ترجمة/ د. فرج دردور
العصابات المسلحة الذين أشعلوا النار هذه الأيام في ليبيا وأرقوا دماء الأبرياء، هم أنفسهم من كان يرفع شعار "دم الشهداء لن يضيع هباء".
البلاد المنكوبة سقطت في حالة من الفوضى، حتى صار كثير من الليبيين، يأسفون على أيام معمر القذافي، الديكتاتور الذي اسقطه "شهداء" الثورة عام 2011 ، ولكن ما هي الفائدة؟
فالمؤسسات السياسية والإدارية على قلتها انهارت بعد عام 2011، والحياة الاقتصادية متوقفة تماماً، والبعثات الدبلوماسية تغادر ليبيا الواحدة تلوى الأخرى، وكذلك الأمم المتحدة والعديد من المنظمات غير الحكومية تركت البلاد. طرابلس العاصمة وبنغازي تلك المدن التي تؤوي نصف سكانها، من حوالي 7 ملايين نسمة، صارت مند أسبوعين مسرحاً لاشتباكات بين عصابات متنافسة، وزيادة في كثافة القتال.
القتال يتم بالأسلحة الثقيلة في وسط المدينة، وأكثر من ذلك على اثنين من المطارات الرئيسية في طرابلس وبنغازي، والتي أظهرت اللقطات بأنها لم تعد صالحة للاستعمال. وقدأحرقت جزئياً المستودعات الضخمة للغاز والوقود. حيث صارت تهدد بانفجار لا يبعد كثيراً عن العاصمة. يوم الثلاثاء 29 يوليو، استولى الجهاديون على المعسكرات الرئيسية في بنغازي، وغنموا كثيراً من الأسلحة المتنوعة.
عهد الميليشيات الدكتاتورية المتوحشة
في خضم الصراعات الصغيرة هنا وهناك، يبدو أن المعركة الرئيسية هي بين معسكرين لا يمكن التوفيق بينها. من جهة: قوات الواء متقاعد خليفة حفتر مجتمعة في حركة "الكرامة"، بدعم من بعض عناصر النظام السابق، ومليشيات من منطقة الزنتان غرب البلاد. من جهة أخرى: تجمع الإخوان المسلمون، وجماعات إسلامية جهادية، بدعم من مليشيات في شرق ليبيا.
عمليات الخطف والقتل وقطع الطرق وتصفية الحسابات السياسية، وعمليات القصف المدفعي، جعلت الليبيين يعيشون انعدام الأمن. حلم ليبيا المتسامحة تبدد، فالديكتاتورية الشرسة والنظام القبلي الذي تركه القذافي، خرج تماماً عن سيادة القانون.
والآن يمكن أن نطرح هذا السؤال عن أهمية تدخل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا لدعم تمرد 2011 ، والذي تحفظت عليه صحيفة (لوموند) في ذلك الوقت. واشنطن وباريس ولندن، هل كان تدخلهم بالقصف الجوي مبرراً، حتى سمح للمتمردين بالتفوق على القذافي؟
من السهل أن تثير التساؤلات البعدية، ولكن القرار السياسي بالتدخل يؤخذ في بعض الأحيان في حالات الطوارئ، وغالباً لأسباب إنسانية. ولكن بالنظر إلى الفوضى التي تسود ليبيا اليوم، صار من الصعب الهروب من المسؤولية.
المصدر/ صحيفة لوموند الفرنسية