ما بين النموذجين التركي والإيراني

في بحثنا عن النظام السياسي المناسب، وبعد سقوط أنظمة سياسية استحوذت على الحكم لعقود عديدة، وبعد تمكن الأحزاب ذوات التوجهات الإسلامية من الفوز بنسب كبيرة في المجالس التشريعية ووصولها إلى دفة القيادة في أكثر من بلد عربي، لا نستطيع إلا أن نقارن بين النموذج الإسلامي التركي في الحكم وبين النموذج الإيراني كمنتهى لهذه التغيرات. وعندما نصاب بغم أو هم من مواقف بعض الأحزاب الإسلامية، يدفعنا ذلك إلى التذمر من أن هذه الأحزاب ستبدأ بنموذج إسلامي تركي، وستنتهي بالاستحواذ على السلطة على شاكلة النظام الإيراني. فسلوكيات النظام الإيراني إن كان ذلك تجاه شعبه أو نحو دول الجوار تسبب التوجس من مستقبل على شاكلته. فالعرب وبشكل عام هم أكثر إعجابا وتماهيا مع النظام السياسي في تركيا عنه ذلك الذي في إيران. وأسباب هذا الانجذاب إلى ذلك النظام في شمالنا والنفور من ذاك الآخر في شرقنا متعددة. وهناك من يرى أن الانتماء الطائفي لأغلب العرب، أحد أهم الأسباب.

ففي برنامج حواري شاهدته على محطة الــ «بي بي سي» العربية صباح الخميس 2012/10/4 استضاف المقدم ثلاث شخصيات: احداها من اسطنبول، والثانية من واشنطن، والثالثة كانت معه في الاستوديو. وإن كنت قد نسيت أسماء المشاركين الأولين، فإنه لا يمكن أن أنسى اسم المشارك الثالث. فقد كان من العراق، واسمه أبي فراس الحمداني. وكان الحوار حول الموقف السياسي لحكومات وشعوب العالم العربي من النظامين الإيراني والتركي. ورأى المشارك الحمداني أن الموقف العربي تجاه هاتين الدولتين المسلمتين بشكله، يشكل كثيرا الانتماءات الطائفية. وذكر مثلا أنه بالرغم من الاستعمار التركي للبلاد العربية الذي استمر حوالي خمسة قرون وبالرغم من احتلال تركيا للواء الاسكندرونة السوري، فقد تناسى العرب هذا التاريخ، وبالغوا في استعداء إيران والتذكير باحتلالها للجزر العربية. هذا وإن كنت لا أستطيع أن أجزم بغياب العواطف الطائفية في تشكيل الرؤى السياسية نحو هاتين الدولتين، فإنه يمكن الاستنتاج بأن هذا العامل الطائفي ليس هو الأهم. فالأهم هو أن النموذج الإسلامي التركي، يعتبر نموذج حكم ناجحاً يسمح بمساحة كبيرة من الحرية. بينما نشأ عن الثورة الإيرانية تسلط تيار محدد من رجال الدين، لدرجة أن حتى المعارضة من تيارات داخل النظام نفسه أصبحت مضطهدة، فكان أن احتجز كلا من زعيمي المعارضة مير حسين موسوي ومهدي كروبي. وفي هذا المجال، صرح الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي يوم الجمعة 2012/10/5 وبأسلوب تصالحي كعادته: «ربما ارتكبنا أخطاء، لكننا نحتاج إلى مناخ سياسي أكثر انفتاحا، ويجب الانتهاء من الدولة البوليسية».

ولعل من أبسط أوجه المقارنة في مجال الحريات هو ما يتعلق بحجاب المرأة. فبينما يصدم الزائر في مطار طهران من إعلان «رعاية حجاب إسلامي إلزامي آست» لا يمكن تخيل إلزام النساء في تركيا بلبس الحجاب مع أن زوجتي رئيسي الجمهورية والوزراء محجبتان. لذا لا يمكن أن تكون إيران بلدا جاذبا للسياحة، بينما أصبحت تركيا ملاذا للسياح العرب. كما أن توسع الاقتصاد التركي والذي وصل فيه الدخل القومي إلى ما يزيد على 750 بليون دولار، ونشأت فيه سوق للأسهم تبلغ قيمتها السوقية ما يقارب 161 تريليون دولار، جعلا من تركيا هدفا لمستثمرين من كل دول العالم. هذا في الوقت الذي بلغ فيه الدخل القومي الإيراني حوالي 500 بليون دولار، بينما لم تتجاوز القيمة السوقية للأسهم في بورصة طهران 63 بليون دولار.

ونتذكر الموقف الإيراني من أحداث الثورة السورية ودعمها لنظام دكتاتوري عندما نحلل أسباب تماهي العرب مع السياسة التركية ونفورهم من المواقف السياسية الإيرانية. فهناك أبعد من الانتماءات الطائفية في تحديد مواقف العرب نحو إيران مقارنة بمواقفهم نحو تركيا. وسيثبت التاريخ أن رؤية العرب لإيران غير ثابتة وقابلة للتحول، بتحول إيران داخليا وخارجيا. والجدير ذكره هنا، والذي يحتاج إلى صفحات للكتابة عنه، أن أي تحول ناتج عن حركة إصلاحية في إيران سيؤدي إلى تأثير هائل على الفكر السياسي العربي وأكبر على الفكر الإسلامي بشكل عام.

د. حامد الحمود ص - القبس - الكويت

Hamed.alajlan@gmail.com