بين فلسفة القانون وعلم العقاب

بقلم إبراهيم عيسى:

معظمنا يعرف ما هو القانون، وأحيانا يسمع أو يردد نص المادة كذا أو كيت من قانون العقوبات، لكن قليلين هم الذين يسمعون عن شىء اسمه "فلسفة القانون"، أو علم اسمه "علم العقاب".

يقصد بفلسفة القانون عموما البحث في الموضوعات الأشد عمومية فى مجال القانون، مثل أساس الإلزام في القانون، والمعنى الأعمق لأن يكون هناك قانون أصلا، وماهية العدل والعدالة، وهل هى ممكنة إطلاقا أو نسبيا، وعلاقة أن يكون هناك قانون، بأن تكون هناك دولة ومجتمع..إلخ

أما علم العقاب فهو العلم الذى يتناول تعريف ما هو العقاب، أكثر من تناوله تفاصيل العقوبات، وهو يدرس تطور الأنظمة العقابية وتنويعاتها، وهل هى وسيلة للانتقام من المنحرف والتنكيل به، أم أنها تهذيب وإصلاح، وهل ينبغى اجتثاث المجرم من المجتمع، أم إعادة تأهيله ليعود أصلح وأنفع لمجتمعه ونفسه، وكيف؟ وما هو الهدف من العقاب،...إلخ

أول ما سمعت عن فلسفة القانون كنت فى باريس 1968- 1969، تعرفت على المرحوم أ.د. محمد الشقنقيرى وكانت رسالته فى "فلسفة القانون"، ولأنى أحب "فعل الفلسفة" وأعتبره أساس المعرفة مواكبا "لفضيلة الدهشة"، رحت أسأله كيف يكون للقانون فلسفة؟ ولماذا؟ وكان المشرف على الرسالة هو أ.د. فيليه (على ما أذكر) وكان د. الشقنقيرى شديد الإعجاب به ودائم الحديث عنه، وأثناء حضورى مناقشة الرسالة فى السربون، ونظرا لفرنسيتى الضعيفة، اكتفيت بتأمل وجوه الحاضرين وهم يستمعون بجدية وشغف، ويطالعنى وجه الأستاذ "فيليه" عارفا مفكرا عميقا مندهشا، فأتكد أن للقانون فلسفة.

أما علاقتى بعلم العقاب فبدأت أثناء تشريفى بالتدريس والتدريب لعدة سنوات فى المركز القومى للدراسات القضائية، ومن خلال مناقشاتى مع المرحوم أ.د. محمد حسنى عبد اللطيف، أ.د. فوزية عبد الستار، والمستشار صاحب الفضل فى دعوتى سمير ناجى، ونخبة من المستشارين الثقاة، تعلمت الكثير: مثل مبدأ الشرعية وأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، والفرق بين موانع العقاب وموانع المسئولية وأسباب الإباحة، وأن وظيفة العقاب (فى علم العقاب) لا تتوقف عند "الردع الخاص" (عقاب المجرم لينتهى)، ولكنها تمتد إلى "الردع العام"، ومن هنا يأتى تقديس مبدأ العلانية، ولهذا لا يكفى أن تقيم العدل، وإنما ينبغى "أن يشهدك الناس" وأنت تقيمه حتى يرتدعوا.

وبما أن فعل الفلسفة هو دعوة للتساؤل المسئول أساسا دون إلحاح فى طلب إجابة عاجلة، وهو تنمية للعقل النقدى، فقد رحت أطرح على أساتذتى المستشارين تساؤلاتى ونقدى مستغلا رحابة صدورهم: فأزعم أن "الجهل بالقانون قد يعفى من العقوبة"، وأرفض مبدأ أن "المساواة فى الظلم عدل"، وأنبه أن القتل أثناء السرْنَمَة (السير نوما) هو فعل مسئول عادة برغم تغير الوعى، كما أن القتل فى حالة السكر البين لا يفتقد إلى توفر القصد الخاص بصفة دائمة، وأن الوسواس القهرى قد يعفى من العقوبة لتمام شلل الإرادة برغم حدة البصيرة .... إلخ،

لعل طبعى هذا يفسر أسئلتى حول هذا الحكم الأخير، أنا لا أملك حق التعليق على حكم القضاء، ولا حتى بالمديح، لكن من حقى مناقشة وظيفة أى حكم من أحكام القضاء لخدمة المجتمع (تنظيما وردعا وتوجيها وتطويرا)، وحين لا يؤدى أى حكم وظيفته الإيجابية برغم مشروعيته، من حقى أيضا – كمواطن عادى- أن أراجع النص الذى أتاح لمبدأ الشرعية أن يظلم الناس، وأن أطعن فى دستوريته، وأن أسعى إلى السطلة التشريعية عن طريق مَن انتخبتُ لأغيـّر هذا النص (لا يا شيخ!).

كلٌّ من فلسفة القانون، وعلم العقاب، جعلانى أقف أمام هذا الحكم :" 60 يوم فى السجن"، وأنا أبتسم، وأرفض حسما استحضار اسم مسرحية الريحانى "30 يوم فى السجن"، أبتسم وأتساءل عما يصل إلى المتهم والناس من هذا الحكم:

1- هل سيرتدع إبراهيم (الردع الخاص) فيمتنع عن الاقتراب من سيرة صحة أو مرض أو مزاج أى مسئول حفظهم الله؟

2- هل سينتبه المسئولون أكثر للحفاظ على صحتهم، وأخبارها، بحيث تكون سرا لا يطلع عليه إلا الأطباء الخصوصيون، وبعض الأقارب من الدرجة الأولى، تأكيدا لأن الحكم السليم للشخص السليم؟

3- هل سيمتنع سائر الصحفيين (الردع العام) عن الخوض فى شئون صحة الناس المهمين إلا بشهادة رسمية جدا؟

4- هل سيُستدرج إبراهم عيسى إلى مزيد من نشر صوَرِهِ تحملها الجماهير!!! فى الصفحة الأولى لصحيفة يرأس تحريرها، فينخدع كما انخدع الذين من قبله، إذْ يستدرجه "لا شعوره" إلى لعبة الغرور والتمادى، فنخسره ويخسر نفسه؟؟

حكم المحكمة على العين والرأس، ولكن دعونا نتذكر أن حكم التاريخ لنا بالمرصاد،

وأن للقانون فلسفة، وأن للعقاب وظيفة.