العدالة للأحداث

العدالة للأحداث  همسة حق     –   فائزة الباشا 
الإدارة الرشيدة أو الحوكمة كما يعبر عنها البعض وسيلة لتنظيم وإدارة كافة القطاعات ورقابتها بما فى ذلك قطاع الأمن الذي يتجاوز المفهوم التقليدى ليشمل كافة الأجهزة ذات العلاقة بحفظ الأمن السياسي والعسكري إلى الأمن الإنساني الذي تضطلع كافة مؤسسات الدولة بالمحافظة عليه ولا يقتصر على مكافحة الجريمة وتقديم مرتكبيها للعدالة بل يتجاوزه إلى الرقابة على الميزانيات المخصصة لهذه الأجهزة وأوجه صرفها

  العدالة للأحداث  همسة حق     –   فائزة الباشا 
الإدارة الرشيدة أو الحوكمة كما يعبر عنها البعض وسيلة لتنظيم وإدارة كافة القطاعات ورقابتها بما فى ذلك قطاع الأمن الذي يتجاوز المفهوم التقليدى ليشمل كافة الأجهزة ذات العلاقة بحفظ الأمن السياسي والعسكري إلى الأمن الإنساني الذي تضطلع كافة مؤسسات الدولة بالمحافظة عليه ولا يقتصر على مكافحة الجريمة وتقديم مرتكبيها للعدالة بل يتجاوزه إلى الرقابة على الميزانيات المخصصة لهذه الأجهزة وأوجه صرفها ، وإلى الرفع من كافة منتسبيها فى قطاع الشرطة والردع والجيش وكذلك العدالة الجنائية والقطاعات الأخرى المنوط بها تأمين الحماية على أساس المساواة والمعاملة باحترام وكرامة ،  وباعتبار الأمن الإنساني خدمة عامة توفرها الدولة كالرعاية الصحية والتعليم وهذه الخدمات جمعيا تسهم فى استقرار الحياة وتقدم المجتمع لأنها الوسيلة المثلي للشعور بإنسانيتنا ، وهو ما لن يتحقق إلا باقرر سياسات تقلل من الانحراف والجريمة  ، ونذكر برأى بعض علماء الإجرام الذين قالوا بأن لكل مجتمع المجرمين الذين يستحقهم ، وهي مقولة منطقية لأن الانحراف بوجه عام والجريمة على وجه الخصوص تحدث لأسباب مختلفة فى مقدمتها البطالة والفقر والتفكك الإجتماعي وتتزايد حدتها بتخلي الدولة عن واجباتها ، وهناك الأسباب المرتبطة بتكوين الشخص النفسي أو البيولوجي  ولأن اعتقادنا بأن العقاب المتشدد هو الوسيلة المثلي لمكافحة الجريمة لم يؤتِ ثماره بحسب ما يؤكده الواقع لتخلف المجتمع عن القيام بدوره الفاعل لمساعدة الإنسان على تجاوز ازماته وتمكينه من متابعة حياته بطمأنينة  مما تسبب فى تزايد معدلات الجريمة فارتفعت جرائم السرقة  ، ولم نسأل انفسنا عن أسباب تزايد العنف بين الشباب بل والأطفال ، ولأن سياستنا تهتم بالأمور المادية البحثة دون  الاهتمام بالبحث عن الدوافع  أهمالنا الجانب المعنوى فى حياة الأفراد والجماعة ، و ركزنا على المباني و الأسمنت دون الطبيعة الرائعة وتأثيرها على السلوك الإيجابي ، ولم نراعِ متطلبات  التنمية البشرية التي قوامها الاحتياجات المعنوية للإنسان كفرد وعضو فاعل فى المجتمع إلى جانب الاحتياجات المادية .
 ورغم أن المشرع منذ الخمسينيات من القرن العشرين قد قرر سياسة جنائية إجرائية خاصة للأحداث الجانحين الذين تزايدت اعدادهم بسبب الفراغ العاطفي وانعدام القدرة على التواصل معهم فينحرف الطفل ولايري فى هتك عرض زميله فعل لا أخلاقي لان منظومة القيم الاخلاقية لديه ضعيفة ومنهارة  ولايعتقد بأن السب والضرب سلوكيات غير لائقة لاننا نعلمهم بان الرجولة هي فى رد الاعتداء بأي وسيلة وأن العنف لايواجه الا بعنف أكبر ، ويخشي الاساتذة بمدارسنا من ردة فعل الأطفال المتنمرين وهو مايشجعهم على التمادى فى الانحراف وارتكاب أفعال توجب مسألتهم جنائيا ، وتتزايد الأمور تعقيدا لأننا لم نراعِ فى مؤسسات الأحداث الاشتراطات اللازمة لاعادة تأهيلهم وتدريبهم انسجاما مع الاسم الذي تحمله مؤسسات الاحداث كدور للتربية والتوجيه ، ولكن أين نحن من التربية والتأهيل فى دور تجمع النزلاء بمكان واحد دون تصنيف علمي ، فيودع  العائد مع من ارتكب جريمة قتل خطأ بمركبة آلية ، ومن يتاجر بالمخدرات كوسيلة للثراء  مع من ضرب صديقه فأفضي سلوكه إلى موته ، أين نحن من تربية ابناءنا الاحداث ليعودوا الى المجتمع كأشخاص أسوياء لا مشوهين نفسيا واخلاقيا ولايتوانون عن ارتكاب جرائم أبشع لأن القائمين على تأهيلهم أشخاص غير مؤهلين بل وننسب إليهم المسئولية فى حال حاول النزلاء الهروب دون تمييز بين واجبات المشرف والإخصائي وبين الحراس فجمعيهم سواء من وجهة نظر الادارة التي يقوم موظفيها بزيارات شكلية أو بعقد ندوات ومؤتمرات لاتهم إلا من يشارك فيها دون المجتمع ، ولان الله  يكلف نفسا الا وسعها لذلك يجب أن لانطلب ممن لايملك الخبرة والتأهيل ما لايستطع .
 أن ابناءنا الأحداث فى خطر إذا لم نراعِ الأسس العلمية لتعليمهم وتدريبهم ، أين ورش التدريب لتعليمهم حرفة تجنبهم سلبيات الفراغ والبرامج الرياضية ، ومتي ننجح فى تطوير السياسة الجنائية الإجرائية التي قد قررت خضوع هذه الفئة  لمحاكم خاصة تتوافر لهم فيها ضمانات المحاكمة العادلة وتحفظ لهم كرامتهم وتجنبهم روتين النظام القضائي العادى ، وهو ما لم يستطع القضاة بهذه المحاكم تحقيقه لأن تأهيلهم محدود ولايتجاوز ما تعلموه بكليات القانون دون تطوير وتحديث لاداءهم ليتمكنوا من تفهم ظروف الاحداث وليحرصوا على ايلاء ملف الشخصية الاهتمام اللازم للتعرف على ظروف الجانح ، وهو ما لاتقوم به المؤسسات ذات العلاقة بهذه الفئة ، ومما يثير الغيظ أن يودع من هم دون الرابعة عشرة لأجل غير محدود لارتكابهم جريمة خطيرة ، بموجب قرار ايداع الى حين اشعار آخر  من النيابة العامة   واغفلنا أن النص الجنائي قدر خطورة الجانح ولم يكتف بالنظر لخطورة الجريمة ، وهو مالم يراعيه عضو النيابة الذي يفترض انه لايملك اصدار مثل هذا القرار لان المشرع خاطب القاضي ، ولكن فى غياب الرقابة والتفتيش القضائي ومن باب أولى غياب الروح الانسانية فأن تجاوز حدود السلطات والتصرف دون مسئولية تجاه طفل ينظر إليه  كمجرم  ، ونغفل تطبيق ما قرره المشرع من تدابير وقائية على الطفل الصغير المسئول جنائيا وغير المسئول لانه ارتكب جريمة قتل بدراسة حالته ومراعاة ظروفه واخضاعه لرقابة قاضي الأشراف ، ولان المودعين بهذه المؤسسات لايشكلون عبء على الدولة لأعتقادها بأن توفير الأكل والشرب يعفيها من متابعة القائمين على هذه الدور التي لاتتوافر فيها كما ذكرت الاشتراطات اللازمة لتنفيذ سياسة علاجية واصلاحية فاعلة ، فلايتلقي المودعين فرصتهم للاستمرار فى تلقي التعليم المدرسي والحرفي بما يساعدهم على اعادة النظر فى حياتهم  ويحول بينهم وبين العودة لارتكاب جرائم اشد خطورة ، ولاننسي بأن المتضرر من انحراف الشباب والأطفال هو المجتمع الذي يقفد طاقاته الفاعلة .
لذلك يجب أن لا نكتفي بابرام اتفاقات ترتب علينا التزامات قد لانكون قادرين على تحقيقها ،  ونحن في ابراجنا العاجية التي نصنعها لانفسنا و يوهمنا بها المحيطين بنا ، ولا نعلم بان جانح فى السابعة عشرة من عمره يفضل البقاء بالانفرادي على التعاطي مع باقي النزلاء والادارة ، وأن آخر دون الرابعة عشرة يعاني لان القاضي لايساعده على تفهم التهمة المنسوبة إليه ، وآخر ترك منزل عائلته ولجأ إلى زميله السابق المحكوم عليه فى جريمة الاتجار فى المخدرات الذي تعرف عليه فى غياب التصنيف بالمؤسسة حيث اودع لقتل خطأ فعاد لارتكابه جريمة الاتجار غير المشروع بالمخدرات ، ولا نتضامن مع الموظفين بهذه الدور ممن يتعرضون للاعتداء ونحرمهم من الحصول على حقهم فى تلقي العلاج على نفقة المؤسسة  ، ونحملهم المسئولية ونقلل من أهمية دورهم . فكيف يستقيم الأمر فى غياب الادارة الفاعلة التي لاتعتمد على الشخص الواحد بل الجماعة التي تشعر بالآخر وتطمح للأفضل   وللحديث بقية بأذن الله تعالي.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف مقالات إلكترونية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *