المصرف المركزي وصرف الدولار.. من المستفيد ؟!

محمد العباني

150 درهما و 100 درهم تقريباً هو هامش الربح في سعر صرف الدولار الواحد حالياً , وهو الفرق بين السعر الرسمي داخل المصارف والمقرر من المصرف المركزي وسعر الدولار في السوق الموازية (السوق السوداء), ومثل هذا الفارق ربما يعتبر بسيط للمواطن العادي, ولكن للمتاجرين في هذا السوق هو اشبه بالحلم ولا يتكرر الا نادراً وتحديداً في الحروب والازمات وضعف الاستقرار الاقتصادي, فلعل الجميع تقريباً على علم بالخطوة الايجابية التى اتخذها المصرف المركزي لبيع بعض من الاحتياطيات الاجنبية من عملتي الدولار واليورو, وهو مايهدف الى سحب العملة المحلية لمواجهة ازمة السيولة كما انها تساهم في رفع قيمة الدينار في السوق الموازي وبالتالي تنخفض اسعار السلع والخدمات, الا ان السؤال هنا هل تحقق ذلك فعلاً, ام في طريقه لان يتحقق؟ ام ان الامر قد اربك الواقع وادخلنا في متاهات الماضي؟!



ماذا يحدث ؟

هجوم (سلمي واحياناً مسلح) من عدة محاور على فروع المصارف وفروع شركة الصرافة التى تبيع العملة, من قبل بعض الزبائن وبعض المتاجرين بالعملة لاجل الاستفادة من الفرق, وهناك تواطؤ كبير من بعض القيادات والمدراء لبيع الدولار لاعوانهم وتحصيل الفارق, ولاننسى ان هناك اسرى من الموظفين الشرفاء يعانون من التعذيب النفسي بوصفهم وضمهم لقوائم (بزناسة) الدولار, ومنهم من يأتي للعمل على مضض, كما اننا لا ننكر وجود صف موالي للتجار موجود بهذه المؤسسات, ويوفر لهم ما يريدون ويعلمهم بكل جديد, حتى انه احيانا نسمع ان كمية من الدولار بيعت بطريقة (الخت فت) ولا وجود حتى لرائحتها.!, وكل ذلك يتم في ظل وجود ادارة عليا غير قادرة على ادارة الامور وضعيفة المستوى في بعض المصارف وبشركة الصرافة ايضاً.



التساؤل المطروح ؟

هل استفاد المواطن من الوضع الحالي؟ هل فعلاً ان الاسعار انخفضت بالفعل؟ ثم ما ذنب الموظف الوطني الشريف ليعاني ما يعانيه من سب وشتم؟ وما ذنب المؤسسة لتتشوه سمعتها بسبب فئة من المتواطئين والمفسدين ليصلوا بنا الى متاهات الفوضى والعودة الى اللا نظام؟

اليس من المنطق الآن ان نكون قد انتقلنا الى مرحلة التنظيم والنظام والعقل بعد ان امضينا عقوداً من الفوضى ومللنا سوء التنظيم والازدحام والصياح والعراك والهمجية واستغلال المناصب الادارية ونشر الفساد؟! وأليس حلياً بالمسؤولين والمدراء ومن له علاقة مباشرة اليوم بهذا الشأن ان يتقوا الله في انفسهم ويحترموا دماء الشهداء ومعاناة الاسرى وغياب المفقودين, هل لاجل هذا ثارت الجموع, وهل لاجل هذا انتفض الشعب, وهل هذا هو الوفاء لدماء الشهداء, وهل بهكذا منظر سنقنع غيرنا بأن علتنا كانت القذافي واننا شعب متحضر, اعلم انه ميراث الطاغية وليس ميراث الجدود, ولكن المعركة الحقيقية الآن بكيفية ازالة وازاحة هذا الميراث بالتوعية والعمل الجماعي , والمسؤولية العامة التضامنية, و اولاً وقبل كل شيء على المشرع وصاحب السلطة النقدية وهو المصرف المركزي, ان ينظر للامور بعين الاب وولي الامر, وعين بمدى ابعد, واكثر انسانية, واكثر ضمان للاستقرار وتحقيق الفائدة والتلاحم, وتقليل فرص النزاعات والمشاجرة في مثل هذا الوقت الحساس, ومن ثم يكون الدور على المصارف التجارية وشركة الصرافة باتباع سياسة حضارية وتوعوية واتباع سبل منظمة وشفافة في عملية البيع.



ما هو الحل ؟

ان الطريقة الحالية لبيع العملة تعتبر مضرة بالوضع العام خصوصا من الناحية الامنية والانسانية وفي ظل غياب اجهزة امنية حقيقية مؤسسية وقانونية, ثم ان العملة المباعة تشترى بالسعر الرسمي وتباع للتجار بسعر السوق الموازي وهو ما يدل ان الاسعار وقيمة الدينار ستبقى على حالها او ستتأثر قليلاً, ثم لا ندري لما يتعامل المصرف المركزي بهذه الطريقة التى لا تطمئن في ظل وجود حالات شكوى وصل بعضها الى الهجوم ودخول زبائن (مسلحين) من تجار العملة الى بعض الفروع, وهنا لا ندري كيف سيحمي الموظف نفسه ام كيف ستتم عملية البيع؟ ام كيف سيصبر الزبون وهو يرى امامه منظر (البزنس) في العملة ودخول (ساكوات) النقود من خلف المبنى ومن جانبيه؟ فالاخوة بالمصرف المركزي عليهم التركيز على جمع السيولة وفي نفس الوقت التركيز على امان وحماية الجميع, فالحفاظ على روح مواطن اهم بكثير من اي شيء آخر.



على اي حال نقترح النقاط التالية :

• اعلان عن العمل بسعر الصرف التجاري ويكون قريباً جداً من سعر السوق الموازي (سوق السوداء) حتى يخف الضغط على المصارف وتقل المشاكل ويتم تحصيل سيولة اكثر, فالبيع سيتم والسوق متعطش.

• مواكبة تطور سعر السوق وتخفيض السعر شيئا فشيئا بشكل تدريجي عبر التحكم في حجم المعروض من العملة.

• يظل السعر الرسمي هو القيمة الفعلية التى يتم من خلالها التعامل بين المصرف المركزي والمصارف التجارية وشركة الصرافة ويتم اعتبار الفارق في الزيادة (مثل 150 درهماً للدولار) كايراد مخصص للصالح العام, ويمكن الاستناد على ظروف البلد الحالية لاتخاذ مثل هكذا قرار وبموافقة المجلس الانتقالي ان تطلب الامر.

• يتم تجميع قيمة الفارق ويتم تخصيصه لصالح دعم وعلاج الجرحى, او المحتاجين والمتضررين من جراء حرب التحرير ويمنح لوزارة الشهداء والجرحى والمفقودين.

• ان السوق متعطش جدا للعملة الاجنبية ويحتاج الى قيم كبيرة جداً كما ان السوق بحاجة الى وسائل دعم اخرى مثل الاستقرار السياسي والامني فهما المحددان لقيمة سعر الصرف بالدرجة الاولى في مثل هذه الفترة.

• ان المصرف المركزي مطالب بنشرات افصاح للعموم تبين التأثير الحاصل في السوق وعبر النشرات الاقتصادية الاخبارية من حين لآخر.



ان مثل هذا الاجراء سيضمن المزايا التالية :

• الحصول على سيولة اكثر للمصرف المركزي تصل الى 15 مليون دينار لكل مائة مليون دولار وهو رقم ليس بالهين.

• الاستفادة من الفارق في دعم الجرحى والمفقودين وكل ذي عوز عن طريق الوزارة المختصة.

• اتمام عمليات البيع في جو مريح ومنظم وابعاد شبح الممارسات العنيفة واستخدام القوة داخل المصارف.

• تقليل فرص اساءة استخدام اموال المجتمع وسؤ التصرف بها.

• تقليل فرص الفساد الاداري والمالي في ظل غياب الاجهزة الرقابية او عدم فاعليتها بعد.

• حماية ارواح الموظفين وممتلكاتهم والممتلكات العامة.

• افساح المجال لرفع سعر الصرف الدينار الليبي تدريجيا في السوق الموازية الى ان يصل الى المستوى المطلوب او المرغوب قدر الامكان خصوصا ان السوق متعطش كثيرا للعملة الاجنبية ولن تكفيه كميات محدودة مالم يصاحب ذلك ارجاع الدورة الاقتصادية وفتح الاعتمادات والحوالات الخارجية, فلا يعقد كل الامل على ان البيع النقدي سيحل كل المشكلة.



والله المستعان ,, وعاشت ليبيا حرة طاهرة ,,

أ. محمد العباني

مــوظــف مصـــرفي