صحة المراهقين
روبرت بلوم


إن للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السريعة التغير حول العالم تأثيرا كبيرا على كيفية نمو صغار السن والإعداد لسن البلوغ. ويبحث خبير طبي الأسباب الرئيسية للوفيات بين شباب العالم ويعرّف العوامل الرئيسية التي تساهم في خفض مخاطرهم الصحية.

لقد حدثت خلال العشرين السنة الأخيرة تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية مثيرة أحدثت تغييرا في المشهد العام لحياة المراهقين في جميع أنحاء العالم. وقبل جيل مضى، لم يكن مرض الإيدز معروفا، ولكن ما يتراوح الآن بين ربع وثلث الإناث المراهقات في بوتسوانا وجنوب إفريقيا وزامبيا يعانين من الإصابة بمرض الإيدز، ويلقي خطر هذا المرض بظلاله على صغار السن الآخذين في النضوج في كل مكان.

وقبل جيل مضى، هيمنت الأمراض المعدية كالمصادر الرئيسية للأمراض والوفيات على نطاق العالم. إلا أن العوامل الاجتماعية والسلوكية والبيئية (كالنظام الغذائي والتدخين) هي المهيمنة في هذه الأيام.

وقبل جيل مضى، كان سن الزواج أقل بكثير مما هو في هذه الأيام، وكان عدد أكبر من الناس يعيشون في المجتمعات الريفية، وكان عدد أقل من الناس يذهبون إلى المدارس. وازداد عدد المسجلين في المدارس بشكل مثير خلال جيل واحد في معظم دول العالم النامي. وأصبح التعليم متساويا بشكل متزايد بين الشابات والشبان في كثير من الدول.

كما أن حجم الأسرة آخذ في التقلص، ولأول مرة في التاريخ أصبح بمقدور شابات كثيرات أن يسيطرن على مستقبلهن التناسلي. ومع تحول الأنظمة الاقتصادية من قاعدة زراعية ورعوية إلى قاعدة خدمية وصناعية، أصبح التعليم والعمالة مترابطين أكثر من أي وقت مضى.

وهذه ليست سوى بعض التغيرات الانتقالية التي يستمر أثرها العميق على صحة ورفاه صغار السن. وهذا هو العالم الذي يعيش فيه المراهقون في هذه الأيام.

السكان والاتجاهات الاجتماعية

الطلاب ضد العنف في كل مكان

صغار السن في ولاية نورث كارولينا يبدأون حركة قومية لإحياء ذكرى صديق. ذهب طالب في المدرسة الثانوية يدعى أليكس أورانج إلى حفلة في مساء يوم جمعة في العام 1989. وحاول أن يتدخل لإنهاء مشاجرة في الحفلة، مما أدى إلى فقد حياته. إلا أن زملاء دراسته في مدرسة تشارلوت الثانوية في مدينة تشارلوت بولاية نورث كارولينا، لم يريدوا أن تذهب حياة أليكس هدراً وأن تتحول إلى رقم في الإحصائيات. فقد خلدوا ذكراه بتأسيس منظمة الطلاب ضد العنف في كل مكان (SAVE) لإيجاد بيئة مدرسية آمنة خالية من الخوف ومشجعة على التعليم لجميع الطلاب.

ومنذ ذلك الوقت أصبحت مؤسسة (SAVE) منظمة قومية غير ربحية لها 1,500 فرع في سائر أنحاء الولايات المتحدة وينتمي إليها أكثر من 167,000 عضو. وانتشرت فروع مؤسسة (SAVE) في المدارس الابتدائية والمدارس الإعدادية والمدارس الثانوية والكليات ومنظمات المجتمع في 44 ولاية وفي أربع دول أخرى هي كندا وكرواتيا ونيجيريا وترينيداد.

وقد أقام مؤسسة (SAVE) الطلاب لخدمة الطلاب ومهمتها هي الحد من أعمال العنف عن طريق إشراك الطلاب في برامج السلامة، وتثقيف الطلاب في ما يتعلق بعواقب العنف، وتوفير الفرص لخدمة المجتمع والإرشاد وتعليم مهارات حل النزاعات. وقد يكون المشرفون الذين يعملون مع كل فرع من المعلمين أو الآباء أو المرشدين في المدارس أو غيرهم من الكبار المهتمين من المجتمع.

للحصول على مزيد من المعلومات أدخل على الموقع الإلكتروني للمؤسسة القومية للطلاب ضد العنف في كل مكان وهو http://www.nationalsave.org.

يشكل صغار السن بين سن 10 إلى 19 سنة 20 بالمئة من سكان العالم في هذه الأيام. ويعيش أكثر من 85 بالمئة من هؤلاء الصغار في الدول النامية. وستحدث بين الوقت الحاضر والعام 2025 زيادة تبلغ نحو 150 مليونا من صغار السن بين سن 10 و24 سنة في العالم، وسوف يحدث معظم هذا النمو السكاني في الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء.

ويبلغ متوسط العمر في دول إفريقية كثيرة تقع جنوب الصحراء بين 28 و41 سنة. وقد بلغ متوسط العمر في أوروبا في العام 2000 ضعف ما هو في إفريقيا. وفي الحقيقة أن دول العالم العشر التي تعتبر أكثر دول العالم شبابا لناحية سكانها تقع في إفريقيا جنوب الصحراء.

وجيل هذه الأيام آخذ في الانتقال من الريف إلى المدينة ومن دولة إلى أخرى. وتقدر الأمم المتحدة أن معظم النمو السكاني خلال الثلاثين سنة القادمة سيحدث في المناطق الحضرية، حيث يذهب صغار السن للبحث عن العمل.

وتشكل العولمة قوة رئيسية أخرى تؤثر في حياة صغار السن حول العالم. وفيما تنتقل الوظائف من الدول الصناعية إلى الدول الأقل نموا، فإن صغار السن هم في العادة أكثر المستفيدين من فرص العمل الجديدة. وفي حين أن ذلك أحدث نموا في الدخل في معظم مناطق العالم فإن ذلك لا ينطبق على معظم الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء.

الوفيات والمرض

ما هي الأسباب الرئيسية للوفيات والأمراض بين الشباب من سن 15 إلى 29 سنة؟

تشتمل الأسباب الرئيسية الخمسة للوفيات بين صغار السن في جميع مناطق العالم (حسب الترتيبات المختلفة، طبقا للمنطقة) على الإصابات غير المقصودة، ومرض الإيدز والأمراض المعدية الأخرى، والقتل، والحرب والإصابات المقصودة الأخرى، والانتحار والإصابات المنزلة بالنفس ذاتيا.

وتمثل إصابات الحوادث، وبخاصة حوادث السيارات، الأسباب الرئيسية للوفيات بين صغار السن في معظم مناطق العالم. إلا أن عددا مماثلا تقريبا من صغار السن يموتون في أميركا الجنوبية نتيجة الإصابات المقصودة (كالانتحار) كما يموتون نتيجة الحوادث. أما في إفريقيا فإن السبب الرئيسي لوفيات صغار السن هو مرض الإيدز، تليه الأمراض المعدية الأخرى.

وتعد وفيات الولادة سببا رئيسيا للوفاة بين الإناث المراهقات في أجزاء كبيرة من العالم النامي، وتنتج هذه الوفيات عن مضاعفات الحمل والإجهاض غير الآمن الذي يتم بصورة غير قانونية وسرية (يقدر بأربعين بالمئة من وفيات الولادة).

وبالإضافة إلى وفيات الولادة، تمثل الأوضاع الصحية التناسلية سببا رئيسيا للأمراض بين الشباب حول العالم. وتقدر منظمة الصحة العالمية، على وجه الخصوص، "أن المشاكل الصحية التناسلية والجنسية تمثل 63 بالمئة من مجموع السنوات المفقودة من الحياة المحتملة في الدول التي تعاني من نسب عالية في الوفيات بسبب العجز، ويعزى 37 بالمئة منها إلى فيروس نقص المناعة".

وما زالت ممارسة الختان للإناث واسعة الانتشار في معظم الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء (وما زالت ممارسة شبه شاملة في دول مثل مصر والصومال)، وفي حين أن بعض الدلائل تشير إلى حدوث انخفاض في هذا الإجراء في بعض الدول، فإن هذه الممارسة تنطوي على مخاطر عالية جدا للإصابة بالالتهابات والعقم والعجز الجنسي الدائم.

ومن القضايا الأخرى التي حظيت بمزيد من الاهتمام الانتشار الواسع للاعتداءات الجنسية على الذكور والإناث من صغار السن في الدول الصناعية والنامية حول العالم. كما أن الاتجار بالبشر والدعارة حظيا باهتمام كبير من قبل وسائل الإعلام وواضعي السياسة. وقد أظهرت دراسات أجريت في إفريقيا وآسيا ومنطقة البحر الكاريبي انتشار الاعتداء الجنسي بنسب تتراوح بين 19 و48 بالمئة بين الشابات و5 إلى 32 بالمئة بين الذكور المراهقين. وأصبح التعرض للاعتداءات الجنسية قضية رئيسية تهدد صحة صغار السن.

وقد بذلت جهود كبيرة خلال العقد الماضي للحد من التدخين بين المراهقين في معظم الدول الصناعية. وردّت شركات السجائر على ذلك بتحويل حملات التسويق النشطة لمنتجاتها نحو الدول الأقل نموا، حيث ظهرت زيادة ملحوظة في تدخين السجائر. وهناك تباين كبير في انتشار التدخين بين مناطق العالم وفي دول كل منطقة، إلا أن الاتجاهات العامة مثيرة للقلق. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن عشرة ملايين وفاة في السنة تنتج عن تدخين السجائر، وتتنبأ بأن هذا العدد سيزداد إلى ثلاثة أو أربعة أمثاله خلال الثلاثين سنة القادمة.

ما هي العوامل التي تحد من الأضرار؟ يحدد كم هائل من الأبحاث حول العالم العوامل الرئيسية المرتبطة بالدور المنخفض لصغار السن في طائفة واسعة من النتائج الصحية والاجتماعية السلبية. ويلخص ريك ليتيل مؤسس مؤسسة الشباب العالمية في بلتيمور بولاية ماريلاند هذه العناصر الهامة بأربع نقاط:

الثقة في المجالات التي تحسن نوعية حياة صغار السن، كالتعليم والعمالة والمهارات عبر الشخصية والمهنية والأكاديمية التي تسمح للأفراد بالإسهام في مجتمعاتهم.

ارتباط الشباب بأشخاص في المجتمع يوفرون فرص الإرشاد والتعليم الخصوصي والقيادة وخدمات المجتمع.

الأخلاق الحميدة المقترنة بالقيم كالمسؤولية الفردية والأمانة وخدمة المجتمع واتخاذ القرارات المسؤولة والنزاهة والعلاقات التي تعطي معنى وتوجيها لصغار السن.

خبرات بناء الثقة التي تمنح الشباب الأمل وتقدير الذات عن طريق النجاح في تحديد وتحقيق الأهداف.

ويتضح من الأبحاث أن التركيز على الحد من المخاطر وحده ليس كافيا للحد من المخاطر وأن معظم مثل هذه الاستراتيجيات أثبتت عدم فعاليتها. بل إن التدخلات الناجحة تعتمد على نقاط القوة والثقة عند صغار السن، مما يؤدي إلى إيجاد أدوار ذات مغزى وفرص للمساهمة.

وتربط التدخلات الفعالة صغار السن بنماذج أدوار إيجابية للكبار. وهي تخلق أماكن آمنة لصغار السن للاجتماع وللتسلية وإقامة روابط الصداقة والتواصل مع الكبار. وتوفر البرامج الفعالة الفرص لصغار السن لمساعدة الآخرين. ويتضح أن وجود شخص كبير مهتم وفرص للإسهام ونشاطات مدرسية ومجتمعية ومكان آمن لصغار السن تشكل جميعها جزءا من صيغة أساسية لتحسين النتائج الصحية والاجتماعية.

إن سن الشباب وقت للفرص ولكنه أيضا وقت محفوف بالمخاطر. والمخاطر بالنسبة لنا هي أننا إذا فشلنا في دعم الشريحة المتنامية السرعة لصغار السن حول العالم، فسوف نتحمل مسؤولية العواقب المترتبة على ذلك. وأمامنا خيار، ولكنه ليس خيارا بين التحرك والجمود. وإنما هو خيار بين ما إذا كنا ندير سيارة إسعاف عند قاع صخرة مرتفعة لالتقاط صغار السن الذين يتساقطون أو تسلق الصخرة وبناء سياج حولها.




الدكتور روبرت بلوم هو أستاذ كرسي وليام هـ. غيتس في قسم علوم السكان وصحة الأسرة في كلية بلومبيرغ للصحة العامة بجامعة جونز هوبكنز في مدينة بلتمور بولاية ماريلاند. وكان الدكتور بلوم باحثا مشاركا في الدراسة الطولية القومية حول صحة المراهقين، التي تضمنت أكبر دراسة مسحية أجريت للشباب الأميركيين حتى الآن. وتشتمل اهتماماته البحثية على الخصائص الجنسية للمراهقين والأمراض المزمنة وقضايا الرعاية الصحية الدولية للمراهقين.