جدل الفيدرالية في ليبيا … بين اللامركزية السياسية واللامركزية الادارية بقلم الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي *

 

 

 

 

 

 

 

لا يزال الحديث عن المطلب الفيدرالي يتخذ منحنيات متعددة ومطالبات هنا وهناك، والكل يبحث عن حل توافقى بين ما هو فيدرالي بكل ابعاد الكلمة وما هو توفيقى تقاربي. ولكن مشكلة الجدل الدائر الان لم تتحدد وجهته المطلوبة ولم ترسو سفينته الي البر الفيدرالي.

ان الخيار الفيدرالي له ايضا خياراته التطبيقية والعملية . فهناك الخيار بين اللامركزية السياسية واللامركزية الادارية، والتى تعنى الحكامة المحلية أو حكم الجماعات المحلية في ثوبها الفيدرالي.
اذا الجدل الدائر الان ينقصه التآصيل المعرفي لفكرة الفيدرالية المطلوب تبنيها في ليبيا، وهل هى رغبة وطنية محلية صرفه تقتضيها اوضاع المناطق التى تطالب بها ام هى دعوة خارجية لعلاقة ذلك باعادة تخطيط المنطقة وجغرافيتها بعد اهتزاز المنطقة سياسيا، واعادة ترتيب اوضاعها كما يمليه توازن القوى الاقليمى والدولي؟

على مستوى التفكير الوطنى الفيدرالية ليس لها من خيار إلا تبنى اللامركزيتها الادارية أو السياسية. المطالبة بالفيدرالية من خلال رفض مركزيتها السياسية يعنى بكل تأكيد الانفصال واعادة بناء كيان دولتي جديد كوحدة سياسية مستقلة وذات سيادة. والمطالبة بالفيدرالية من خلال تبنى اللامركزيتها الادارية، والحكامة المحلية فان ذلك يعنى التوافق ورفض المركزية الادارية المقيتة للمواطنة ومصالحها.

نتصور ان المطالبه بالفيدرالية يحتاج الى وضوح مرتكزات مطالبها حتى تنال الدعوة اكبر زخم مواطنى حقيقي يفرض نفسه من خلال صناديق الاقتراع . ولكن المشكله تظل قائمة وهى اذا وضعت اللجنة التأسيسية للدستور نصا دستوريا لشكل الدولة وإنها دولة فيدرالية، وعُرض الدستور على عموم الناس وخرجت نتيجة الاقتراع عليه برفض شكل الدولة الفيدرالية فكيف يكون موقف المطالبين بالفيدرالية؟

هل الاستمرار في الدعوة الى الفيدرالية؟ أو الدعوة الى الانفصال لعدم حصول الدعوة الى الفيدرالية على النصاب الوطنى والإجماع عليها؟ المطالبة بالفيدرالية حق مشروع للجميع وتقرره المناطق قبل الافراد أو النخب، خصوصا شقها المتعلق باللامركزية الادارية، وذلك للأسباب التالية:

 

ففي حقبة نظام “اللجان الشعبية” المدمر لمصالح المواطنة، تم فيه إلغاء ” اللجان الشعبية” في المناطق الليبية، والتي قُدمت ضمن ما كان يسمى نظرياً “بسلطة الشعب” تحول قطاع الاداره المحلية في ليبيا إلى مرتع خصب للإمراض الاداريه واختفاء مركزيتها المحلية المطلوبة، خصوصاً بعد أن تحولت اختصاصاتها إلى الاداره المركزية في السلم الادارى للدولة في ليبيا. هذه المغادرة المفاجئة من مفهوم الاداره المحلية إلى مركزيه الاداره المحلية، ونقلها إلى خارج موطنها الاصلى أربك منظومة مصالح ألمواطنه في العديد من المناطق الليبية. هذا الاستحقاق حسبنا يأتي ضمن مبادئ الهبة الربانية للسابع عشر من فبراير لسنة 2011.

لقد أدى غياب التنظيم الادارى المحلى، بعد أن تم تفريغ محتواه التنظيمي، إلى جمله من الإخفاقات في تحقيق مصالح ألمواطنه أليوميه، وشكل أزمة للإدارة المحلية ذلك الأساس لأي نظام سياسي كان. ونقصد بذلك تواجد الجسم المركزي الذي يتولى السيطرة على نظام الاداره المحلية ويوجهها، ومن ثم يعمل على رعاية مصالح الإفراد أليوميه. ولقد كانت هناك اطر للإدارة، ولكن لم تكن تملك من الصلاحيات الممكنة لتمكينها من أداء واجباتها والتي رُحلت إلى الاداره الأعلى والمعروفة بنظام “اللجان الشعبية” القطاعية العامة.
إذا المساحة والسكان لدولة ومصالح المواطنة ومناطق الاطراف البعيدة عن المركز هي التي تحسم الخيار الفدرالي فيها، وليس العكس. تعاني ومنذ أمد طويل من غبن وتهيش السلطة المركزية، ومن تمركز القرار التنفيذي الإجرائي المتصل بمصلحة المواطنة. لقد وصل تركز السلطة في حقبة ” حكم اللجان والمؤتمرات الشعبية ” خلال حقبة حكم ” ألقذافي” إلي تسمية ليبيا بأنها تلك المنطقة التي تبدأ من تاجوراء إلي جنزور، نظرا لتركز السلطة المركزية فيها وسهولة اتصال الإطراف القريبة للمركز وقضاء مطالبها المحلية دون عناء المسافة والمصاريف واستهلاك الوقت والجهد.

والأخذ ببعض أساليب المنظومة الفدرالية لا يمس المرجعية السياسية للدولة، والوحدة والشراكة في الوطن لا تتأثر، والحقوق في هذا الشكل مصونة بالدستور، وإقليم الدولة موحد وكذلك علمها، ولا يضر إن قررت السلطة المحلية إضافة علما إلي جانب علم الدولة الاساسى كقيمة رمزية، والعملة واحدة، ووحدة المؤسسة العسكرية لا تتأثر بهذا الأسلوب الفدرالي، ووحدة القوانين والقضاء ووحدة التمثيل الخارجين وإبرام المعاهدات وشن الحرب، وإبرام معاهدات السلم والأمن. ولكن باقي الأمور الإدارية ذات المصلحة الحيوية لمواطن دولة الديمقراطية والاستقرار تُترك شؤونها للمنطقة وسلطاتها المحلية.

نعم إن الدولة الفدرالية لها كيانات دستورية، وتنوع في الأعراق والثقافات والأديان، ولكن عندما نتعامل مع الفدرالية بطريقة انتقائية نستطيع تحقيق وحدة دستورية الدولة الليبية. ومن هنا يمكن إن نتطلع إلي قيام نظام وطني شبه فدرالي في ليبيا، ويكون هذا النظام تجسيدا لأسس الديمقراطية في الحكم والإدارة والقانون. ليس ذلك فقط ولكن في ظل الحكامة للمؤسسات المحلية والتى سوف تؤدي دورها بصورة أفضل، وأكثر عدالة في ظل القانون والرقابة الدستورية.

ولكل منطقة إدارية تنفيذية لها ميزانيتها، والإيرادات السيادية في نطاق حدودها الإدارية وايرادتها وما تخصصه السلطة المركزية من أموال تشكل ميزانية السلطة المحلية. وفي هذا الخيار لا توجد فيه تكاليف ناهضة ونفقات مبالغ فيها، مثلما كان سائدا خلال حقبة ” حكم ألقذافي” تؤدي إلي فرض الضرائب التي من الممكن إن تثقل مصلحة المواطن، ولا اختلاف التشريعات والقانون، أنها الدولة البسيطة والمرنة بين الخيار المركزي واللامركزية.

الذي تحاول إن تجتهد فيه هذه القراءة هو إن تنتقي من الفدرالية ومركزيتها واللامركزية بعض الأساليب المرنة، والبسيطة ووضعها في أنساقها الديمقراطية تطبيقا للشراكة الجمعوية في اتخاذ وتنفيذ مصالح المواطنة، ليس ذلك ولكن شراكة المحليات في تقرير احتياجاتها، وتقريبها إليها تحقيقا للاستقرار الإداري المفقود منذ عهود خلت، والذي بدوره ساهم في عدم خلق أعراف وطنية للحكم والسلطة المحلية.

