– مثقف خارج الحدود

همسة حق- مثقف خارج الحدود  د فائزة الباشا

الليبيون بمختلف مشاربهم ومستوياتهم البسيط منهم والمتعلم وكذلك المثقف جميعهم يشتركون في نقطة واحدة ألا وهي حالة الفصام التي نعيشها عندما نكون بداخل الوطن وعندما نتجاوز حدوده كما وأن التقوقع على الذات بات من سماتنا الرئيسة ، ولأن العبء يلقي علي عاتق المثقف الذي يفترض أن يلعب دورا إيجابيا لإحداث تغيير فى المجتمع لمسؤوليته الوطنية عن صناعة الحضارة التي لا تكتمل إلا بجهوده والآخرين

مثقف خارج الحدود
2009-10-13
img

بقلم  :د فائزة الباشا

الليبيون بمختلف مشاربهم ومستوياتهم البسيط منهم والمتعلم وكذلك المثقف جميعهم يشتركون في نقطة واحدة ألا وهي حالة الفصام التي نعيشها عندما نكون بداخل الوطن وعندما نتجاوز حدوده كما وأن التقوقع على الذات بات من سماتنا الرئيسة ، ولأن العبء يلقي علي عاتق المثقف الذي يفترض أن يلعب دورا إيجابيا لإحداث تغيير فى المجتمع لمسؤوليته الوطنية عن صناعة الحضارة التي لا تكتمل إلا بجهوده والآخرين ، إلا أن معظمنا لا تختلف سلوكياته عن البسطاء والمتعلمين ممن يحملون الشهادات ويرتدون البدل الأنيقة ولكن لا علاقة لهم بالثقافة التي هي سلوك حضاري يكتسبه الإنسان ،  وأحيل إلى العالم المميز أحمد زويل الذي قال :" بأن عشوائيات الفكر وفساد المال والسلطة وتراجع القيم والأخلاق تعوق طريق النهضة ، وسوف نبقى على الحال الذي نحن عليه ما بقى كثير من المثقفين يعيشون في ماضي التاريخ والأيديولوجيا والشخصانية " ،  ولقد وضع العالم الفاضل يده على داء المثقف العربي عموما والليبي على وجه الخصوص ، الذي إما أنه غائب عن محيطه أو منتقد له بصورة غير موضوعية . و لا نريد  الخوض في الثقافة كمفهوم اصطلاحي ، ونكتفي إلى  ما نص عليه إعلان مكسيكو 1982 م : بأنها السبيل الذي يمنح الإنسان القدرة على التفكير في ذاته و تجعله كائنا يتميز بالعقلانية و القدرة على النقد والالتزام الأخلاقي وعن طريقها نهتدي إلى القيم و نمارس الاختيار ، و نقيم أعمالنا و إنجازاتنا للبحث عن مدلولات جديدة و إبداعات نتفوق فيها على أنفسنا ، و هذا الإعلان يؤكد على العلاقة بين الثقافة و حرية التعبير و التفكير و المقدرة على النقد باتجاه التجاوز و الغموض و التفوق و هي أمور لها علاقة بالوعي والقدرة علي الاختيار و الانتقاء لا باللاوعي العاجز ؛ الذي يعيش عزلة ذاتية ، أصابتنا بالتوحد الاختياري ، ودفعت بنا إلى الانسلاخ عن الواقع أو أن نعيش في حالة فصام ؛ ومن أخطر صورها ؛ عدم احترامنا للقوانين النافذة ، حيث يتساوى المثقف مع غيره بما في ذلك أجهزة الدولة المعنية بإنفاذ القانون التي  قد لاتطبقه إلا وفق معطياتها وحساباتها الخاصة ، في حين نعي أهمية احترام القانون بمجرد تجاوزنا الحدود الوطنية ، كما نسارع إلى تغيير سلوكياتنا و عاداتنا المرتبطة بالملبس والمأكل وكذلك ما يرتبط بالجانب الفكري بشراء صحيفة أو قصة لمجارات المحيط خاصة إذا كانت وجهتنا دولة أوروبية حيث الجميع يستغرق فى قراءة قصة جيب أثناء تنقلاته ، ومن حيث المظهر  فلا فرق بين السيدة الكبيرة في السن التي سترتدي " معطفاً " والسيد المواطن الذي سيحافظ على هندامه الوطني  أو بدلته الأنيقة ، وقد نستثني بعض الشباب الباحثين عن فرصة عمل ، أو أولئك المستهترين بالقيم الأخلاقية الذين لا يرون في السفر  إلا وسيلة لمزيد من الاستهتار والتسيب والبحث عن أرضاء غرائزهم وهدر الأموال المتوفرة لديهم بفصل آبائهم ومعظمهم إداريون في الدولة تحولوا بقدرة قادر إلى رجال أعمال و أصحاب حسابات بالخارج باستغلال وظائفهم.

ولا غرابة أن بعض من يرتدن الإيشرب من بناتنا ونسائنا ؛ يتخلون  عنها بمجرد الشعور بالحرية والانطلاق بعيدا عن نظرات المواطن الباحث عن نقائص غيره بالداخل ،  لذلك فإن الكثير منهن يعتقدن أن ارتداء الإيشرب وسيلة حمائية من متابعة المجتمع لسلوكهن ، لا حاجة إليها عند تجاوزهن الحدود حيث لا فصام نعيشه بحسب وجهة نظرهن و نظر المرافقين لهن من الرجال سواء أكانوا أزواجاً أو أباء أو أبناء ، فالسفر يبعدهن عن أعين المتطفلين الباحثين عن سؤتهن وعيوبهن لإذاعتها بين الناس  ، ولا ينظر إلى ما تتمتع به شخصيتهن من مميزات إنسانية معطاءة فابتعدنا عن دواتنا و حشرنا أنفسنا في مجال النقد وجلد الذات ، وتركنا للإدارة السيئة والسياسة أن تؤثر على إنسانيتنا وأخلاقنا ، مما أدى إلى فشلنا في المجال الخاص بنا ، لأن حسد بعضنا البعض دفع بالبعض إلى إهمال نفسه و عدم الاهتمام بمظهره ،  و من يتعمق في واقعنا يجد أن الكثير منا يهمل مظهره بل وحياته  ليجنب نفسه ردة فعل المجتمع السلبية تجاه اهتمامه بنفسه ، وتلك الصورة المصغرة لحالة اللامبالاة التي أصبحنا نعيشها ودفعتنا إلى انتهاك القوانين إلى جانب أسباب أخرى كان الأحرى بعلماء الاجتماع والنفس أن يهتموا بدراستها وتشخصيها وتقديم المقترحات العملية لتجاوزها .

 إن التسيب الإداري واعتمادنا على العلاقات الاجتماعية لتسوية شؤوننا الخاصة والعامة على حد سواء دون تمييز بين ما هو حق وما هو اعتداء على حقوق الآخرين من سمات الشخصية الليبية بالداخل ؛ ولما لا مادام النظام الإداري السائد يسمح باستغلال هذه الفرص ، فاستخراج بطاقة شخصية قد يتم بمكتبك أو تنتظر أشهر المسألة رهنا بعلاقاتك ،  وكذلك حصولك على جواز السفر أو تجديده ، قد يستغرق وقتا لعدم وجود الغلاف الخارجي وغير ذلك من الأعذار التي تساق لتبرر التأخير وقد يحصل عليه غير الوطني بدراهم معدودة ، وقد تستلم رخصة قيادتك إذا تم ضبطها لمخالفة مرورية بصالون منزلك من قبل أحد معارفك أو أصدقائهم ،  أو يتم الاستغناء عنها باستخراج بديل بسهولة متناهية وهو ما حال دون فاعلية العقوبة التكميلية التي يحكم بها على من يرتكب جريمة قتل خطأ بواسطة مركبة آلية ويحظر عليه قيادتها لمدة من الزمن  ، أما قيادة السيارة من قبل ضعاف البصر فحدث و لا حرج ، والكارثة التي قد لا يتصورها البعض أن هناك من لا يستطيع تحديد مكان الكرسي الذي سيجلس عليه عند دخوله لمكان ما ، و يسمح له بقيادة سيارة ، و نعقد المؤتمرات لدراسة أسباب تزايد معدلات حوادث السير وجرائم القتل الخطأ ، التي تسبب استهتارنا في تطبيق القانون في مواجهة مرتكبيها في ارتفاع معدلاتها ،  بل ونتكالب للحصول على تنازل من ذوي المجني عليه لافرق بين مثقف كان يجدر به تولي الأمور بحكمة وهدوء و أن يقدر ظروف عائلة الضحية إلا أنه لايهتم إلا بقضاء حوائجه ، ومع عدم التقليل من أهمية العلاقات الاجتماعية ، ولكن هل نقبل بها عندما تقف حاجزا بيننا و بين التحضر و الارتقاء الذي يجعل المثقف أكثر حضارية في معاملاته خارج حدود وطنه منه في الداخل ، سواء في مصداقيته و رغبته في إحداث تأثير يكون صمام الأمان للجميع ؛ ويكون البعض بالخارج لأن بقائه بالوطن إهدار لطاقاته وإجحاف فى حقه ، فماذا عمن يعانون ويتألمون لما يشهدونه من تخلف ورعونة وفساد ويشعرون بالعجز لعدم قدرتهم على إحداث تغيير ، ولا يصدق ذلك على المثقف الذي يسلك سلوكا غير لائق  عندما يخدع زملائه ويقلل من قيمة أبناء وطنه ويستبعدهم ، أ و من  يسئ إلى عائلته باستغلال من هن في عمر أحفاده ، أو يتزوج سرا من إحدى طالباته ويحرمها حقوقها الشرعية ، أو ينسب للآخرين فشل المجتمع وينسي أن سلبيته كمثقف كان لها دور في ترسيخ تخلفنا لأنه قدوة للغير ممن قد يتأثرون بنهجه ، ولأنه كان غير قادر على العطاء دون مقابل ، و لهث وراء المال والامتيازات ولم ير ما يمنعه من العمل وفق مقولة (عوزها أزاي يا بي ) و أهدر أي قيمة للعلاقات الإنسانية الصادقة البريئة  ، فأصبحت المصلحة غايته بحسب المنهج الميكيافلي ، فتمسك بمعول الهدم لا بمعول البناء ، ومن هؤلاء من يدعي الإصلاح – حاليا – الذي يبحث فيه المثقف عن إصلاح يتجاوزه هو ؛ إلى الآخرين و الدولة ، لأننا لا نعمل وفق منهج عليكم بأنفسكم ، وأعتقد أن الضلالة لا تقتصر على الكفر ، لأن النفاق و الحسد وإظهار عكس ما نبطن و التسبب في تفشي الغش والإفساد  من مظاهرها ، ونحن مدعون للسمو في تعاملاتنا  بالابتعاد عن مواطن الذل والزلل وعن اقتناص الأخطاء للآخرين بل مساعدتهم علي تجاوزها بعيدا عن  التهويل .

 إن الثقافة هي الداعم الأساسي لنهوضنا وليكن تنافسنا شفافا بعيدا عن الذل و الشقاق و روح التدمير بل تنافس من أجل الخير و الحق و العطاء بعيدا عن التطرف و الابتذال و عن الجنون المؤقت الذي يتسم به سلوك بعض من يدعون الثقافة ، وهم أنفسهم من يحملون لواء الإصلاح الذي يرفض رأي الآخرين ، لاعتقادهم أن التغيير لا يكون إلا وفق تطلعاتهم و إن جافت الموضوعية،  و لأننا لا ننظر لما بأنفسنا من عيوب نتهم بها الغير ، فقد يتحول الغرور إلى مرض عضال يؤثر عل المستقبل لأن الأنانية و إدعاء التفوق و استغلال الفرص قد تدفع بالبعض ممن تسمح لهم الظروف بتحييد الأخر و إزالته معنويا أو ماديا ، و نحن نرمي أنفسنا بالطوب ؛ حيث لم يتوان البعض عن إساءة استخدام الشبكة المعلوماتية  لبث سمومه ونقائصه ،  في حين أن المثقف الحقيقي لا ينأى بنفسه عن القيام بمسؤوليته الاجتماعية والإنسانية تجاه وطنه دون انتظار مقابل  ، وهو الذي يعمل  جاهدا لإحداث تغير إيجابي في محيطه ولو على نطاق محدود بعيدا عن الأنانية و التسلط ، بعيدا عن حالة الازدواجية والفصام ، ولانريد الانكفاء الرحمي علي الذات للهروب من حالة الفصام الذي يعيشها المجتمع ، كما لا نريد المثقف الذي وصفه الكواكبي في كتابة الطبائع الاستبدادية و الذي لخص أخلاقياته بين الممالأة والتربص من جهة و الخروج أو التخلف من جهة أخري مما أدي إلي فساد الثقافة و السلوك .

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف مقالات قديمة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *