فتوى لمفتي ليبيا المرحوم - الطاهر الزواي حول الأضرحة والقبور التي تسمى مزارات للأولياء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
يقول الطاهر الزاوي مفتي ليبيا الأسبق – رحمه الله – في مجموع الفتاوى ما نصه صـ 65 ومـا بعدهـا

وعن بن عباس رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم (( لعن زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج )) [1] فلا يبنى للولي قبر ، ولا يبنى على قبره مسجد ، ولا يوقد عليه سراج ، ولا يوضع عليه بخور .

ومن الأسف أن الحال انقلبت ، فلم تعد زيارة القبور للاتعاظ ولا لتذكر الموت ، بل أصبحت ميادين للاحتفال والسمر ، وللأكل والشرب ، وذبح الذبائح والمبيت عندها ، والسهر بالذكر وضرب الدفوف ، والتغني بالألحان وتطريب الأصوات .

وتركت جميع الآداب التي جاءت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبحت فوضى لا تتفق مع حرمة المقابر ولا مع ما جاء في الشريعة الإسلامية من آداب زيارة القبور ، وكثيراً ما يقع في مثل هذه الفوضى ما لا يتفق مع عقيدة التوحيد ولا مع الآداب الإسلامية .

ولا شك أن هذه الأعمال القبيحة والقريبة من الكفر إن لم تكن كفرا نتيجة جهل متأصل ، ونتيجة إهمال أهل العلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ومن الأسف أن أناسا يلتمسون الأعذار لهؤلاء الجهال بأنهم يقصدون التبرك بآثار الصالحين . ومن المعلوم أن أكثر من اشتهروا بالصلاح ولهم مزارات سنوية أو شهرية ليس لهم تاريخ يبين ما كانوا عليه في حياتهم ، وما كانوا عليه من علم وتقوى .. ولا يخلو الأمر من تعصب قبلي أو طرقي يكون سببا في شهرة الميت ؛ فكل قبيلة أو أصحاب طريقة يودون أن يكون لهم شيخ ؛ وله شهرة تميزه عن غيره .. ولما أعجزتهم الحيلة من الناحية التاريخية عمدوا إلى هذه الاحتفالات والمزارات ، ووجدوا فيها ما يحقق رغبتهم فدأبوا عليها .

ولنسلم أنه ولي صالح ، وأنه من الذين آمنوا وكانوا يتقون كما وصف الله أولياءه ،فهل هو الذي يقرأ ما يوضع على قبره من العرائض ليفهمها ويستجيب لمطالب أصحابها ، وهذا غير معقول ، لأن الميت لا يبصر ولا يقرأ .. وهل هو الذي يقضي حوائج أصحابها بنفسه ؟ ومعاذ الله أن يكون ذلك ، ومعتقد هذا يكون كافرا لأن الذي يقضي حوائج الناس هو الله وحده ، وبدون واسطة}وقال ربكم ادعوني استجب لكم {.

وإذا كان عاجزا عن قضاء حوائج الناس بنفسه ،فهل يمكنه أن يطلب من الله أن يقضي ما في تلك العريضة من حوائج ؟ وهذا مستحيل ، لأن الطلب من الله عمل ، والميت لا عمل له ، ولا يقدر أن ينفع نفسه ولا غيره ، وهو مرهون بعمله ، ينعم بما قدم في حياته من خير ، ويشقى بما قدم من شر ، وهو في أشد الحاجة إلى ما يأتيه من الأحياء ، من الدعاء له بالرحمة ، والتصدق عليه بشئ يصله ثوابه .

ومن أقبح العادات أن يعين وقت مخصوص لزيارة الولي ، ويفرض على الناس مقادير الطعام المطبوخ ، ويأتي كل واحد بما فرض عليه ، ويأتي الناس من كل فج وصوب ، بخيلهم ورجلهم ، ونسائهم وأطفالهم ، ويقيمون ما طاب لهم المقام وكأنهم في فرح يأكلون ويشربون ، لا فرق بين غني وفقير ، وما فضل عن الحاجة من الطعام يرمى في المزبلة .. والناس ليسوا بحاجة إلى هذا الأكل ، ولا هو مخصوص بالفقراء والبائسين .. ولو جمعوا الطعام وأعانوا به إخوانهم المسلمين الذين يقاتلهم المستعمرون وأجلوهم عن أوطانهم ، لكان خيرا لهم ، ولهم عند الله الثواب العظيم .. ولكنها العادات القبيحة ، نتيجة الجهل بتعاليم الإسلام وآثار السلف الصالح ، حتى أصبح الناس يعتقدون أنها طاعة ، وهي من أقبح المعاصي .

وليس من آثار الصالحين في شيء ما يوجد الأضرحة من التوابيت المحيطة بها ، والأعلام وغير ذلك ، فإن كل هذا مما اخترعه العامة وجهالهم الذين اتخذوا من هذه القبور مصدر عيش يرتزقون منه ، ولا يهمهم ما يترتب على ذلك وافق الدين أو خالفه .

اللهم إن كثيرا مما يقع في الأضرحة منكر لا يصح السكوت عليه .

والمسؤول عن إزالته أولا طلبة العلم ، بما كلفهم الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

فإن عجزوا فعليهم أن يبلغوا الحكومة وعليها أن تسارع لإزالة هذه المنكرات بما لها من السلطة الشرعية والقدرة على التنفيذ ،

وتمنع هذه الاجتماعات على المقابر لما فيها من مخالفة التعاليم الإسلامية في زيارة القبور ،

ومن الآثار المسيئة على عقائد العوام الذين يجب عليهم أن يعتقدوا أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله ، وأن الميت لا حول له ولا قوة . " ا هــــ


مفتي ليبيا الأسبق الشيخ الطاهر الزاوي رحمه الله رحمة واسعة

مجموع الفتاوى [ 63-73 ]