اتفق المشاركون في أشغال الاجتماع الثاني لـ«المنتدى العربي لاسترداد الأموال»، الذي تحتضنه مدينة مراكش، على مدى ثلاثة أيام، على أن عملية استرداد الأموال المنهوبة تبقى مسألة «معقدة وطويلة الأمد»، وشددوا على أن القضية تبقى «مسألة إجراءات تقنية وقانونية وليست مسألة إرادات سياسية».
وقال عبد الله باها، وزير الدولة المغربي، الذي كان يتحدث أمس، في الجلسة الافتتاحية للمنتدى، الذي عرف حضور ثلاثة وزراء مغاربة آخرين، هم محمد الوفا، وزير الشؤون العامة والحكامة، ومصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، ومحمد مبديع، الوزير المنتدب المكلف بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، إن «هناك مجموعة من التحديات والعوائق التي تواجه طموح استرداد الأموال المنهوبة، منها ما هو قانوني ومنها ما هو واقعي، مما يجعل إيجاد الحلول السريعة أمرا معقدا رغم قوة الإرادة السياسية لدى مختلف الأطراف، غير أن هذه الصعوبات والعراقيل لا يجب أن تثنينا عن تحقيق النتيجة التي نصبو إليها جميعا، خصوصا في ظل التعبئة والإجماع الدوليين حول محاربة الفساد والجريمة بمشاركة كثيفة لمكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة المخدرات والجريمة والبنك الدولي عبر مبادرة (ستار) وشراكة (دوفيل) من خلال برنامج عمل استعادة الأموال».
من جهته، دعا ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، في كلمة مصورة، إلى اعتماد الشفافية وإعمال القانون، مشددا على أن «استرداد الأموال المنهوبة لا يخلو من تحديات، غير أنها تحديات تستحق أن نواجهها»، مشددا على أن «الرسالة تبقى في ألا يعتقد أحد كان أن بإمكانه التجرؤ مستقبلا على نهب أموال الشعوب».
وسجل دومينيك جريف، النائب العام البريطاني «وجود تقدم في قضية استرداد الأموال»، مشددا على أن «الطريق ما زال طويلا»، ومؤكدا أن «الأنظمة السابقة نهبت كثيرا من الأموال»، وأن «بعض هذه الأموال سحب أثناء سقوط تلك الأنظمة»، مشيرا إلى أن «مؤسسات كثيرة استقبلت تلك الأموال من دون أن تفكر في مصدرها». ولم يخف جريف وجود نوع من الإحباط بشأن عملية استرداد الأموال المنهوبة، مبرزا أن أهم طريقة لتجاوز ذلك تبقى في تعاون مختلف الأطراف.
وقال جيرار بيام، مدير الاستراتيجيات والعمليات بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي «دورنا يبقى هو بناء القدرات وخلق حوار حول القضايا التي تعوق استرداد الأموال المنهوبة»، مشددا على أربع ملاحظات في الموضوع، أولها أن التجربة بينت أنه يمكن استرداد الأموال المنهوبة، وثانيا، أن هناك حاجة لتركيز الجهود بين الدولة التي تطلب استرداد الأموال المنهوبة والدول التي يطلب منها ذلك، وثالثا، أن استرداد الأموال يتطلب تجميع معلومات وحجج، ورابعا، أن استرداد الأموال يتطلب التوفر على قدرات مالية لمتابعة القضية.
وانتقد علي بن فطيس المري، النائب العام بدولة قطر مسطرة استرداد الأموال العربية المنهوبة، مؤكدا أن تناولها يبدو أشبه بـ«الجعجعة من دون طحين»، مميزا بين القرار الاقتصادي والقرار السياسي في التعاطي مع القضية، وموضحا أن التعاطي السياسي تبقى غايته «التجميل» و«إبراز حسن النية».
وجوابا على سؤال لـ«الشرق الأوسط»، خلال مؤتمر صحافي تناول وضع الأموال المنهوبة خلال المدة الطويلة التي تفصل بين طلب التقدم لاستردادها وتاريخ البت فيها، قال جريف، النائب العام البريطاني إن «رفع قضية أمام المحاكم يؤدي حتما إلى تجميد الأموال المنهوبة».
وبخصوص حجم هذه الأموال، قال جيرار بيام، مدير الاستراتيجيات والعمليات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي، إن «المسألة تبقى في حدود التخمين، وأنه ليس هناك تقدير علمي للمبالغ المنهوبة».
ويعرف المنتدى العربي لاسترداد الأموال، في دورته الثانية، مشاركة نحو 400 مشارك، من 40 دولة، بينهم وزراء ومسؤولون حكوميون، ومشرفون عن تنفيذ سياسات وبرامج محاربة الفساد على المستوى الإداري والقضائي والمالي. ويهدف المنتدى إلى تقييم التقدم الذي جرى إحرازه في مجال استرداد الأموال المنهوبة من قبل الدول العربية التي تمر بمرحلة انتقالية، وتحديد الأهداف المستقبلية لجهود استرداد هذه الأموال.
وينظم المنتدى العربي في إطار شراكة (دوفيل)، التي تقودها المملكة المتحدة، باعتبارها الرئيسة الدورية لمجموعة الدول الثماني، وتهدف إلى دراسة الوسائل الفعالة والممكنة لاسترداد الأموال على مستوى الآليات القانونية والقضائية والمالية، كما تتوخى دعم الالتزام السياسي لجميع شركاء المنتدى العربي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لسن سياسات ناجعة في مجال استرداد الأموال المنهوبة.
ويعمل المنتدى العربي لاسترداد الأموال المنهوبة، الذي عقد اجتماعه الأول في الدوحة سنة 2012، على تحديد احتياجات الدول التي تسعى لاستعادة أموالها المنهوبة، كما يوفر منبرا للتدريب الإقليمي ومناقشة أفضل الممارسات، وزيادة الوعي محليا ودوليا بشأن التدابير الأكثر فعالية لاستعادة الأموال.
وأنشئ المنتدى عام 2012، كمبادرة مستقلة لدعم جهود الدول العربية التي تمر بمرحلة انتقالية في استرداد أموالها المنهوبة. ويعد منبرا يجمع بين دول مجموعة الثماني، وشراكة (دوفيل)، فضلا عن دول في العالم العربي من أجل التعاون لإعادة الأموال المنهوبة.
وجرى إطلاق شراكة (دوفيل) من قبل مجموعة الثماني خلال اجتماع القادة في مدينة دوف بل الفرنسية، في مايو (أيار) 2011، لدعم الدول في العالم العربي، التي تمر بتحول نحو «مجتمعات حرة، وديمقراطية، ومتسامحة». وتتمثل خطة العمل بشأن استرداد الأموال المنهوبة، في تبني مجموعة الثماني الخطة ضمن الإطار العام لشراكة (دوفيل). والتزمت الدول الأعضاء بشراكة (دوفيل)، وفقا لهذه الخطة، بقائمة شاملة من الإجراءات الرامية إلى تعزيز التعاون وجهود بناء القدرات والدعم الفني من أجل دعم الدول العربية التي تمر بمرحلة انتقالية لاسترداد أموال جرى تهريبها من قبل أنظمة سابقة.
ويستند عمل مبادرة استرداد الأموال المنهوبة المعروفة اختصارا بـ«ستار»، التي أنشئت عام 2007، بشراكة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة، إلى الفصل الخامس من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تحدد الهدف والتدابير والترتيبات لاسترداد الأموال المنهوبة. وللمرة الأولى، ترسي هذه الاتفاقية، التي صدقت عليها أكثر من 160 دولة، المبدأ الأساسي الخاص بإعادة الأموال المنهوبة. وتعمل مبادرة «ستار» مع الدول النامية وكذا المراكز المالية لتعزيز جهود استرداد الأموال من خلال تحسين الإطار القانوني لاستردادها، وتوفير التدريب والتوجيه والمساعدة العملية.
وتذهب التقديرات المتحفظة إلى أن نحو 20 إلى 40 مليار دولار تسرق من الدول النامية كل عام. وتتجاوز تكلفة هذه السرقة قيمة الأموال بكثير، على اعتبار أن الفساد يقوض الثقة في المؤسسات الحكومية والشركات المالية كما يعوق تقديم الخدمات الأساسية ويضر بالمنافسة ويثبط الاستثمارات الخاصة، ومن ثم يضعف النمو الاقتصادي وجهود مكافحة الفقر.

مراكش: عبد الكبير الميناوي | الشرق الأوسط –