فالحكومة المركزية في هذا الإطار تختص بالسياسة الخارجية، والتمثيل القنصلي والمنظمات الدولية والإقليمية، وإبرام المعاهدات الدولية، الدفاع الوطني، إصدار العملة والسياسات الائتمانية والمالية والنقدية، وإدارة المنافذ الدولية، وإدارة الجمارك والاتصالات، وشؤون الجنسية وإقامة الأجانب،إعداد الميزانية العامة للدولة، وتبني الخطط والسياسات العامة للدولة، ووضع التشريعات المحددة بالدستور، من خلال البرلمان المنتخب، كالتشريعات الجنائية والمدنية. فالإدارة للحكم المحلي لا تحتاج إلي ما يقابلها في قمة هرم السلطة التنفيذية، من اجسام لتفعيل بعض أساليب الفكر الفدرالي.

وهناك استنساخ أخر من النظام الفيدرالي، ويمكن تبنيه، الذي يعتمد علي عدم تكوين وزارات مركزية لبعض القطاعات مثل التعليم والزراعة والإعلام والشباب والرياضة، والشؤون الاجتماعية………….، وترحيلها كوزارات محلية بالمناطق، لأنها ادري باحتياجاتها، ولا يجوز للدولة العصرية، وهرم سلطتها التغلغل والتورط عميقا في سلطة المحليات، علي أن تقابلها في هرم السلطة المركزية إدارات مركزية مهمتها رسم السياسات العامة العامة، وترك مهمة التنفيذ لسلطات الإدارة المحلية، علي النمط الأمريكي والكندي.

بمعني مبسط أكثر لا تعني هذه القراءة تبني النظام الفيدرالي في هرم النظام السياسي، ولكن تعشيق بعض الأساليب النظمية للفكر الفدرالي إلي المنظومة السياسية للإدارة والسلطة المحلية. والأسباب التي تدعو إلي الأخذ ببعض أساليب المنظومة الفدرالية لإقامة أسس لإدارة شأن الحكامة المحلية، وليس تبني النظام الفدرالي في الحالة الليبية هي كما يلي:
• ترامي الإطراف للجغرافيا الليبية
• الدعوة للفدرالية فى منطقة برقة كجدل لا يزال دائرا الان في بعض المناطق.
• تباعد المسافات بين المناطق الليبية
• اختلاف المناخ بين الشمال والجنوب الليبي
• تنوع احتياجات المناطق
• الزيادة المتوقعة وارتفاع معدل النمو السكاني
• كبر حجم مساحة الأرض الليبية
• صعوبة التواصل المواطنى المصلحى مع العاصمة
• مخاطر وعيوب المركزية للسلطة التنفيذية، وإعتدأتها علي مصالح المحليات
• تباين الكثافة السكانية من منطقة لآخري
• صعوبة توفير الأوزان النسبية للعدل والمساواة بين المناطق
• فشل أنماط السلطة المركزية في ليبيا، وعبر عهود من الزمن.
• تدني البنية التحتية للمواصلات المتطورة والسريعة
• ارتفاع تكاليف السفر الجوي والبحري والبري داخل ليبيا
• اختلاف مقومات برامج التنمية بين المناطق الليبية
• الفراغ البشري بين المناطق الليبية
• اختلاف الكثافة السكانية بين الشمال والوسط والجنوب

ومن هنا فأن هذه القراءة تتطلع إلى رؤية مؤتمراً وطنياً عاماً يؤسس للحكامة وحكم الجماعات المحلية يؤسس للدعوة الفيدرالية واللامركزية الادارية، وتحديد التشريعات المحلية الداعمة لها، للانطلاق لبناء الاداره وسلطتها المحلية المفقودة، لان القول بذلك يتعلق بنتائج العديد من الأوضاع في المجال الجواري، والذي قدم دروسا في فشل الأطر المركزية القهرية، والتي تأكل سلطة المحليات المُشرعنة ديمقراطيا، ومتطلباتها. أنها استحقاقات ثورة السابع عشر من فبراير الربانية لسنة 2011.

 

* جامعة بنغازى / كلية الاقتصاد/ قسم العلوم السياسية

بريد صحيفة الحرية

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف المقالات, مقالات الصحيفة, مقالات المحرر. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

تعليق واحد على جدل الفيدرالية في ليبيا … بين اللامركزية السياسية واللامركزية الادارية بقلم الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي *

  1. بلال الشويهدى كتب:

    لا للفيدراليــــــــــــــــــة البحته ، نعم للتنظيم الادارى الذى يخدم ويسهّل خدمات المواطنين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *