يونس شعبان الفنادي: الكيب يختار الأصدقاء

جاء في رواية "السيد الرئيس" للكاتب الغواتيمالي "ميغيل آستورياس" الحائز على جائزة نوبل للآداب (...إن شخصاً يفخر بأنه صديق لرئيس الجمهورية لا يُتركْ أبداً مسكيناً شقياً جريحاً في الطريق...). ويبدو أن هذا المنطق الخاطئ لا يقتصر على مناخ الرواية الاستبدادي الخيالي فقط، بل صار واقعاً معاشاً في ليبيا الحديثة التي حررها شبابها وأبناءها البواسل من نظام أسس أركانه بعقلية التخلف المبنية على روابط وعلاقات الصداقات الخاصة، وقرابة العائلة الواحدة، والقبيلة المتعصبة، والطبقة والطائفة ذات المصالح المشتركة، وأفكار وأصوات المناصرين الجهلة، والمطبلين لشعارات الزيف الخادعة.

إن قيام رئيس وزراء الحكومة الليبية المؤقتة الدكتور عبدالرحيم الكيب بزيارة إلى منطقة سوق الجمعة خلال الأسبوع الماضي والاجتماع بطوائف مختارة ومنتقاة من عائلاتها العريقة، ومناقشة العديد من المواضيع السياسية والفنية معهم، دون أن يولي أي اعتبار لمكانة أو شرعية المجلس المحلي لسوق الجمعة، هو تأكيد على أن الصداقة تلعب عنده دوراً مهما وأساسياً في ترتيب بيت الدولة الليبية. وبهذا التصرف يجعل الكثيرين يشككون في شفافية وصدقية قراراته القادمة وعدم اطمئنانهم بأنها ستكون مدروسة أو مبنية على الكفاءة والخبرة والمؤهل العلمي والنزاهة والوطنية والأخلاق. فالدكتور الكيب نسي، أو ربما يكون قد تناسى عمداً، عند قيامه بتلك الزيارة أنه هوية ورمز ليبيا بأكملها، وهو لم يعد يمثل شخصيته الفردية الخاصة أو تياراً دينياً، أو مذهباً فكرياً معيناً، بل صار منذ انتخابه عنوان وصورة الليبيين جميعاً، وأن شخصيته الاعتبارية لا يمكنه أن يخلعها متى يشاء ويرتديها وقت ما يحب.

لا شك أن الدكتور عبدالرحيم الكيب مرحبٌ به ككل مواطنٍ ليبي في سوق الجمعة البلدة التي كان مذيع قناة السكاي نيوز الإخبارية يؤكد لي في مداخلتي معه بتاريخ 26/8/2011 بأنه (.. يؤمن أن سوق الجمعة مؤشر لحالة استقرار الوضع الأمني والسياسي في طرابلس كلها ..)، ولكن حين يشرّف الدكتور الكيب سوق الجمعة بحضوره بصفته رئيساً لوزراء ليبيا كلها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، لابد من الاتفاق على ترتيبات بروتوكولية رسمية عبر الجسم الحكومي الرسمي الوحيد في المنطقة وهو المجلس المحلي، لأن أهم ركن في أبجدية الديمقراطية هو احترام مؤسسات الدولة، وعدم تجاوز هياكلها وممثليها لأنهم يمثلون الشعب، ولنا نحن الليبيين في حادثة الأزمة الدستورية في ليبيا سنة 1954 تجربة وعبرة وحكمة، حين حكمت المحكمة العليا الاتحادية بالعدل، وطالبت الملك بضرورة احترام الدستور الليبي وعدم تجاوز صلاحيات رئيس الوزراء التي خولها له ذاك الدستور أو الانتقاص منها، ولذلك أبطلت أمره الملكي الذي أصدره بتاريخ 19/1/1954 بحل المجلس التشريعي لولاية طرابلس، وكان ذاك الحكم القضائي حدثاً عظيماً، عد وقتها ولازال، مفخرة لليبيا الوطن والشعب والعدالة والتاريخ.

لقد تأسفت كثيراً حين تحدثتُ هاتفياً إلى الدكتور عبدالناصر علي البوني رئيس المجلس المحلي بسوق الجمعة خلال عطلة العيد المبارك، وفاجأني بأنه لم يحضر ذاك اللقاء مع رئيس الوزراء الدكتور عبدالرحيم الكيب، وأنه ليس لديه علم مسبق بترتيباته، كما لم يتلقى رسمياً أية مخاطبة أو يتسلم دعوة لحضوره، وأن نائبه بالمجلس قد تواجد في اللقاء بصفته الشخصية لأنه لم يكلف اعتبارياً من قبل المجلس المحلي بسوق الجمعة بالمشاركة!!

إن مكتب رئيس الوزراء ورئيس المجلس المحلي بسوق الجمعة هما المعنيان والمطالبان بإصدار بيان رسمي في وسائل الإعلام الرسمية المكتوبة والمرئية والمسموعة، وعلى صفحات موقعيهما في الفيس بوك، يوضح ملابسات تلك الزيارة وإجراءات الترتيب لها، وأسس ومعايير وضوابط اختيار الخبراء والمهندسين والأساتذة والضيوف الذين قابلهم وصافحهم سيادة رئيس الوزراء وتحدث إليهم، وما هي المواضيع التي تم طرحها ومناقشتها، والنقاط التي تم الاتفاق عليها حتى يطمئن الليبيون عامة بأن الزيارة كانت لها أهداف إيجابية لصالح أطياف الشعب الليبي كافة، ولا تحمل في كواليسها الخفية حسابات أولوية وحظوظ الأصدقاء والعائلات والمعارف من الغنائم والمراتب والمناصب في حكومة الدكتور الكيب القادمة!!!

وليعلم الدكتور عبدالرحيم الكيب بصفته مواطناً ليبياً أصيلاً محترماً أولاً، وبموقعه كرئيسٍ لوزراء ليبيا الحبيبة ثانياً أن ثوار وشباب وشيوخ وحرائر ليبيا كلها قد اختلطت دماءهم الزكية بثرى هذا الوطن الطاهر، وبالتالي فهم لن يقبلوا أو يسمحوا لأي كان بأن يرتدي رداء العائلة أو عباءة القبيلة أو يتخذ من مظلة الطبقة سلماً يمتطى به صهوة الفكر الأيديولوجي أو القومي أو الديني أو إثارة زوابع النزعات الاجتماعية الهدامة المتهورة، لسرقة حريتهم التي ناضلوا وجاهدوا في سبيل نيلها، وقدموا التضحيات الجسام من أجل ذلك. وتاريخ ليبيا العريق والمعاصر الحديث خير شاهد على ذلك. وليحفظ الله بلادنا العزيزة ويحميها من بقايا الجهلة أدعياء الثقافة والفكر المستنير وفلول المندسين وجيوش المتسلقين.

يونس شعبان الفنادي

fenadi@yahoo.com

نشر بصحيفة فبراير الرسمية