إليك عني أيها …الطرزان

بقلم : سعاد الصيد الورفلي
إليك عني أيها …الطرزان

خاص بصحيفة الحرية

الحديث عن ليبيا ؛ صار يشبه الحديث عن غابة” موكلي “أو أحراش الطرزان….لا تسمع سوى أصوات “طرزان” يتردد صداها بين الأرجاء بينما تغيب كل تلك الأصوات الرخيمة الناعمة وحتى التي كانت يوما ما تتصف بالوحشية . ..ففي ليبيا لا صوت يعلو على صوت طرزان…..لا الحكومة ولا أشباه الحكومة تستطيع أن تعارض طرزان عندما يصرخ صرخته المشهورة وهو في حالة غضب ربما قد يكون هذا الغضب بدون مبرر ، فطرزان عندما يقوم صباحا ويتعكّر مزاجه لأنه أحس بعدم الرضا عن نفسه فسيصرخ ….ويصرخ حتى تتجمع أمامه مكبرات الصوت المتنوعة الألوان والمشارب بين العربي والأجنبي؛ وستجد مجموعة من البشر غير المفهومين يدونون ويخربشون على عدة أوراق .


تتوالى الصيحات تارة بالإشارة وتارة بالحاجبين وأخرى بالحملقة هنا وهناك ، دون بلع للريق أو حتى هدوء للحنجرة من الصهيل.
يرفع يمنى ويضع يسرى يقبض على أصابعه ويدق ما أمامه حتى تتطاير الأوراق وعلبة الماء ربما لتقع على أول رأس ممن يقفون أمامه وتبتل الأوراق والوجوه وتنتهي خطبة طرزان العصماء بنفخ الأوداج وامتلاء الرئتين …وتنتهي بصداع نصفي لطرزان لايملك من كل دنياه سوى دموع ودب حنون يرتمي في أحضانه عند ساعات الضعف التي لاتنتهي في ليبيا طرزان.
هذه هي ليبيا ياسادة…لاتمالك لأعصابنا ..ولاروية في كلامنا وأحكامنا ..نتكلم فنقسم أيمانا مغلظة دون تأكد
ونتحدث فتلتفت الدنيا إلينا وتلتف حولنا ، وتصغي الآذان وتكتب الصحف لتلغي صفحات مهمة وتضع في قائمة الخبر الأول : طرزان ليبيا يعلن أنه إذا ما استعمل القوة فسيحكم ليبيا بين عشية وضحاها..ويخرج علينا عجوز الجزيرة ليحاول أن يفهم ماذا يجري في غابات ليبيا المترامية الأطراف….وهل الأسود ستسمح لطرزان أن يتربع على عرشها بعد أن قضت على طرزانات هرمة فما بالك بالطرزان اليافع…هذه هي أسئلة ذاك العجوز الكهل الذي يلوي حاجبيه بين الفينة والأخرى محاولا أن يفهم كل شبر داخل أراضي ليبيا …وتركيبة تلك الغابة ؛ غابة الطرزان الليبي.
كانت بجانبي طفلة سألتني متعجبة….لماذا لايحضرون لنا رسوما متحركة في التلفزيون ؟؟
فقلت لها متعجبة : رسوما متحركة…حقيقة ضحكت من هذا السؤال رغم أهميته لدى أطفال عالمهم غير عالمنا وحياتهم غير حياتنا..ولكن استطردتُ معها ..ما أفضل رسوم كرتونية لديكِ يا عزيزتي ؟…
فرحت الطفلة لأنني سأخرج من الغابة وأدخل روضة مليئة بالأزهار والبراءة فظلت تعدد على أصابعها وهي تتلعثم في تسمية بعض أسماء الرسوم التي تحبها:
ماوكلي…طرزان ….الشبل الصغير…استوقفتها وأنا أضحك عندما قالت طرزان…فظلت تنظر إليّ مستغربة
قلت لها وماذا يعجبك في طرزان ياعزيزتي….؟؟
فلم تزد على أن قالت…عنده “غوريلا” كبيرة…
ولكن هذه الغوريلا ياعزيزتي هي أمه التي ربته وهو يحن إليها ..ولكن عندما أخذته الدنيا وعاش بعقله…ترك أمه تنتحب في تلك الغابة.
الطفلة لم تفهم المعادلة إلا أنها قالت….وهي تشير إلى صدرها وتقلد طرزان عندما يخبط على صدره ويصرخ صرخاته المدوية في أرجاء غابة لايحكمها سوى الأقوى.
هذه هي ليبيا الأقوى…..
التلفاز يتحدث عن القوة وعن السلاح وعن شخصيات تظهر مدوية في أرجاء غابة ملتفة الأحراش….
التلفزيون ليس لأطفالنا ولا لحياتنا الاجتماعية ، فما فائدة حياتنا الاجتماعية داخل غابة طرزان….
كل المواضيع غائبة: الصحية والنفسية والعلاجية ، وبرامج الأمومة والطفولة، والأنشطة الثقافية…
الكل خائف في هذه الغابة…تحدثت مع إعلاميين محايدين فترة الأزمة ..قلت لهم لماذا لاتقدمون برامج شيقة ، حتى لأطفالنا الذين صاروا يتجرعون السياسة وهي كالقهوة المرة في حناجرهم يمرون على شاشات التلفاز فيجدون الأليات ….ووجوه الطرزان تتلاوك أطراف الحديث…وأخرى لاتصور سوى القتل والدمار؟..
ياسادة يكفينا قناة واحدة تجمع همومنا السياسية والباقيات اجعلوهن لأطفالنا
الذين كبروا قبل وقتهم!!
فردوا عليّ هؤلاء الإعلاميين والألم يعتصر قلوبهم قائلين:
نحن لانستطيع العمل في هذه الغابة..الكل لايتحدث إلا بلغة واحدة…لغة الدم…حتى عندما تخطئ خطأ غير مقصود فليس ثمة فرصة للتفاهم أو التفهّم الكل أصبعه جاهز على زناد البندقية..واكتفوا بقولهم….للأسف”………………..
مازلنا ننتظر الفَرمان من طرزان….
عذرا …فهذا ماجادت به مخيلتي الواسعة التي لا تنتهي من خيال حتى يردها خيال آخر…ماذا تنتظرون من أديب حالم…عندما يتحدث عن ليبيا الحبيبة ليبيا الطيبة….التي مازال يضرب بها المثل في طيبتها وخلقها ونبلها وشجاعتها في الحق…يؤلمني عندما أرى ليبيا غابة تتصايح فيها الأسود بينما تختبئ الغزلان والحمامات منتظرة بزوغ فجر قريب يعزف سيمفونية الحياة

….معذرة طرزان ,,,,,,,,,,فالحياة ليست سوى نغمة حب مليئة بالهدوء والتسامح والطيبة والتماس الأعذار لبشر أخطؤوا ربما يكونون يوما ما …أفضل بكثير منا….وقد يعطون لليبيا ما لم يعطها كلٌ منا !
تأكد أيها الطرزان أن إقامة الحق يريد القوة ويريد الحلم والتسامح…..فالقوة بدون حِلم ومحبة هي غابة وبال ودمار …ولن يرمز لأصحابها إلا بما رمزت له في مقالي هذا …فاحذروا ياشباب ليبيا من الطيش والعيش بزهو القوة ونشوة النصر ..فلاتأخذكم هذه النشوة عن أمكم ليبيا بعيدا فتصبحون على مافعلتم في حقها من العقوق نادمين… فلاتسترخصوا دماء الليبيين واحذروا فالدماء مطالبة أمام الله يوم لاينفع مال ولابنون.
Souad733@gmail.com الإيميل/

هذه المقالة كُتبت في التصنيف الحرية, كتاب الصحفية الليبيين. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

5 تعليقات على إليك عني أيها …الطرزان

  1. جميل المقال ، انهم طرزانات ليس تشبيها بل انهم طرزانات الاحراش فعلاًً ، حيت لاصوت يعلوا اصواتهم ، قاتلهم الله ، واذا شئتم بدلنا ذلك بـــ هذاهم الله .
    بالتوفيق استاذه سعاد .

  2. الأسيـف كتب:

    أستاذتي القديرة ..

    أجدني عاجزاً عن الرد

    أجد العبارات تحجرت في عنقي
    وأشعر بتلك الغصة المؤلمة في صدري

    أجد دمعي تحجر في المآقي وأنا أقرأ بشغفٍ لكِ
    فما قرأت هنا
    أثارني .. أذهلني بل ولا أخفيك سرّاً . شتتني ..

    سأكتفي سأكتفي
    بالصمت
    لا أريد التعقيب ولا أراني ذلك الذي يجيد التعقيب على أمثالك ….

    اقبلي مروري المتواضع ..

    وكووووني بخير ..

    الأسيـــــــف
    كنت هنــا ..

    • تحياتي للمبدع الصغير…هوليس صغيرا بقلمه الرائع الذي فاقنا…بل صغير السن كبير العقل والهام كبير الهمة والعطاء
      يارب..اجعل مستقبله خيرا ونورا وسرورا وعطاء وإبداعا
      شكرا لك ايها الأسيف

  3. بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
    أتقدم بأحر التهاني للإدارة والمشرفين على هذه الصحيفة ، التي أتمنى لها النجاح والتوفيق في سبيل الكلمة الطيبة والحرية الفكرية التي تعمل من أجل ليبيا ، وتقدمها ….
    أعزائي …في مقالي هذا قصدت بالجملة:(فردّ عليّ الإعلاميون والألم يعتصر قلوبهم)…عذرا للخطأ غير المقصود نتيجة السرعة …..

    بالتوفيق للجميع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *