‏

فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله المدينة، فلم يرعه إلا وأنا قائم على رأسه، أشهد شهادة الحق‏.‏

فلما رآني قال‏:‏ وحشي ؟ قلت: نعم ‏.

قال‏:‏ اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة‏.‏

فحدثته، فلما فرغت من حديثي قال‏:‏ ويحك‏!‏ غيب وجهك عني، فلا أراك‏.

‏ فكنت أتنكب رسول الله حيث كان، فلم يرني حتى قبضه الله‏.‏

وفي صحيح البخاري : فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف فأرسلوا إلى رسول الله رسولا، فقيل لي : إنه لا يهيج الرسل.

قال : فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآني قال : آنت وحشي ؟

قلت : نعم. قال : أنت قتلت حمزة ؟

قلت : قد كان من الأمر ما بلغك.

قال : فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني ؟

قال : فخرجت. اهــ

هذا عن وحشي بن حرب، فماذا عن خالد بن الوليد كيف أسلم ؟

تروي كتب السيرة قصة اسلامه ما ملخصها :

بينما كان المسلمون في مكة لأداء عمرة القضاء في عام 7 هـ، وفقًا للاتفاق الذي أبرم في صلح الحديبية ، أرسل الرسول إلى الوليد بن الوليد، وسأله عن خالد، قائلاً له: ما مثل خالد يجهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين على المشركين كان خيرًا له، ولقدمناه على غيره.

فأرسل الوليد إلى خالد برسالة يدعوه فيها للإسلام ولإدراك ما فاته.

وافق ذلك الأمر هوى خالد، فعرض على صفوان بن أمية ثم على عكرمة بن أبي جهل الانضمام إليه في رحلته إلى يثرب ليعلن إسلامه، إلا أنهما رفضا ذلك.

ثم عرض الأمر على عثمان بن طلحة العبدري، فوافقه إلى ذلك.

وبينما هم في طريقهم إلى يثرب، التقوا عمرو بن العاص مهاجرًا ليعلن إسلامه، فدخل ثلاثتهم يثرب في صفر عام 8 هـ معلنين إسلامهم، وحينها قال الرسول: إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها . اهـ

حكم الهوى :

يوظف المطالبون بالعزل السياسي قصة اسلام (وحشي بن حرب) ويتمسكون بشدة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم له (غيب وجهك عني) !! ويجعلونها شعارا يرفعونه في وجه “أعوان القذافي” ممن انشقوا منذ فبراير 2011م ليشمل كل من عمل مع القذافي دون تمييز بين من عمل مع القذافي لشخصه وبين من عمل مع الدولة الليبية التي كان على رأسها القذافي!!

في حين يتمسك الرافضون للعزل السياسي بقول رسول الله لخالد بن الوليد قائد عمليات الكفر العسكرية ضد المسلمين (لو جاء خالد بن الوليد لقدّمناه) ، ويرون فيها دعوة للانشقاق لباها خالد بن الوليد فلم يعيره رسول الله صلى الله عليه وسلم بماضيه مع معسكر الكفر ولا بصولاته وجولاته القتالية ضدهم ، بل عينه قائدا عسكريا بكامل الامتيازات ليحصل على لقب انفرد به (سيف الله المسلول) وهو يعد أعلى وسام يمكن أن يناله قائد عسكري مسلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الملاحظ أن الجميع أنصار العزل السياسي والرافضين له ينطلقون من شرع الله ويبدون الحرص على تنفيذ شرع الله!! فأين شرع الله بين القصتين؟ فضلا عن الحرص على مصلحة الوطن والوفاء لدماء الشهداء الذين لم يكلف أحدهم خاطره ويطرق باب أسرهم يخفف عنهم ويتفقد أحوالهم وكل ما ناله الشهيد منهم شهادة تقدير بدينارين تعلق على حائط مهترئ يحتاج للترميم !!

وهنا تخرج عدة اسئلة ؟ اترك لكل منا أن يجيب عنها بهدوء بينه وبين نفسه ؟

– ماذا يعني بداية الالتزام بشرع الله؟

– وهل يستقيم هذا المطلب مع الانتقائية وتوظيف النصوص؟

– لماذا الاستشهاد بقصص من السيرة النبوية؟ واخراجها عن اطارها الزمني وفصلها عن السياق ؟

– لماذا لا نسمع استدلالا بآيات القرآن الكريم المحكمة قطعية الدلالة قطعية الثبوت ؟ وصحيح السنة النبوية في هذا الباب ؟

– لماذا يكتفي كل فريق بقصة واحدة؟ ماذا يحدث لو جمعنا بين القصتين ؟

– هل يحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم في تطبيق شرع الله؟

– هل فضل رسول الله خالد بن الوليد على وحشي بن حرب ؟

الأول أرسل له الرسول داعيا ومشجعا ووعده وأوفى له ؟

والثاني تحين الفرصة ليدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مباغتا ليطلب منه أن يغيب وجهه عنه وما يعني هذا من عقوبة اجتماعية بنظر محبي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

بين الفئتين توجد فئة ثالثة يتم توظيفها من قبلهما في كل سجال سياسي ألا وهي (أسر الشهداء ودماؤهم)، و(الجرحى) و(المفقودون) !!

فقائل يقول :

بقاء من تشبهونهم بخالد بن الوليد وتصفونهم بأتباع النظام السابق في مناصبهم هو استفزاز لمشاعر أسر الشهداء وخيانة لدمائهم والجرحى والمفقودين والثكالى واليتامى والأرامل والمعذبين، وهم أعداد كبيرة لا يحق لنا القفز على معاناتهم !!

وآخر يقول لنا في الدول المتقدمة أسوة حسنة مارست العزل السياسي !!

والتعليق يكون :

لنقف لحظة ونسأل أنفسنا جميعا بصدق؟

– ماذا كنا ننقم على القذافي ونظامه؟

– هل نحن طلاب سلطة نريد أن نجلس بدلا عنه ؟

– من خرج يوم 15 فبراير 2011 ماذا كان مطلبه ؟ ما هي أهدافه ؟

– ماذا تعني كلمة (الله أكبر) ؟

هل تعني أن الله أقوى من كل قوي فقط؟ أم تتجاوز ذلك لتعني التسليم لحكمه والرضى بأحكامه وإن خالفت أهواءنا وآمانينا ؟!!

– ماذا نقصد بعدم الاقصاء، وأننا دولة قانون ومؤسسات ؟ وهل يستقيم هذا الطرح مع سن قوانين استثنائية ومؤسسات ثورية والاحتكام لشرعية ثورية دونما ضوابط .

حسب ما هو معلن (والله يتولى السرائر) فكل هذه التضحيات والدماء والدمار والتشريد لأجل قيام دولة القانون والعدل والمساواة والمواطنة وووووو ضمن منظومة الاسلام السمح البعيد عن انتحال المنتحلين ومغالاة المغالين .

وبالتالي ووفقا لروح ومبادئ الشريعة الاسلامية التي نتقاتل اليوم ونتبارى في الانتماء اليها التي تقول ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) سورة النساء:65 ، (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) – سورة الأحزاب:36

فإن هذا الأمر يكون خارج الاستدلال لأن أسرة الشهيد وأسرة المفقود وكذلك الجريح والمكلوم واليتيم والأرملة والثكلى سيشعرون بالفخر عندما يرون أن العدل يسود ويطبق على الجميع بأمانة ومسؤولية على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) [رواه البخاري].

أما من يستشهد بما يسميه الدول المتقدمة فهو نفسه سيرفض الاستشهاد بهذه الدول في مجال الحريات العامة مثلا والنظام الاقتصادي رافعا في وجهك أننا حالة خاصة جدا، وأن لدينا منهج وشريعة تغنينا عن الآخر مهما كان عبقريا!! فإن لم يكن هذا هوى فماذا يكون ؟

بيت القصيد :

العزل السياسي بصيغة كل من عمل سفيرا أو كل من كان عضوا في كذا وكذا أو كل من تولى كذا وكذا … هذه الصيغة مخالفة لشرع الله الذي يعلن بعضنا أنهم مستعدون للموت لأجل العمل به ، فكل هي كلمة عمياء تساوي بين الجاني والمجني عليه، بين من كان يخدم وطنه حسب ما أتيح له وبين من خدم أهداف وأطماع وضيعة دنيئة وتآمر وباع وطنه ببطنه.

كلمة (كل) مخالفة لصريح القرآن الكريم (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا) سورة المائدة : 8 ، ومخالفة لحقوق الانسان التي يعلن البعض الآخر أنها أولوية !!

ومخالفة للمنطق الانساني السليم الذين لا يساوي بين كيلو التراب وكيلو التبر مع أن كميتهما واحدة ووزنهما واحد .

كلمة (كل) كلمة ظالمة لا تنزل الناس منازلها .

الإنصاف وطلب الحق يقضي منا اعمال جميع النصوص والإعلان بوضوح عن المنظومة الأخلاقية التي تضبط أداءنا السياسي ونحتكم اليها عند تعذر التوافق بعيدا عن الصفقات المشبوهة ، خصوصا ونحن نرى ذات الأشخاص يتمسكون بالشرع الاسلامي طالما يخدمهم النص ليتركوه ويذهبوا لأمريكا وألمانيا مستشهدين بتجربتها في العزل السياسي بزعمهم متجاهلين باقي المنظومة الامريكية والألمانية في مجال الحريات والقوانين!!

ففي قصة خالد بن الوليد دعاه رسول الله إلى ترك ما كان عليه والانضمام إليه وهو ما نسميه اليوم بـ(الانشقاق) وأمنه بل ووعده بتولي منصب عوضا عن منصبه في معسكر الخصم، فلبى خالد بن الوليد ووفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم نسمع أن أحدا عيره بماضيه الكفري الدموي.

وفي قصة وحشي بن حرب نرى قمة العفو فقد كان هاربا من بلد إلى بلد حتى إذا أسقط في يده أعلن اسلامه ليأمن على نفسه وقد فعل ما فعل!! فما كان من رسول الله إلا أن قبل (اسلامه) دون أن يطالب بثأر مكتفيا بأن يغيب عنه وجهه !!

وفيها أن المجرم اعترف بجريمته فتم العفو عنه مقابل أن يغيب عن مسرح الأحداث، وهذا يعني أن العزل كان في حق من ثبت ارتكابه لجريمة (فوحشي لم يكن جنديا مقاتلا، ولم يحضر للمعركة للقتال، وإنما كان مرتزقا قام بعملية اغتيال اعترف بها) أما من لم يثبت قيامه بجريمة فهذا لا يضيره ماضيه، ومن هنا يمكن القول أن الانصاف يقضي منا :

1. وضع تعريف واضح للجريمة مجرد عن الهوى وبعيدا عن الشخصنة، فالجريمة جريمة سواء ارتكبت بعد أو قبل 1 سبتمبر 1969م وسواء ارتكبت قبل أو بعد 17 فبراير 2011م ، والمجرم مجرم مهما كان انتماؤه والضحية ضحية ضحية مهما كان توجهها، فمن دون معيار اخلاقي مستمد من شرع الله الحنيف نبقى أسرى الهوى وتصبح لغة الثأر والثأر المضاد سيدة الموقف، فالمنتصر هو من ينتصر على نفسه ويخضع عن طيب نفس لمنظومة القيم التي خرج لأجلها، أما الحاق الهزيمة العسكرية بالخصم فلا تعني سوى جولة قد تعقبها جولات، ومعيار النصر هو سيادة ثقافة أحد طرفي النزاع على الآخر .

