تعاطي المخدرات وسياسة التشدد والعجز

تعاطي المخدرات وسياسة  التشدد والعجز- د فائزة الباشا
كان للعولمة انعكاساتها السلبية التي صاحبت إيجابياتها لنجاح المنظمات الإجرامية في استغلال التقنية الحديثة  لترويج المواد المخدرة والمؤثرات العقلية والتغلغل إلى مجتمعاتنا المحافظة التي لم تكن تعرف ظاهرة إساءة استخدام المخدرات في السبعينات ، رغم وجود الحشيش الذي ينمو طبيعيا والذي كان يستخدم لأغراض إنسانية علاجية ، ورغم  تطور السياسة الجنائية المقررة لمكافحة هده الظاهرة ، إلا أن  النصوص الجنائية المشددة التي لم يصاحبها تطور للتدابير الوقائية  والعلاجية لانتزاع  الأسباب إلى دفعت بالشخص إلى الوقوع  و لا نقول ضحية المخدر لمن أختار هذا الطريق لأجل التجربة والمتعة بسبب الفراغ الذي تسبب فيه المجتمع لغياب سياسته التنموية الرصينة والأسرة معا فشلت في تحقيق دورها ،  حيث أن الاتجاه الحديث لم يعد يرى المدمن والمتعاطي مريضا بل إنسان صاحب سلوك منحرف يحتاج اهتماما خاصا من الجميع قبل التفكير في توقيع العقاب

أنت والقانون                                                                                      د فائزة  الباشا
تعاطي المخدرات وسياسة  التشدد والعجز
كان للعولمة انعكاساتها السلبية التي صاحبت إيجابياتها لنجاح المنظمات الإجرامية في استغلال التقنية الحديثة  لترويج المواد المخدرة والمؤثرات العقلية والتغلغل إلى مجتمعاتنا المحافظة التي لم تكن تعرف ظاهرة إساءة استخدام المخدرات في السبعينات ، رغم وجود الحشيش الذي ينمو طبيعيا والذي كان يستخدم لأغراض إنسانية علاجية ، ورغم  تطور السياسة الجنائية المقررة لمكافحة هده الظاهرة ، إلا أن  النصوص الجنائية المشددة التي لم يصاحبها تطور للتدابير الوقائية  والعلاجية لانتزاع  الأسباب إلى دفعت بالشخص إلى الوقوع  و لا نقول ضحية المخدر لمن أختار هذا الطريق لأجل التجربة والمتعة بسبب الفراغ الذي تسبب فيه المجتمع لغياب سياسته التنموية الرصينة والأسرة معا فشلت في تحقيق دورها ،  حيث أن الاتجاه الحديث لم يعد يرى المدمن والمتعاطي مريضا بل إنسان صاحب سلوك منحرف يحتاج اهتماما خاصا من الجميع قبل التفكير في توقيع العقاب الذي لن يجدى نفعا إذا مكن من الحصول على المخدر داخل الأسوار المغلقة  رغم ما يبذل من جهود من قبل المختصين ، فهذه أم تضع المخدر بوجبة "البازين الشعبية " لأبنها النزيل بمؤسسة الإصلاح ؛ فمن المسئول عن تصرفها ؟ وبالمقابل يشكو من أودعه أهله بمركز علاج الإدمان � تاجوراء – الذي ورغم محدودية إمكانياته وتواضع جهوده مشكور على مبادرته  لأنه لا يجد في التشريع غطاء لما يقوم به عند قبوله  لمسيء استخدام تلك المواد استجابة لطلب الأب أو الأم لإيداع الأبن دون موافقته  ؟ 
ما أود مناقشته يتركز حول ما إذا كان قانون المخدرات الليبي رقم  7 لسنة 1990 م وتعديلاته ، ومدى أسهامه في الحد من سوء استخدام هذه المواد من عدمه  ؟ أم إن الإشكاليات لازالت قائمة لان سياسة الجنائية المقررة لم تول اهتماما حقيقا بالمتعاطي والمدمن ، كما إن المجتمع لم  يعمل علي إزالة العوامل إلى تدفع بالشخص للتعاطي والاتجار وغير ذلك من صور إساءة التعامل في المواد المخدرة والمؤثرات العقلية  لعدم كفاية أحكام القانون رقم 7 لسنة 1990م بشأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الذي عدل بموجب القانون رقم  19 لسنة 1423م    باعتبار المخدرات في حكم أسلحة الدمار الشامل ، وبموجب القانون رقم 23  لسنة 2002م .
وبحسب القانون المذكور فأن  مصدر تجريم التعاطي ؛ أساسه المادة 37 من القانون رقم 7 لسنة 1990م التي قررت عقوبة السجن والغرامة التي لاتقل عن ألف دينار ولا تزيد عن خمسة آلاف دينار ، لكل من جلب أو صدر أو أنتج أو استخرج أو فصل أو صنع أو حاز أو أحرز أو اشترى أو نقل مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية أو زرع نباتا من النباتات الواردة في جدول الملحق رقم (5) أو جلبها أو صدورها أو حازها أو أحرزها ، وكان ذلك بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي أو تعاطاها أو استعملها فعلا ما لم يثبت انه قد رخص له بذلك .
أما المحكمة المختصة فقد خولت صلاحية استبدال توقيع العقوبة السالبة للحرية وإيداع من ثبت إدمانه على تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية إحدى المصحات التي تنشأ لهذا الغرض ليعالج فيها إلى أن تقرر اللجنة المختصة ببحث حالة المودعين بالمصحات المذكورة الإفراج عنه .
 ولقد حددت مدة الإيداع في المصحة  بما لايقل عن  ستة أشهر ولايزيد عن سنة ، على أن يثبت الإدمان بمعرفة لجنة طبية مختصة ومخصصة تشكل لبحث حالة المودعين بالمصحات بقرار من اللجنة الشعبية العامة للصحة على أن يكون من بين أعضائها احد رؤساء النيابة العامة الذي يندب لذلك .
بما يفيد أن المشرع قد ميز بين فئات مسيء استخدام المخدرات والمؤثرات العقلية بالنظر إلى القصد من الاستخدام ، كما انه ميز بين  طائفة المتعاطين والمدمنين ، حيث خول المدمن حسب ما يستخلص من نص الفقرة الثانية من النص أعلاه فرصة للاستشفاء بإحدى المصحات بحسب ما يقدره القاضي واللجنة التي يوكل إليها مهمة النظر في حالة المودعين بالمصحات والتي تقوم بدور إشرافي علاجي.
وبحسب تعريف الهيئة العامة للصحة ؛ فان الإدمان هو :" حالة نفسية وأحيانا عضوية تنتج عن تفاعل الكائن الحي مع العقار " ،  ومن خصائصها استجابات وأنماط سلوك مختلفة تشمل دائما الرغبة الملحة في تعاطي العقار بصورة متصلة أو دورية للشعور بآثاره النفسية أو لتجنب الآثار المزعجة التي تنتج من عدم توافره،   وقد يدمن المتعاطي على أكثر من مادة واحدة في وقت واحد .
إلا أن المفارقة أن اللجنة المشار إليها  التي أسند إليها تحديد حالة الشخص لم تشكل حسب علمنا  وذلك مؤشر على عدم اهتمام الجهات ذات العلاقة بمتابعة تنفيذ ما تقره السياسات التشريعية وان اللجان التي تشكل للاضطلاع بدور وقائي وتوعيوى شكلية وفوقية  .
كما وأن مالم يعالجه النص التجريمي إنه لم ينظر للمتعاطي على انه مريض سلوكي يحتاج إلى العناية الطبية والنفسية والاجتماعية للحيلولة دون وصوله إلى مرحلة الإدمان ، وهي المرحلة الأخطر الذي تستلزم فترة علاجيه أطول وأصعب .
عليه فان سياسة التجريم المقررة بشأن المتعاطين لم تمنح المسيء فرصة للعدول عن مسلكه إلا إذا تقدم قبل أن تقدر عليه السلطات كما نص عليه في عجز المادة 37 سالفة الذكر  ، وحتى هذا الأمر قاصرا لافتقارنا إلى العيادات المتخصصة والأشخاص المؤهلين من الأطباء والأخصائيين ، وتبقي الدورات التي تقرر للبعض ممن يتعاونون مع مركز الإدمان تاجوراء أو مركز إرادة بنغازي وكلاهما تابع إلى جهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ؛ محتشمة لتأهيل بعض العناصر ولا تحدث تأثيرا وفرقا في الواقع رغم تعاونها مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، لذلك نشهد ارتفاع لظاهرة إساءة استخدام هذه المواد بين فئة الشباب .
علاوة على أن منح القاضي سلطة تخييرية بين التدابير العلاجية والسجن قلل من فاعلية النص التجريمي ،ودليلنا العملي يكمن في عدم إعمال � تطبيق – القضاة  نص الفقرة الثانية  من النص المذكور ، لعدم اقتناع معظمهم أن المدمن إنسان مريض سلوكي ولأن اللجان الإشرافية المتخصصة كما أشرنا لم تشكل حتى تاريخه من قبل اللجنة الشعبية للصحة ،  وهو ما أحدث إرباكا في السياسة العقابية المقررة إذا يعاقب من يضبط بعدد بسيط من الأقراص الطبية التي تعد مؤثرات عقلية منحت له بوصفة طبية لعلاجه فقام ببيعها لتأمين احتياجاته بالسجن مدة ثلاث سنوات دون اعتبار للتقرير الطبي المرفق بأوراق الدعوى ، والذي يثبت انه مريض عقلي يتردد على مصحة الإمراض النفسية للعلاج ، ويواجه مركز تاجوراء صعوبات الذي أخذ على عاتقه الاضطلاع بدور  العلاج الإجباري  للبعض ممن يودعوا بمعرفة الأهل ، ناهيك عن قلة الموارد وعدم توفر المختصين الأكفاء ، وهذا قليل مما تعانيه السياسة الوقائية الاجتماعية والعلاجية وكذلك الجنائية من قصور للحد من إساءة تعاطي  أو المؤثرات العقلية المخدرات أو إدمانها .

صحيفة الشمس 9-2010

هذه المقالة كُتبت في التصنيف الأخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *