المصلحة الوطنية وسياسة التشريع المستقبلية

 إلـي مـن يهـمه الأمـر

 المصلحة الوطنية وسياسة التشريع المستقبلية        بقلم /   د فائزة الباشا  

لقد أكدت لجنة مراجعة القانون المدني فى مذكرتها الإيضاحية المرفقة بمشروع القانون المقدم للمناقشة والإقرار من قبل السلطة التشريعية وهي المؤتمرات الشعبية الأساسية ؛ على ضرورة ضمان الحقوق المكتسبة والمراكز القانونية لمن طبقت فى شأنهم تلك القوانين المطلوب إلغائها وهي :


    القانون رقم 4 لسنة 1978م بتقرير بعض الأحكام الخاصة بالملكية العقارية .

       القانون رقم 21  لسنة 1984 م  بشأن الأحكام الخاصة بتقرير المنفعة العامة والتصرف فى الأراضي الزراعية .

       القانون رقم 7 لسنة 1985م بتقرير بعض الأحكام الخاصة بدعاوى  التعويض المتعلقة بتطبيق المقولات الثورية.

       القانون رقم 7 لسنة 1986م بإلغاء ملكية الأرض .

      القانون رقم 11 لسنة 1992م بتقرير بعض الأحكام بالملكية العقارية .

 القانون رقم 10 لسنة 1427م بتقرير بعض الأحكام الخاصة بدعاوى الملكية والطرد والإخلاء المتعلقة بالعقارات التي آلت إلى المجتمع .

كما تقرر بموجب المشروع إلغاء كافة القوانين المعدلة للقوانين المشار إليها ، وإلغاء كل ما يخالف أحكام المشروع فى حال إقراره .

وهو اتجاه إيجابي يتفق مع السياسة العامة الجديدة للدولة خاصة وأن مشروع القانون أكد فى الفقرة الثانية من المادة  6  التي جاء فيها إنه :" لا يخل إلغاء القوانين المذكورة بالحقوق المكتسبة من تطبيق أحكامها ".

بالمقابل فإن المشروع أغفل وألغي ولم ينصف أصحاب الحقوق ممن تضرروا أو سوف يتضررون وهم كثر فى ضوء الكم الهائل من القرارات التي اتخذت وسوف تتخذها اللجنة الشعبية العامة بنزع الملكية لأغراض المنفعة العامة وقد اكتفت المادة الأولى من المشروع بقولها :" الملكية الخاصة مقدسة ومصانة ولا يجوز المساس بها إلا للمصلحة العامة وللقانون ولقاء تعويض عادل " ، وكان يجب أن يضاف إليها عبارة أو البديل المناسب وأن تتضمن المادة الثانية من المشروع عبارة :" وتكون الأولية لمن تضرروا من نزع أراضيهم وممتلكاتهم لأغراض المنفعة العامة " لضمان الحق الذي منحه المشرع بموجب أحكام المادة 30 من القانون 116 لسنة 1972م الخاص بالتطوير العمراني ، التي قد تعتبر ملغاة ضمنا بموجب المشروع ، رغم ما كفلته من حماية لحق الملكية بقولها :"يجوز أن يتم التعويض عن العقارات التي تؤول إلى الدولة بموجب أحكام هذا الباب عن طريق نقل ملكية عقار من أملاك الدولة إلى مستحق التعويض ، بشرط موافقته على ذلك وبمراعاة التعادل فى القيمة بين العقارين فإذا اختلفت القيمة أدى الفرق  نقدا ".

أما ما جاء بالمادة 88 من مشروع القانون والتي  نصت على انه :" تفقد الأموال العامة صفتها بانتهاء تخصيصها للمنفعة العامة ، وينتهي التخصيص بمقتضي قانون أو بالفعل أو انتهاء الغرض الذي من أجله خصصت تلك الأموال للمنفعة " ،  فقد أعطت الحق لمن لا يستحقه ومنعته على من له الحق فى استرجاع ممتلكاته وأراضيه فى حالة انتفاء صفة المنفعة العامة عليها  خصوصا وأن المادة 7 من المشروع قد نصت علي أن تلغي أي أحكام أخري مخالفة لهذا القانون  ، وتم تجاوز ما ضمنته المادة 29 من القانون رقم 116 لسنة سابق الإشارة ؛ من ضمانات – لأنه ساري المفعول فيما لا يخالف أحكام المشروع-  التي نصت على انه :" إذا لم يبدأ فى تنفيذ المشروع الذي صدر قرار باعتباره من أعمال المنفعة العامة خلال ثلاث سنوات من تاريخ صدور هذا القرار جاز رد العقارات التي تقرر لزومها لتنفيذ هذا المشروع إلى ملاكها السابقين أو ورثتهم بناء على طلبهم وبشرط أن يردوا ما صرف إليهم من تعويض طبقا للأوضاع التي يحددها وزير الإسكان خلال ستة اشهر من تاريخ انقضاء مدة الثلاث سنوات المشار إليها ،  ويصدر بالرد قرار من وزير الإسكان ينشر بالجريدة الرسمية ويسجل فى مكتب التسجيل العقاري المختص دون مصاريف أو رسوم "  ، وكان يتعين إقرار سياسة  تشريعية متوازنة تتماشى و التوجه الجديد للمجتمع ؛ علي أن يستفيد منها كافة أفراد المجتمع دون استثناء ولكن وعلي ضوء ما نراه في ساحتنا وما يطرح من أراء و أفكار فإن الرابح الأكبر الذي سوف يستفيد من مشروع القانون وفي حالة تمريره و إقراره بصيغته الحالية وأصبحت له الصفة التشريعية خصوصا بعد أن نصت المادة 7 من المشروع بإلغاء أي نص مخالف لهذا القانون ، الرابح الأكبر هو "الغول القادم" والذي سوف يبتلع كل شيء ونندم حيث لا ينفع الندم ، وهذا الغول متمثلا في الشركات و الصناديق و المحافظ الاستثمارية وغيرها والتي أنشأت بموجب قرارات صادرة عن اللجنة الشعبية العامة و ممولة بالكامل من الأموال العامة العينية و النقدية خولت له حق التصرف و إدارة واستثمار عوائد الليبيين المستفيدين من توزيع عائدات النفط ، كذلك تملكها للأصول الثابتة و المنقولة المملوكة للمجتمع بما في ذلك الأملاك الخاصة بعد انتفاء صفة المنفعة العامة علبها حسب المادة 88 من مشروع القانون ، كذلك يشمل هذا التملك شواطئ البحر المملوكة للمجتمع وما تبقي من منشئات صناعية و خدمية و بذلك يسيطر هذا " الغول سيطرة كاملة علي مقدرات الشعب وعلي اقتصاده الوطني ، لا نعرف إلي ما قد ينتهي إليه ، وهنا نرجع بالذاكرة إلي تجربة القطاع العام الرائدة و التي أسست لغرض خدمة مصلحة الوطن و المواطن وعلي ضوئها ثم إنشاء مئات المشاريع و المنشئات و الوحدات الإنتاجية الصناعية و الخدمية و الزراعية و أسواق عامة كلفت المجتمع مئات الملايين من الدينارات ، إلا أن هذه التجربة أجهضت بسبب جهل وسوء إدارة مسيروها ومن معهم ، وكذلك السرقة و الفساد و الجشع و الطمع و البحث عن المصالح الشخصية دون النظر للمصلحة العامة ، وبإجهاض هذه التجربة و ما نتج عنها من مآسي و مساوي منها هدر و ضياع المال العام .

وكما قال الشاعر " نعيب زماننا والعيب فينا ، وما لزماننا عيب سوانا " .

و برجوعنا بالذاكرة إلي هذه التجربة لنأخذ العبر من الماضي لكي يساعدنا في اتخاذ القرارات الصحيحة و الصائبة في المستقبل ، وأن لا نجازف مجازفات غير مضمونة ومحسوبة كما يسمي في السوق المالي " استثمارات عالية المخاطر" خصوصا وأننا قد مررنا بتجارب سابقة ضاع فيها الكثير من مقدرات مجتمعنا .

وهنا يطرح  السؤال

لمــــاذا نفرط في الأصول و الأموال و الممتلكات العامة الثابتة و المنقولة و التي هي ملكا مقدسا لهذا الجيل و الأجيال القادمة من الشعب الليبي و لمصلحة من ذلك ، رغم مرورنا بتجارب سابقة .

       هل هي مصلحة الشعب الليبي مجتمعا.

    هل هي لمصلحة فئة معينة دون أخري .

  أم هي تخدم مصلحة "الغول القادم " أو ما يسمي "قطاع الاستثمار العام" بدلا عن القطاع العام لأنه أنشأ ومول و استثمر بقرارات و بأموال صادرة و ممولة من خزينة المجتمع .

وهنا نصل إلي لمـــاذا ؟

   لا نملك الأموال و الممتلكات العامة والوحدات الإدارية إلي الشعبيات أو البلديات كل حسب حدوده الإدارية و الجغرافية حتى نضمن لهذه الجهات دخلا ثابتا يساعدها في تنفيذ مشاريعها التنمويه و بناء البنية التحتية .

وذلك عن طريق مشاركة القطاع الأهلي وحتى الأفراد و المصارف المحلية وحتى الشركات الأجنبية في مشاريع إنتاجية و خدمية و سياحية وغيرها كذلك بحق الانتفاع أو التأجير للمنشآت القائمة ، علي أن لا تتحمل الدولة أية التزامات مالية و تتولى الجهات المنوه بها أعلاه ضمان المحافظة و صيانة وتطوير و بناء تلك المنشات بأموالها وعلي حسابها الخاص علي أن ينظم ذلك قوانين و لوائح جديدة تصدرها جهات الاختصاص بمساعدة القوانين و اللوائح السابقة .

و إعفاء المنشئات و الوحدات الصحية و التعليمة من دفع أي إيجارات أو رسومات أخري علي أن يتحمل المسئولين عن إدارتها الحفاظ عليها و حمايتها و تطويرها وصيانتها .

لمـــاذا ؟

لا نترك المواطنين المستفيدين من توزيع عوائد النفط وبأنفسهم ودون تدخل طرف ثان وسيط بأن يستثمروا أموالهم بالمصارف الوطنية و الأهلية المضمونة من مصرف ليبيا المركزي علي أن ينظم ذلك بقرار أو لائحة تنظيمية يصدرها مصرف ليبيا المركزي ، حتى نضمن الأموال المستثمرة ، وقد يساعد ذلك الشعبيات أو البلديات استثمار الممتلكات و الأموال التي سوف تؤول إليها عن طريق هذه المصاريف الوطنية .

ولمـــاذا ؟

لا تكون هناك مؤسسة مثل المؤسسة الوطنية للنفط تسمى "بالمؤسسة الوطنية للموارد الطبيعية" يكون لها قانون مثل قانون النفط بحيث تكون كافة الموارد الطبيعية ابتداء من التراب وحتى الذهب ملكا عاما مثل النفط مع تحديد مواقع المواد الطبيعية و الذي تعتقد بأنها مجددة وتقسيمها إلي حقول أو مناجم أو مناطق أو حق الامتياز أو أية مسميات أخري يضعها المختصون علي أن تختصر مساهمة الدولة بحق الانتفاع و الإنتاج و تتولي الشركات سواء كانت محلية أو عالمية بمصاريف اكتشاف تلك الموارد و بناء ما يلزم بناءه من المصانع عليهما دون أن يكون هناك أية التزامات مالية علي الدولة .

 ولنبدأ بجبل العوينات الواقع علي الحدود الشرقية حيث أنه ومنذ الإعلان عن اكتشاف الذهب في تلك المنطقة منذ أكثر من خمس سنوات لم نسمع أو نقرأ أي إجراءات اتخذتها اللجنة الشعبية العامة لغرض الاستثمار في هذا المجال ، علما و أن الدولة المجاورة و منذ إعلانها عن هذا الاكتشاف بدأت في الاستثمار فيها .

بدأت في الإنتاج فعلا حيث أحد الشركات العاملة وهي شركة حنش و بمشاركة فرنسية صرحت بأن إنتاجها من الذهب سنويا يبلغ 137 ألف أوقية وهذا المعلن ،  كما أنها سوف تستعمل المنجم فيما بعد قي استخراج المياه لمشاريع إنمائية ، أما شركة السكرى فان مخزون منجمها المعلن هو ثلاثة عشرة مليونا و خمسمائة ألف وقيه ،كما توجد شركات روسية و إماراتية و غيرها تنتظر دورها في الحصول علي حق الامتياز في تلك المناطق .

ولم يكتفي جيراننا بما منحهم الله ، بل أنه و بمشاهدتنا لنشرات الأخبار الجوية نلاحظ بأن حدودها علي الخريطة السياسية وبدلا أن يكون هناك خط قائم انحرف هذا الخط وكون شبه

زاوية داخل حدودنا الطبيعية من الجهة السفلي .

ولمـــاذا ؟

لا نختصر مهام اللجنة الشعبية العامة في مجال الاقتصاد و الإسكان علي التنسيق و التخطيط و الإشراف و التفتيش و الجباية بمساعدة الأجهزة التابعة لها من هيئات و إدارات و مؤسسات و تفتيش و رقابة ، كذلك مشاريع بناء البنية التحتية الكبرى .

واستكشاف و تطوير الموارد الطبيعية و المشاركة في المشاريع الإستراتيجية مع الشركات المحلية و العالمية بالمشاركة بحق الانتفاع و الإنتاج.

كذلك إعداد مشاريع قوانين رادعه و تشديد الرقابة و تغليظ العقوبة علي كل من تسوّل له نفسه المساس بالمصلحة العامة و المال العام .

و أخيرا وليس أخرا يقول تعالي بعد :-

بسم الله الرحمن الرحيم

" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "

صدق الله العظيم

                                                            

 

 

 

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف مقالات إلكترونية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *