بيروت: المصاعد في مستشفى طرابلس الطبي لم تعد تتوقف عند الطابق السادس. من يريد التوجه إلى هناك، عليه أن يصعد السلم حيث يستقبله على الفور ثلاثة رجال في ثياب صحراوية، يحمل كل منهم بندقية كلاشنيكوف.

أتى هؤلاء الرجال من الخطوط الأمامية في معارك الثورة الليبية، ليحرسوا أعداءهم الجرحى في مستشفى البلدية، حيث تكتظ الغرف بالجرحى الموالين للعقيد الليبي معمر القذافي وكذلك المقاتلين الأفارقة الذين دفع لهم الديكتاتور بعض الدولارات لمحاربة شعبه.

أقسام الطابق السادس مخصصة فقط للجرحة الموالين للقذافي، لكن الثوار عقدوا العزم على ضمان سلامة وإعادة تأهيل الرجال الذين اطلقوا النارعليهم قبل ثلاثة أشهر فقط.

يقدم الثوار رعاية طبية مجانية للجرحى الموالين للقذافي، ويعدون البعض منهم بالعودة إلى منازلهم، فيما تنتظر المحكمة أولئك المتهمين بارتكاب جرائم القتل والتعذيب في السنوات السابقة لهذه الثورة.

في هذا السياق، اشارت صحيفة الـ "واشنطن بوست" إلى أن هذه التصرفات قد تقنع في النهاية بعض الموالين للقذافي، بوجود "الخير وروح المسامحة" لدى الثوار الذين لقبهم القذافي بـ "الفئران". لكن في الوقت الراهن، تبدو الانقسامات عميقة في "ليبيا الحرة".

قبيلتي موالية للقذافي

لا شيء يصل بين ساق علي عبد الله العاطي وجسده، سوى ثلاثة دبابيس حديدية. لكن الشاب (28 عاماً) الذي قاتل إلى جانب قوات القذافي، لا يلوم الديكتاتور الليبي الذي أدى نظامه القضائي إلى إبقائه في السجون ما يقرب من نصف حياته لقتال مع قبيلة منافسة.

يلوم علي عبد الله العاطي الثوار الذين يخططون لنقله إلى تونس لتلقي العلاج الذي يتطلب استبدال العظام، والذي تعجز المستشفيات الليبية عن تأمينه!

"كل أفراد قبيلتي موالون للقذافي"، يقول العاطي، مضيفاً "قاتلنا الثوار عندما أتوا إلى قريتنا، وأصبت في ساقي ولم أستطع مجاراة رجال قبيلتي في القتال، فقبض علي الثوار ونقلوني إلى المستشفى".

ويقول العاطي: "حسناً، ربما لم يكن القذافي شخصاً رائعاً، لكن أنا أؤيده. نحن فقط نريد السلام والأمن، معه أو من دونه. لم نكن نريد هذا التغيير. إنه أكثر من اللازم"، مشيراً إلى أنه لم يعد يستطع أن يفعل شيئاً لأنه أصبح من دون ساق، وعندما يخرج من المستشفى سينظر إليه الناس باستحقار وسيكنون له العداء.

من جهته، يقول صالح الهادي فكرين، قائد لواء في المستشفى وعضو في اللجنة العليا للأمن في الحكومة المؤقتة: "إذا كان العاطي لا يزال موالياً للقذافي، فلا بأس بذلك. نحن حققنا هذه الثورة من أجل الحرية، وهذا يعني أن علينا أن ندع الناس يعبرون عن آرائهم. نعتقد أننا إذا عاملناهم بشكل جيد، فربما سيقتنعون في النهاية بايجابية هذه الثورة".

وأكد المرضى والحراس والأطباء والممرضات في الجناح أن الثوار جميعهم لا يبذلون أي جهد لمناقشة المواضيع السياسية مع العاطي أو الجرحى الاخرين الموالين للقذافي.

تتم معالجة قوات القذافي في الطابق السادس، مع حراسة مشددة لحمايتهم من الليبيين الآخرين الذين ربما لم يتصالحوا مع فكرة أنه "لا بد من اعادة تأهيل الناس الذين اطلقوا النار عليهم قبل بضعة أشهر، واعادة استيعابهم في المجتمع كمواطنين".

وتبين أيضاً أن المستشفى مكان انقسام عميق، حيث اعتبر الأطباء الذين ينتقدون العقيد الراحل، مشتبه بهم، في حين أن معظم الممرضات المواليات بشدة للقذافي قمن بالإبلاغ في كثير من الأحيان عن الأطباء.

خلال الثورة، رأت الممرضات أحد أطباء الأطفال في المستشفى يقوم بتمزيق صورة القذافي، فقمن بالإبلاغ عن الحادث إلى الشرطة السرية، وفقا لصلاح كاشدان، مسؤول الأمن في المستشفى، فتم القبض على الطبيب وعثر عليه ميتا في أحد سجون القذافي بعد بضعة أسابيع.

وقال الأطباء الآن، إن العلاقات بين الطاقم الطبي تتحسن ببطء. وأشار كاشدان: "اننا نغفر للممرضات، فهن ليبيات مثلنا، لكن لسن متعلمات. قبل ذلك، لم نتمكن من التحدث معهن لأنهن سيبلغن عنا، اما الآن، نستطيع أن نقنعهن"، مضيفاً أن البعض منهم لسن في حاجة للإقناع، إذ أتين بعد الإعلان عن تحرير ليبيا وهن يرتدين علم الثورة.

وقال المشرف على أمن المستشفى، كمال عنقودي إن "الجنود مثل الممرضات، وينبغي أن نغفر لهم، فهم قاتلوا إلى جانب القذافي لأنهم لم يعرفوا الحقيقة، وكانوا يعتقدون أن القذافي رجلاً صالحاً لأنه قدم لهم الأموال والهدايا".

وأضاف: "القذافي أعطى الجنود المال والسلاح والسيارات فشعروا أنهم مهمون"، مشيراً إلى أن معظمهم لم يصلوا إلى الصف السادس، والسلاح كان الشيء الوحيد الذي يعرفون استخدامه.