في طرابلس سنة 1981 وحوالي الساعة التاسعة والنصف صباحاً
وكان الوقت شتاءً وكنت بالجبش وقتها في إجازةٍ مرضيَّة
وعند تقاطع شارع هايتي بما كان يسمّى شارع أول سبتمبركان ثمّة مقهىً
يُعِدُّ (المكياطة ) وهي نوع من الأكسبرسو يفضلّه كثيراً من الليبيين وأنواع أخرى من العصائر والكابوتشينو
وبعض أنواع الكعك المُحلّى وبينما كنت اتقدَّمُ صوب المقهى اصطدم بي شخص بطريقة كانت شبه مقصودة
آلمت معدتي قليلا ً وهمَّ بالمضييِّ في طريقه غير ملتفتاً إليَّ فاعترضته
مُحدِّقاً فيه بشدَّةٍ لعله يعتذر ولكنَّه بدلا من ذلك قال لي (خيرك اتفنّص -- وخيرك بمعنى لماذا واتفنص بمعنى تحدق )
فقلت له لأنَّك أنت الغلطان اصطدمت بي بشدة ولم تحاول حتى الا عتذار
فقال لي يا ودي بره لحالك وفكني من سوّك في هالصبح ( بمعنى اذهب لحال سبيلك وقني شرك هذا الصباح)
فقلت له باين عليك واخذ في نفسك مقلب فقال لي الإثنان اللذان كانا معه خيرك ما تسمعش لكلام
(أي لماذا لا تسمع الكلام ) فقلت لهما لأنه غلطان ويكابر فقالا لي بالك تمشي خيرلك (أي قد يكون ذهابك لمصلحتك)
فأجبتهما وانتم شنو اتهددوا فيَّا ( أي وماذا أنتم أتُهددونني)قالا خوذها كيف ما تاخذها ( أي أعتبرها كما تعتبرها )
قلت لهما أنا لا أخشى أحد إلا الله وعليه أن يعتذر أحسن له وأحسن لكما
نظروا لبعضهم وقد استغربوا قولي وبرودت أعصابي وعدم المبالاة بالفارق العددي وكان أحدهم يحمل الكتاب الأخضر في جيبه
واضطر أن يخرجه عندما أراد أن يخرج بطاقة اللجان الثورية ليخيفني بها فما إن فعلا حتى انهلت عليهم ضرباً وركلاً فقد كنت حاملاً
للحِزام الأسود في لعبة الكونتاو من اندونيسيا وفي غمرة انفعالي واهتياجي لقفت الكتاب الأخضر من يده ومزقته أمام الناس في الشارع
وفي أقل من طرفة عين إذ بنقيب من كتيبة الأمن يشهر مسدسه على ويقول لي أركب وأنت ساكت فركبت سيارته ولأن الشارع لم يكن
مزدحما ما هي إلا لحظات حتى كان بي في ميدان الشهداء أوقف السيارة وأنزلني وقال لي حاول اليوم ما اديرش مشاكل
( أديرش = تعمل ) خيرك يا ودّي ( بمعنى ما بك يا هذا )
تمزق لكتاب لخضر قدام الله وخلقه في الشارع انكلبت ( انكلبت = أجننت وهي من الكَلَبِ نقول على المجنون مكلوب)
وإلا خيرك موش هكّي ايديروا الناس ( يعني ليس هكذا يفعل الناس ) شنو هاينة عليك ارويحتك باهي في أمان الله ورد بالك من روحك ..
تخيلوا لو كان هذا الضابط من متملقي السلطة ماذا كان يحدث