الفساد وفاعلية الآليات الإجرائية لمواجهته

الفساد وفاعلية الآليات الإجرائية لمواجهته                 د فائزة الباشا

لا جدال بأن تفشي ظاهرة الفساد فى مجتمع من المجتمعات يقوض حقه فى التنمية ويهدد أمنه واستقراره لما يتسبب به من  تدمير للقيم الأخلاقية التي تكفل له التماسك والقوة اللازمة لمواجهة المتغيرات التي تطرأ بحكم التطور المجتمعي باعتبار الحراك الاجتماعي ظاهرة طبيعية يتسبب الفساد فى فقدانها التوازن الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وكذلك السياسي

……………   ، حيث تسيطر معايير القيم المادية على الحياة الخاصة والعامة على حد سواء ، وتنهار العلاقات الهشة التي قوامها الشخصنة والمصلحية على حساب مصالح مجموع الأفراد ويصبح لكل شئ ثمنا يقاس به  كالكلمة الإعلامية وتصريف الأمور الإدارية والمشاريع الاقتصادية التنموية وحكم القضاء وتنتشر الرذيلة  وتزدهر  ؛ وتنتهك حقوق الأفراد والمجتمع معا فلا نتمكن من الحصول على حقوقنا إلا بالواسطة وبمقدار ما نقدمه من تنازلات ، وفى زمن الفساد تباح المحظورات وتصبح السياسات رهنا بالآنا والذات.

عليه فلا غرابة بأن  ينهي الباري العظيم عن الفساد بمختلف مظاهره وأشكاله ويحث  المسلمين على مواجهته بتحصين النفس والابتعاد عن الرذائل وعن كل ما ينطوي على مفسدة للنفس والمال والعقل ويهدد المخالفين منهم بالعقاب الشديد فى الدنيا والآخرة كقوله تعالي :" أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ".([1])

وبغض النظر عن التقسيمات الوضعية للفساد التي ميزت بين ؛ الفساد إلى الإداري " الصغير " الذي تدمنه مجموعات الموظفين والقطاع الخاص ممن تربطه علاقات عمل مع الدولة ، ويتمحور بالتالي حول ما يقدم من خدمات ، والفساد الكبير  " الأبيض " ؛ الذي يرتبط بعالم المقاولات والأعمال والنفط ويمارسه أصحاب النفوذ والسلطة والمال وغالبا ما تكون الشركات المتعددة الجنسية طرفا فيه وهو فساد تندمج فيه الهيمنة الاقتصادية بالسيطرة السياسية وتقدم  المبادرات التي تحقق مبتغاها بما فى ذلك المشاريع التنموية  والخصخصة وحل ودمج الشركات وإعادة التأسيس وما يقتضيه ذلك من تعديلات تشريعية .

ويتمحور موضوع المداخلة حول الآليات الإجرائية المقررة لمواجهة هذه الظاهرة دون الآليات الموضوعية التي من بينها القوانين العقابية التي لم يغفلها المشرع الليبي فالمتتبع لسياسة التجريم والعقاب الوطنية ؛ يعلم بوجود ما يزيد عن تسع قوانين تجرم سلوكيات مختلفة تندرج تحت وصف جرائم الفساد وأن لم ينص المشرع على هذا الوصف صراحة ، لعدم إمكان حصر الفساد فى طائفة من السلوكيات؛  فالفساد يتحقق فى صورة تقديم الرشوة أو طلبها أو الوعد بها ،  أو استغلال النفوذ أو السلطة …الخ ، والفساد نشاط يمارس من شخص له صفة فى الدولة أو آخر يتداخل معها فى علاقة عمل أي كان نوعها وتتحقق المسئولية الجنائية للأشخاص الاعتبارية أي الشركات والتشاركيات والهيئات والمؤسسات كما هو الحال بالنسبة للأشخاص الطبيعيين . وفيما يتعلق بالآليات الإجرائية فأن تصديق ليبيا على اتفاقية مكافحة الفساد يلزمها بوضع بنود هذه الاتفاقية والاتفاقيات ذات العلاقة موضع التنفيذ ، خاصة فيما يتعلق بالمعايير الدولية ذات الطبيعة الوقائية كتلك الخاصة بضوابط السلوك لرجال السلطة التنفيذية والسلطة القضائية وقواعد سلوك الموظفين العموميين والالتزام بمعايير الشفافية الدنيا للتعاقدات فى القطاع العام و مجال السياسات النقدية والمالية ؛ بما فيها الإجراءات الخاصة بكتابة تقارير المحاسبة وغير ذلك من الآليات الوقائية التي نفتقر إليها ، ويتضح من  تقارير الأجهزة المختلفة المعروضة على المؤتمرات الشعبية الأساسية فى دور انعقادها العادي أين النار 2008م مدى هششتها ، وضآلة الدور الذي قامت به الأجهزة الرقابية الحالية  التي لم تتمكن من الاضطلاع بالدور المنوط بها ، ولم تلتزم بالمعايير النصوص عليها بالاتفاقية المذكورة والتي كانت ستمكنها على الأقل من وضع خطة واضحة إن صدقت النوايا وأخلصنا العمل ، وهو ما يدعونا للتساؤل حول مشروع إنشاء الهيئة الوطنية للمحاسبة والشفافية  الذي أريد له إظهار التزام ليبيا بتنفيذ بنود الاتفاقية التي اشترطت الاستقلال  وفقا لنص  المادة 5 مكرر منها ، وتحسين صورة الجماهيرية بحسب ما جاء فى  الفقرة السادسة من المادة الثانية من المشروع المشار إليه ، وهي فقرة يجب إلغاؤها لان مجرد نجاحنا فى تقديم ما يبذل من جهود وما تم سنه من تشريعات للجهات الدولية المنوط بها متابعة تنفيذ الاتفاقية يعد خطوة إيجابية لمكافحة الفساد وغيره من الظواهر ذات البعد عبر الوطني أو الجرائم الدولية بشكل علمي وموضوعي يمكن الآخرين من التعرف على سياساتنا التشريعات وأيضا التنفيذية وهو ما لا يستلزم تبني  سياسة دفاعية  لاثبات مصداقيتنا ، ونكتفي بالإشارة إلى الاتفاقية صراحة كما ورد بقانون مكافحة غسل الأموال كقرينة وبرهان على الجهود المبذولة من قبل السلطات الليبية  ولن يتحقق الاستقلال بوجود أعضاء من السلطة القضائية ممثلة فى أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل والنائب العام كأعضاء فى مجلس إدارة الهيئة الوطنية للمحاسبة والشفافية ، لأنهم يجب أن يكونوا محلا للفحص والتمحيص من قبل الهيئة ، وكذلك أمين اللجنة الشعبية العامة للمراجعة المالية الذي يخضع لرقابة هذا الجهاز ولا يقبل عضويته فى المجلس  وفقا لما نص عليه فى المادة 4 من المشروع.  

الذي أفتقر للشفافية أيضا لانه ترك تفصيل الأحكام للوائح التي ستعدها  الهيئة وهو ما سيؤدى إلي الانتقاص من فاعلية هذه الهيئة بحسب ما تعلمنا من التجارب المشابهة  ، كلجان التطهير التي أريد لها مكافحة الفساد ففشلت فى مساعها، ورغم سلامة الاستعانة بالخبراء والمختصين لمساعدة الهيئة على تحقيق مهامها ليكونوا مجموعة تفكير ، ولكن ما يحدث أن هذه المجموعة ستتعين بمجموعة تفكير مصغرة ولاتقدم أعمالها باسم هذه الأخيرة وتتزايد الأعباء على الهيئة  ، وللأسف ان بعض الخبراء يحتاجون أيضا لضبط مفهوم الشفافية لديهم ، ولعل البعض قد يقترح الاستعانة بخبراء من الخارج كأسلوب شائع فى الوقت الراهن ، دون العمل على  رفع كفاءة شبابنا واحترام مبادراتهم ،  لذلك فأن  تكوين اللجان النوعية المتخصصة وفقا لنص المادة 9 من المشروع كافيا بحد ذاته لاستيعاب الخبراء متعاونين أو القارين بالهيئة بما يحفظ حقوق الجميع .

 ومن المفارقات أن الهيئة الوطنية للمحاسبة والشفافية تريد أن تحصن نفسها من المسئولية بالحصانة القانونية فى كل ما يتصل بتأديتهم لواجباتهم ،وأن لا تتخذ الإجراءات  إلا بناء على أذن من مدير الهيئة ، ولم يكتف بالأذن الذي يصدر عن   المدير بالخصوص بل وبعد التشاور معها ، مع من ؟ لم يحدد نص المادة 12 . وهو ما يتناقض مع معايير الشفافية المراد تحقيقها من إنشاء هيئة للشفافية تكشف الفساد وتقدم المخالفين  للمحاكمة أو على الأقل يتم تنحيتهم ومصادرة المال الذي تم الاستحواذ عليه دون وجه حق .

ولكن هيهات أن نكافح الفساد بآليات تورط المسئولين ممن يجب إبعادهم عن الاضطلاع بمهام فى مثل هذه التنظيمات كي يتمكنوا من القيام بدور إشرافي من جهة ، وليكونوا أيضا محلا للمساءلة من جهة أخرى ، لأن الجميع يجب أن يخضع للقانون تحقيقا لمبادئ العدالة .

 



[1] ورد مصطلح الفساد بحدود خمسين مرة فى القرآن الكريم وفى جميع الاستخدامات قرن بالأرض أو تم الإشارة إليها ، فيما عدا إحدى عشر مرة استخدم لوصف عمل المفسدين وعاقبتهم

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف مقالات إلكترونية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *