الاستيلاء على أملاك الغير و البلطجة

أنت والقانون   –    الاستيلاء على أملاك الغير و البلطجة   –  د فايزة الباشا
جرم المشرع الليبي بموجب أحكام المادة 455 عقوبات فعل غزو الأطيان أو المباني وقرر معاقبة من يهاجم أطيان الغير أو مبانيه أو المعامل أو العقارات الأخرى بالحبس مدة لاتجاوز السنتين أو بغرامة لاتجاوز مائة دينار وهي عقوبة لا تتناسب مع جسامة الضرر المترتب على هذا السلوك المشين الذي ينبئ عن خلل في تكوين الشخص النفسي وكذلك الاجتماعي عندما يبرر لنفسه الحق في الاستيلاء على حقوق الغير بل ويمنح البعض أنفسهم حجة لمثل هذه التصرفات بسبب تهاون الأجهزة التنفيذية في تامين مساكن للشباب الذين بلغوا سن الزواج أو أولئك الذين تقدموا في السن ولم يتمكنوا من الاستقرار لعدم قدرتهم على سداد قيمة العقارات، إلا أن القانون العقابي الذي يقر لأجل ضمان الحقوق والحيلولة دون انتهاكها، لا يقر السلوك الذي يترتب عليه حرمان إنسان من حقه في العقار موضوع جريمة الغزو سواء كان محلها مبني أو أرض ، لأن الواقع يؤكد أن العقارات التي انتهكت حرمتها وتم غزوها هي حقوق لمواطنين منهم ؛ من ينتظرها منذ ما يزيد على الخمس سنوات

 د فايزة الباشا
جرم المشرع الليبي بموجب أحكام المادة 455 عقوبات فعل غزو الأطيان أو المباني وقرر معاقبة من يهاجم أطيان الغير أو مبانيه أو المعامل أو العقارات الأخرى بالحبس مدة لاتجاوز السنتين أو بغرامة لاتجاوز مائة دينار وهي عقوبة لا تتناسب مع جسامة الضرر المترتب على هذا السلوك المشين الذي ينبئ عن خلل في تكوين الشخص النفسي وكذلك الاجتماعي عندما يبرر لنفسه الحق في الاستيلاء على حقوق الغير بل ويمنح البعض أنفسهم حجة لمثل هذه التصرفات بسبب تهاون الأجهزة التنفيذية في تامين مساكن للشباب الذين بلغوا سن الزواج أو أولئك الذين تقدموا في السن ولم يتمكنوا من الاستقرار لعدم قدرتهم على سداد قيمة العقارات، إلا أن القانون العقابي الذي يقر لأجل ضمان الحقوق والحيلولة دون انتهاكها، لا يقر السلوك الذي يترتب عليه حرمان إنسان من حقه في العقار موضوع جريمة الغزو سواء كان محلها مبني أو أرض ، لأن الواقع يؤكد أن العقارات التي انتهكت حرمتها وتم غزوها هي حقوق لمواطنين منهم ؛ من ينتظرها منذ ما يزيد على الخمس سنوات ؛ ومنهم من سدد أقساطها ومنهم من شرع في شراء الأثاث عندما دخل بعض الغوغائيين وسلبوه فرحته، وهو ما يوجب ضرورة مساءلة من نسب إليهم السلوك المشار إليه ؛ والذي يعتبر من جرائم الشكوى وفقا للفقرة الأولي أي أن الدولة لا تتدخل لمحاسبة الجناة إلا إذا تقدم المتضرر بشكوى إلى مركز الشرطة الواقع بدائرته العقار ؛ إلا أن الفقرة الثانية من النص المذكور ألغت قيد الشكوى في حال توافر أي من الظروف المشددة للعقاب وهي إذا نسب لمن قام بفعل غزو المباني أو الأطيان استعمال الأشخاص أو تهديدهم، أو إذا ارتكبه مع جماعة يتكون أفرادها من عشرة أو أكثر.
وجريمة غزو العقارات التي محلها مباني أو أراضي تتحقق في صورة الدخول غير المشروع العمدي للعقار والبقاء فيه دون وجه حق وضد إرادة صاحبه كائنا من كان، مع علم الجاني بأنه يعتدي على حق الغير ويستفيد دون وجه حق من عقاره سواء كان ذلك الغير مالكا أو حائزا، ويتكامل القصد الجنائي بتوفر الإرادة الواعية باحتلال ذلك العقار أو الانتفاع به بصورة غير مشروعة.
ولا ننسى أن السلوكيات اللامسؤولة التي وقعت الأسبوع المنصرم في مناطق مختلفة من الوطن الغالي تسببت في إحداث أضرار بالغة بالممتلكات بإضرام النيران في المباني، وهو ما يخضع لنص المادة 300 التي شددت العقاب في مواجهة من يعرض ملك الغير لخطر الحريق أو كارثة سواء في المباني العمومية أو المسكونة أو المعدة للسكن… وغيره، أما جريمة الحريق العمد فينطبق عليها نص المادة 297 عقوبات التي تشدد المشرع في مواجهتها بإضفاء وصف الجناية على السلوك الإجرامي الذي قرر له عقوبة السجن الذي لاتزيد مدته عن سبع سنوات.
ولا ننسى أن المساءلة الجنائية يجب أن تطال من استغلوا الفرصة لسرقة ونهب الأموال بما في ذلك أموال الشركات المنفذة لتلك المشاريع ؛ حيث تم تخويف عمالها، ووقفت هي كحال رجال الأمن موقف المتفرج لعلمها بان حقوقها سيتم تحصيلها بحسب الاتفاق المبرم مع الجهة الوطنية، وهي الرابح لأن الفوضى التي حدثت ستعوق مساءلتها عن التأخير في التنفيذ وعن مخالفته للمواصفات المتفق عليها.
للأسف أن الخسائر التي تسبب فيها البعض ممن قاموا بهذه التصرفات اكبر مما يتصورون لأنهم يعلمون بان تواجدهم بتلك العقارات لن يطول، إلا إذا أردنا التشريع لتقنين البلطجة والفوضى، وإرساء مبدأ اكتساب الحقوق بالقوة وهو ما ينتظره الشباب المندفعون بطبعهم.
فهل القصور يكمن في السياسة الجنائية المقررة لمواجهة مثل هذه السلوكيات ؟ أم في السياسة التنموية التي لم تولِِ اهتماما بأن الإحصاء السكاني ينبئ عن ارتفاع معدلات الشباب الذي بلغوا سن الزواج والاستقرار، إلى جانب الآخرين ممن اضطروا للإقامة مع أسرهم على أمل أن تنتهي معاناتهم بالحصول على سكن أو قرض سكني دون فوائد أو مساعدات مالية من الدولة للتيسير عليهم ؛ إلا أن الإدارة التي ابتعدت عن هموم أبناء الوطن لأن أبناءهم مرفهون فهم يدرسون بالخارج وتخصص لهم الشقق بالمناطق التي تناسب ما نالوه من مكانة اجتماعية في عصر الجماهير حيث أبناء المجتمع متساوون، أو يتم بناء دارات لهم دون أن يتكبدوا عناء.
وهل تستدعي الظروف الراهنة التغاضي عن تلك السلوكيات لأن مبرراتها مشروعة أو لقناعاتنا بمسئولية التنفيذ أم نحاسب الفاعلين ولو بإلزامهم بتعويض الضرر الذي تسببوا فيه ؟ وهل سيؤدى التصالح معهم إلى نتائج ايجابية أم سيمنح فرصة للغوغائيين تمكنهم من اللجؤ إلى مثل هذه التصرفات كلما أرادوا تحقيق مبتغاهم ؟ لتكون ما أطلق عليه المشرع المصري بالبلطجة السبيل الأمثل لمواجهة سلطان الدولة، وللتمرد على النظام. رغم أن البلطجي : وهو مصطلح – كما تفيد المعلومات – لم يكن يحمل المعني السيئ الذي تعارف عليه اليوم، لأنه رمز لحامل البلطة باللغة التركية، حيث كان الجنود البلطجية في العهد العثماني هم الذين يحملون البلطة ويتقدمون القوات الغازية لقطع الأشجار بها ويشقون طريقا أمامها، وفي عصر محمد على كانت قواته تحمل اسم “ قوات البلطجية “ باعتبارهم رجال الأمن المركزي، أما الآن فالكلمة تحمل معاني تفيد الغوغائية وااللا نظام ، تعبر عن محاولة البعض وهم غالبا الخطرون والخارجون عن القانون فرض سلطتهم وتحصيل منافع ذاتية غير مشروعة باستعمال العنف الجسدي ضد البعض بما يحقق إرهاب عامة الناس نفسيا وفكريا وإخضاعهم لإرادتهم.
والبلطجة ظاهرة اجتماعية عرفت في بعض المناطق خاصة بين المراهقين والشبان في الغرب، وفي اللغة الإنجليزية الدارجة تعرف “ بالبولي” (Bully)، ومنها جاء صيغة فعل البلطجة ليعمم على كافة الأفعال التي تتخذ الطابع والنهج ذاته، دون قصرها على بلطجية الشوارع والأزقة .
ورغم ما يتميز به سلوك هذه الفئة من مناهضة للاستقرار فأن قضاء المحكمة الدستورية في مصر ؛ قضي بعدم دستورية نص المادتين 375مكررا و375مكرر 1، اللتين استحدثا بموجب القانون رقم 6 لسنة 1986م حيث جرمت الأولى ترويع الناس وتخويفهم وشددت الثانية العقاب، وهو ما يخالف موقف بعض الفقه القانوني الذي خلص بأن فلسفة تجريم البلطجة تتمثل في وقاية المجتمع وحمايته من أن يسود قانون الغاب، وهي مبررات مشروعة للمجتمع لحماية أمنه واستقراره [ 7 مايو 2010 م ] .
وإذا اتفقنا بأن السياسة الجنائية الوطنية التي تقرر سياسة التجريم والعقاب و الخطط الكفيلة بمحاربة الجريمة مباشرة عن طريق سن قوانين زجرية ؛ ‮ ‬أو من خلال إقرار تدابير للوقاية من الجريمة ،‮ ‬أو بشكل‮ ‬غير مباشر عن طريق السياسات الاقتصادية أو الاجتماعية… وغيره التي يجب أن تسهم في إقرار وتنفيذ سياسات من شأنها القضاء على بعض أسباب الإجرام‮ ‬،‮ ‬مثل توفير فرص عمل أو القيام بالتوعية أو القضاء على الفقر… الخ ؛ كي لاندفع بهم إلى الانحراف أو ‬ارتكاب الجريمة‮، لأن العقاب التقليدي المتمثل في الغرامة أو الحبس قصير المدة أثبت فشله عندما يرتبط السلوك الإجرامي بشعور الإنسان بالظلم والتهميش وعدم القدرة على تحقيق الذات وتأمين احتياجاته الأساسية، ناهيك عن أن شعور المجتمع بعدم عدالة العقاب أو أن تحقيقه للمنفعة الاجتماعية المرجوة لن يتأتىِ في مثل هذه الظروف، إلا أن ترك التصرفات الخارجة عن القانون دون محاسبة وعدم إشعار المخالف بخطورة مسلكه المشين على المجتمع ومن باب أولى على أبنائه الذين حملتهم أمهاتهم وهم نيام لاحتلال عقارات دون وجه حق سيكون له أثار أكبر في المستقبل.

الشمس طرابلس الثلاثاء 21/1/2011

هذه المقالة كُتبت في التصنيف مقالات قديمة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *