ومن القصص التي تنقل لنا مشاهد عن التخطيط للجريمة ومسرح الجريمة والتحقيق والأدلة والشهادة والاعتراف وما إلى ذلك ما جاء في القرآن الكريم عن قصة يوسف (عليه السلام) لقوله تعالى
( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ )
القصص تعنى التتابع في سرد الأحداث الواحدة تلو الأخرى مثل قصاصي الأثر أي قص الأثر (تتبع الأثر حتى النهاية) وذلك لأنها احتوت على جميع فنون القصة وعناصرها من التشويق وتصوير الأحداث والترابط المنطقي كما يقول علماء القصص فعلى سبيل المثال نجد أن القصة قد بدأت بحلم أو رؤيا رآها يوسف (عليه السلام) وانتهت بتحقيق وتفسير ذلك الحلم، ونرى أن قميص يوسف الذي استخدم كدليل لبراءة أخوته كان هو نفسه الدليل على خيانتهم وهذا القميص استخدم بعد ذلك كدليل لبراءة يوسف نفسه من تهمة التعدي على امرأة العزيز ومن ثم استخدم كشفاء لعيون والده يعقوب (عليه السلام) كل هذا يبين روعة هذه القصة ومعانيها وأحداثها أمام القارئ وكأنه يراها بالصوت والصورة …وأن هذه القصة تتضمن بيان قواعد ومبادئ قانونية راقية يعتمدها المحققون في كل زمان ومكان من أجل كشف الجناة، ولكي نتعرف على روعة معاني القران الكريم وشموله لكل نواحي الحياة التي يعيشها الإنسان يتبين ذلك من خلال النقاط التالية :-
أولا : بقع الدم الموجودة في مسرح الجريمة تعتبر دليلا مهما في كشف الجرائم ومرتكبيها كما في الاية (17) سورة يوسف لقوله تعالى :-
(وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)
ثانيـاً : يعتبر الشهود من أهم الأدلة في كشف الجناة في ارتكاب الجريمة، وقد تم تبرئة يوسف (عليه السلام) من جريمة الاعتداء على امرأة العزيز عن طريق الشاهد الذي كان موجودا في مسرح الجريمة كما في الآية (26) سورة يوسف. لقوله تعالى :-
قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ
ثالثـاً : الاعتراف يعتبر سيد الأدلة في كشف الجناة والمجرمين في الجرائم الجنائية، ويتبين ذلك بوضوح من خلال الايتين الكريمتين(51-52)التي نصت على اعتراف (نسوة المدينة – وامرأة العزيز) في قوله تعالى:-
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
والآيتين (91-97) التي تشمل اعتراف (أخوة يوسف) في قوله تعالى:
(قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) (قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ)
أي أن ( نسوة المدينة – وزليخا امرأة العزيز – وأخوة يوسف ) اعترفوا ببراءة يوسف عليه السلام وارتكابهم جرائم بحقه.
رابعا : مكان وقوع الجريمة يعتبر مبدأ مهما في كشف الجريمة والجناة كما في الآية(15) التي تتضمن مكان ارتكاب جريمة الشروع بقتل يوسف خارج البيت لقوله تعالى:-
(فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)
والآية (23) التي تبين الشروع في استدراجه لارتكاب الجريمة داخل بيت امرأة العزيز أي في منزل الزوجية لقوله تعالى:-
)وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(
لأن مكان ارتكاب الجريمة وصفة المرتكب لها أهمية في تشديد أو تخفيف العقوبة في القانون الجنائي.
خامسا : كشف الكذب والذى يعتبر طريقة لكشف المجرم في ارتكاب الجريمة:-
• كذب (أخوة يوسف )على أبيهم بشأن أكل يوسف من قبل الذئب الآية (18)
(وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ).
• كذب ( امرأة العزيز) بشأن محاولة اعتداء يوسف عليها.كما في الآية (25)
(وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
سادسا : الأدوات التي استعملت في ارتكاب الجريمة كما في الآيات (18-25-72) والتي تشير إلى أن أخوة يوسف فعلوا الآتي:
• استعملوا قميصه الملطخ بدم كذب لكي يقنعوا أباهم بقتل يوسف (عليه السلام)، آية (18)
(وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)
تمزيق قميص يوسف في جريمة الاعتداء عليه من قبل امرأة العزيز، أية (25)
(وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
• صواع الملك في قضية السرقة ، أية(72)
(قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ)
سابعاً : بصمة العرق لكل إنسان بصمة رائحة مميزة والتي ينفرد بها وحده دون سائر البشر أجمعين والآية تدل على ذلك في قوله تعالى على لسان يعقوب (عليه السلام) الآية (94)

(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ)
إننا نجد في هذه الآية تأكيدًا لبصمة رائحة يوسف (عليه السلام) التي تميِّزه عن كل البشر، وقد استغلت هذه الصفة المميزة في العلم الجنائي الحديث لتتبع اثر الأشخاص من خلال تدريب كلاب الأثر لمعرفة الجناة عن طريق رائحة العرق أو ما نسميه اليوم ببصمة العرق .

ومن خلال ما تقدم تتبين لنا براعة وإعجاز القرآن الكريم كما أن القرآن الكريم يحتوي على مبادئ قانونية أخرى رائعة مثل(بصمة الأصابع) ودورها في كشف الجرائم بمختلف أنواعها كما في سورة القيامة في قوله تعالى (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ) ان لكل إنسان بصمة تختلف عن بصمة سائر البشر عامة، حيث اكتشف سر هذه البصمة في القرن التاسع عشر، وتبيّن أن البصمة تتكون من خطوط بارزة في بشرة الجلد تجاورها منخفضات، وتعلو الخطوط البارزة فتحات المسام العرقية، تتمادى هذه الخطوط وتتلوَّى وتتفرَّع عنها فروع لتأخذ في النهاية شكلاً مميزًا، وقد ثبت أنه لا يمكن للبصمة أن تتطابق وتتماثل في شخصين في العالم حتى في التوائم المتماثلة التي أصلها من بويضة واحدة، ويتمّ تكوين (البنان) في الجنين في الشهر الرابع، وتظل البصمة ثابتة ومميزة له طيلة حياته، ويمكن أن تتقارب بصمتان في الشكل تقاربًا ملحوظا ولكنهما لا تتطابقان أبدًا؛ ولذلك فإن البصمة تعد دليلاً قاطعًا ومميزًا لشخصية الإنسان ومعمولاً بها في كل بلاد العالم ويعتمد عليها القائمون على التحقيق في القضايا الجنائية لكشف المجرمين واللصوص، وقد يكون هذا هو السر الذي خص الله تبارك وتعالى به البنان، وفي ذلك يقول العلماء: "لقد ذكر الله البنان ليرينا عظيم قدرته (سبحانه) حيث أودع سرًّا عجيبًا في أطراف الأصابع وهو ما نسميه لغة واصطلاحا بالبصمة ، هذا ولم يترك القران الكريم شاردة أو واردة إلا وذكرها في محكم تنزيله .

من كتابي / مسرح الجريمة (اسراره و خفاياه)