2. تحديد المواصفات المتعلقة بالخبرة والكفاءة لكل وظيفة سيادية وغير سيادية بوضوح وهو ما يعرف بالوصف الوظيفي.

3. يستحق المتقدم للوظيفة وظيفته متى توفرت فيه الاشتراطات المهنية اضافة إلى شروط بديهية لا مناص من التذكير بها تتمثل في:

o ألا يكون متورطا في قضايا فساد مالي، أخلاقي .. وهذا يعني تفعيل قانون من أين لك هذا ؟ مهما كان انتماء المتقدم للوظيفة، فالأصل أن الإنسان بريئ حتى تثبت ادانته؟ وليس العكس، كما أن الشرع الحنيف يوجهنا لدرء الحدود بالشبهات لا أن نأخذ الناس بالشبهة وسوء الظن!!

o ألا يكون متورطا في جرائم تعذيب بأي شكل من الأشكال وضد أي كان؟

o ألا يكون متورطا في جرائم قتل واغتيالات ؟

وكل ذلك بصدور حكم قضائي بات على أن يعزل مؤقتا أثناء المحاكمة ومن ثبت أن التهم كيدية يحق للمتهم أن يعود على من اتهمه ظلما وعدوانا بالتعويض الذي يوازي ما لحقه من تشويه سمعة وتعطيل لحركة بناء البلاد حيث شغلها بما لا يفيد.

وبالتالي فالأولوية هي لإصلاح القضاء نحتكم اليه جميعا على هدي كتاب الله وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم دون توظيف لتحقيق مآرب دنيوية فانية ، وهنا أقترح نصا دستوريا يغنينا شر القوانين الاستثنائية وعوارها :

نص دستوري مقترح :

المواطنون في ليبيا متساوون في الحقوق والواجبات إلا من ثبت بدليل قطعي بحكم قضائي نهائي تورطه في افساد الحياة السياسية أو اهدار المال العام أو انتهاكات تتعلق بحقوق الإنسان أو السيادة الوطنية أو اغتصب أملاكا خاصة أو أثرى بوجه غير مشروع، فلا يحق له تولي مناصب قيادية أو إدارة مؤسسات اقتصادية خاصة أو المشاركة في الحياة السياسية بأي وجه من الوجوه .

قبل الختام :

كم من المهم أن نعي أن الدول التي تؤسس على الظلم نهايتها وخيمة وإن طال الزمن، وأن قوي اليوم ضعيف الغد، وضعيف اليوم قوي الغد، (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، وأن القيم لا تتجزأ ولا تعد على المقاسات وإلا فسنكون عبدة أهوائنا ولا يفلح عابد هوى!!

كما أن الاغترار بنشوة النصر لفرض الرأي هو هزيمة داخلية، لأن التجارب أثبتت أن ما يتم بفرض القوة سيزول دون أثر ولو طال الزمن!! كأن لم يكن شيئا مذكورا!!

علينا أن نتذكر أننا إذا نهجنا نهج جلادينا فهذا اقرار بانتصار الجلاد على الضحية مرتين؛ مرة عندما كانت الضحية تحت رحمة سياط الجلاد.

ومرة عندما جعلت الضحية من جلادها مثلا أعلى فذابت شخصيتها في شخصية جلادها وسلمته قيادها .

كما أن اللجوء لسن قوانين استثنائية هو رسالة شديدة الوضوح أن الهدف ليس بناء دولة المؤسسات ولا اقامة العدل والحق الذي لا يعرف المحاباة وإنما الناس جميعهم متساوون أمامه أبرياء حتى تثبت ادانتهم .

ختاما :

هي خواطر أتمنى أن تؤسس لنقاش من زاوية أخرى علنا نصل لبر الأمان

اللهم إني بلغت اللهم فاشهد

طرابلس في 26 ديسمير 2012

فتحي بن عيسى

بريد صحيفة الحرية

هذه المقالة كُتبت في التصنيف المقالات, كتاب الصحفية الليبيين, مقالات الصحيفة, مقالات المحرر. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.