الهجرة: الخوف والبغض في شوارع أثينا

16/اكتوبر/2012

يحيط ثلاثة ضباط شرطة يرتدون الدروع الواقية للبدن برجلين بشرتهما داكنة في شارع مزدحم في أثينا، عاصمة اليونان التي أصبحت مضطربة على نحو متزايد. ويتكرر هذا المشهد في جميع أنحاء المدينة منذ بدء الحملة التي تشنها الحكومة ضد الهجرة غير الشرعية منذ شهرين. وأدت حملة الشرطة – من المفارقة أنها تسمى زينيوس زيوس، تيمناً باسم إله الضيافة عند اليونانيين القدماء – حتى الآن إلى القبض على أكثر من 36,000 مهاجر، وتم احتجاز 9 بالمائة منهم لعدم امتلاكهم لأي وثائق قانونية، ما ساهم في خلق جو من الخوف واليأس في الأحياء التي يسكنها عدد كبير من المهاجرين.

وقال كايو ليغوبورا، وهو تنزاني يعيش في اليونان منذ ثلاث سنوات: “إنهم يقبضون عليك حتى ولو كانت لديك وثائق كاملة”. وأضاف قائلاً: “إننا جميعاً نشعر بعدم الأمان منذ الانتخابات، وأسوأ ما في الأمر هو أنك لا تعرف إلى أين تذهب إذا كانت لديك مشاكل. وإذا استدعيت الشرطة، سيطلبون الاطلاع على المستندات الخاصة بك”. وليغوبورا هو أمين سر رابطة الجالية التنزانية، التي داهم مكاتبها حشد من الرجال والنساء الذين يحملون العصي وحطموها في الليلة السابقة لحديثه مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين). وساعد الجيران هؤلاء الغوغائيين على تحطيم النوافذ المصنوعة من الزجاج المقوى بعد أن اقتادت الشرطة بعض قادة المجموعة بعيداً عن الموقع، ولكنها لم تعتقل أياً منهم.

وكان العديد من المخربين يرتدون القمصان السوداء التي تميز أنصار حزب الفجر الذهبي اليميني المتطرف، الذي فاز بعدد قياسي من الأصوات خلال انتخابات يونيو الماضي، وهو يحتل الآن 18 مقعداً في البرلمان اليوناني. زادت شعبية هذا الحزب مع تراجع اقتصاد اليونان، ونجح قادته في إلقاء اللوم على زيادة الهجرة غير الشرعية في السنوات الأخيرة.

تصاعد التوتر

وقد اكتسب تصور أن المهاجرين هم المسؤولون عن زيادة معدلات الجريمة وارتفاع معدل البطالة إلى 25 بالمائة تقريباً دعماً كبيراً، ولا سيما في تلك المناطق بوسط أثينا التي تكاد تكون أحياء خاصة بالأقليات من المهاجرين الفقراء.

ووفقاً لنيكيتاس كناكيس، مدير مكتب منظمة أطباء العالم (MDM)، وهي منظمة غير حكومية، في اليونان، ثمة دعم شعبي واسع النطاق للجهود التي تبذلها الشرطة لـ “تنظيف” هذه المناطق. وأضاف في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية من مكاتب منظمة أطباء العالم في حي أومونويا، حيث تقدم منظمته الرعاية الطبية المجانية والخدمات الاجتماعية والمشورة القانونية للمهاجرين واليونانيين الفقراء: “لقد وضع الحزب الفاشي [الفجر الذهبي] جدول الأعمال على الطاولة والجميع ينفذونه، ولكن ما من خطة حقيقية بعد حملة تنظيف الشوارع. إنهم يحاولون دفعهم للخروج من وسط [أثينا]، وإبعاد المشكلة عن الأنظار، ولكن المشكلة لا تزال قائمة”.
شاهد معرض الصور

وحتى الآن، تم ترحيل حوالى 2,200 مهاجر عُثر عليهم بدون وثائق، أو اختاروا العودة الطوعية من خلال برنامج المنظمة الدولية للهجرة. والمساحة محدودة في مرافق الاحتجاز تجعل السلطات تفرج عادة عن الباقين بعد بضعة أيام أو أسابيع، بعد إعطائهم ورقة تمنحهم مهلة لمدة سبعة أيام لمغادرة البلاد، ولكن هذه الورقة مكتوبة باللغة اليونانية، والكثير من المهاجرين لا يستطيعون قراءتها، ناهيك عن تنفيذ ما جاء بها. ونظراً لتطبيق ضوابط أكثر صرامة في الموانئ الكبرى مثل باتراس، حيث كان المهاجرون يسافرون خلسة على متن السفن المتجهة إلى إيطاليا، لا تتوفر فرصة كبيرة لمغادرة البلاد إلا لأولئك الذين يمكنهم دفع المال للمهربين أو شراء جوازات سفر مزورة تثبت إنتمائهم للاتحاد الأوروبي. ويظل الباقون محاصرون في حلقة مفرغة من الاعتقال والاحتجاز والإفراج يصفها كناكيس بأنها “مضيعة للموارد والحياة”.

ودفعت أسرة حميد، وهو لاجئ أفغاني من إيران يبلغ من العمر 16 عاماً، 5,000 دولار للمهربين مقابل إدخاله إلى اليونان قبل 15 شهراً، وقد حاول مرتين الإختفاء في شاحنات متجهة إلى إيطاليا من باتراس، ولكن في المرتين، اكتشف رجال الشرطة محاولته وضربوه بشدة لدرجة أنه احتاج إلى العلاج في المستشفى. وقال لشبكة الأنباء الإنسانية من خلال مترجم: “ضربوني وكأنهم يريدون قتلي”. والآن، يمضي حميد أيامه متجولاً بين مطاعم الفقراء في أثينا، وفي الليل، ينام في منتزه بيديون اريوس، وعادة ما يوقظه رجال الشرطة. “إذا وجدوا المهاجرين ينامون بين الشجيرات، يضربوننا. في بعض الأحيان، يلقون القبض علينا، وفي أحيان أخرى يمزقون وثائقنا،” كما قال.

الهجمات العنيفة

وقد اقترن صعود حزب الفجر الذهبي بزيادة في الهجمات العنيفة على المهاجرين، ومعظمها لا يتم الإبلاغ عنه ويمر دون عقاب. فقد سجلت شبكة رصد تضم منظمات غير حكومية وتعمل بتنسيق من مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، 63 حادث عنف عنصري خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر وديسمبر 2011 في أثينا وباتراس، وارتكب ضباط الشرطة 18 منها. وصفت كيتي كاهايويلو، الموظفة بالمفوضية هذا الرقم بأنه “مجرد غيض من فيض”. وأضافت أن “الناس لا يبلغون عن مثل هذه الحوادث دائماً لأنهم لا يشعرون أن هذا سيساعدهم. والهدف هو إظهار أنماط – متى، وعلى يد من، وفي أي مناطق، وكيف. “عادة ما تهاجم مجموعة تضم ما بين 10 و15 شخصاً مهاجراً واحداً أو إثنين، وعادة ما يهاجمون الأكثر ضعفاً والمستضعفين، حتى النساء والأطفال”.

فقد كانت أمينة أسدي، وهي مهاجرة أفغانية، تسير مع ثلاث نساء أخريات وأطفالهن في أثينا عندما أحاط بهم خمسة رجال ونساء يحملون العصي. “كان أطفالنا معنا، وبالتالي لم نتمكن من الهرب،” كما أشارت أسدي، التي تقطعت بها السبل في اليونان مع زوجها وأطفالها الثلاثة منذ أن سرق المهربون مدخراتهم قبل عامين. وأضافت قائلة: “خلعنا أحذيتنا وأغلقنا عربة الأطفال وهددنا بضربهم بها، فهربوا”. ويُقال للمهاجرين الذين يحاولون توجيه اتهامات رسمية أن عليهم دفع رسوم قدرها 100 يورو أولاً. وأشارت منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان في تقريرها عن شهر يوليو، الذي قام بتوثيق أحداث العنف المعادية للأجانب، أن اليونان لم تشهد بعد أي إدانات بموجب قانون مكافحة جرائم الكراهية الذي صدر في عام 2008.

وتعالج عيادة منظمة أطباء العالم في أثينا المهاجرين الذين أصيبوا خلال هجمات عنصرية كل يوم. ووفقاً لتقديرات كناكيس، عالجت المنظمة 300 حالة من هذا النوع خلال النصف الأول من عام 2011. وأضاف في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية “إنهم خائفون للغاية. ونحن نرى أعداداً متزايدة من الأشخاص الذين يشعرون باليأس. كان الكثيرون منهم يعملون في السوق السوداء، في المزارع أو المصانع، ولكن الآن لا توجد وظائف حتى من هذا النوع”. وأضاف أن المشاكل الصحية الناجمة عن الظروف المعيشية المتدهورة في كثير من الأحيان للمهاجرين، مثل الإصابة بمرض السل، “تخلق مشكلة صحية عامة”. والجدير بالذكر أن منظمة أطباء العالم تضم 26 طبيباً وعدداً من الممرضات والأطباء النفسيين، وهم جميعاً من المتطوعين. وقالت مارثا كوييا، وهي ممرضة في العيادة: “ليس كل الناس ضد الأجانب. إنها السياسة”.

 
حقوق الطبع والنشر © شبكة الأنباء الإنسانية “إيرين” 2011. جميع الحقوق محفوظة.

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف استطلاعات وتحقيقات, الأبحاث والدراسات, الأخبار, الإنتهاكات, العالم الغربي, تحقيقات, تقارير اخبارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *