ثورة واحدة حتى الآن
| 2011-11-11 -

سيد أحمد الخضر

sidhadee@hotmail.com
في السابع عشر من ديسمبر المقبل يكون الربيع العربي قد أكمل حوله الأول؛ حيث أضرم محمد البوعزيزي النار في جسده بنفس التاريخ من العام الماضي، ليفجر غضبا شعبيا ما زال يموج في عواصم المشرق والمغرب.
من المتفق عليه أن عام 2011 سيحتل مكانة بارزة في ذاكرة العرب؛ حيث علا فيه صوت الشعوب وقهرت فيه إرادة الاستبداد.
لقد كانت وتيرة الاحتجاجات أسرع إيقاعا من تحليل السياسيين وتدوين المؤرخين، فلم تدع للنخبة فرصة استجلاء أبعاد هروب بن علي في وضح النهار. لقد لحق به مبارك في ظرف وجيز. وقبل أن تستوفي الثورة المصرية حقها من التحليل فجر الليبيون مفاجأة من العيار الثقيل.
يمكن القول: إن أحداث 2011 أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع؛ حيث تهاوت فيها قلاع الاستبداد وفيها تبددت خطط توريث الحكم في الجمهوريات.
لقد كان بعض التونسيين يتوقعون أن يعهد زين العابدين لزوجته بالحكم لأنه لم ينجب ولدا، وتسربت في السنوات الأخيرة معلومات تقول إنه يُعد زوج ابنته لتولي مقاليد الحكم في البلاد.
كانت هوية من سيأتي بعده تشغل التونسيين ولم يخطر ببال حتى أكثر المتفائلين أن أمرا غير الموت يمكن أن يضع حدا لجبروته.
قال الشعب التونسي كلمة الفصل في يوم مشهود أَدْرَجَ مفردة الثورة في معجم العرب، وسحب الخنوع من الشارع فشاهد الملايين مبارك في قفص الاتهام، ومُزقت صور القذافي وتماثيله، وهتفت الجماهير بسقوط الأسد الذي كان حتى وقت قريب يفدى بالدم والروح.
أحداث مصر وليبيا وسوريا واليمن، كلها نتاج فعل شعبي محض يعكس رغبة عارمة في القطيعة مع الماضي البغيض والتأسيس للديمقراطية ودولة القانون.
لقد عكست الشعارات التي رفعتها المظاهرات الشعبية في هذه الدول وعيا في صفوف الشباب وتعاليا على الفئوية والحزبية والمناطقية، ما جعل معظم المراقبين يتوقعون أن تبلغ الثورات غاياتها دون صدام مع واقع مرير كان جاثما في الخفاء.
لكن يبدو أن الانبهار بعظمة الإنجاز كان وراء النظرة التفاؤلية، فسقط الكثير من الاعتبارات عند استشراف مآلات الثورات.
وإذا ما بدأنا بالحالة المصرية نجد أن الثورة أجهضت بفعل تباين مصالح الساسة وانتهازية العسكر، بعد أن خفت صوت الشباب وتراجع دور ميدان التحرير.
لقد اعتنقت مصر مجددا العقيدة السياسية التي كانت سائدة أثناء مبارك؛ حيث بدأ العسكر الإعداد للهيمنة على الحياة السياسية وفرض وصاية على الشعب من خلال التدخل في الدستور وتشكيلة البرلمان.
وتتجلى قدرة العسكر على توظيف الإنتاج السياسي لمبارك في تفاهمات توصلوا إليها مع بعض الأحزاب الحداثية تقضي بقبول الأخيرة بتدخل القوات المسلحة في هندسة العملية السياسية لمنع هيمنة الإسلاميين على القرار.
ويعني هذا أن مشاعر الثورة لم تكن صادقة، فبين الإسلاميين والعلمانيين خلافات عميقة يستطيع العسكر استغلالها من أجل مركزة دورهم وإرجاع البلد للوراء.
بيد أن الوضع في مصر أكثر من ممتاز في حال مقارنته بليبيا؛ حيث أزاح مقتل القذافي الستار عن كم هائل من التناقضات. ومن شبه المستحيل نجاح العملية السياسية هناك قبل فرض هيبة الدولة وتحديد الجهة التي يحق لها حمل السلاح.
كل جهة في ليبيا تعطي لنفسها الحق في الثواب والعقاب؛ حيث تصدم تصريحات قادة المجلس الانتقالي بقدرتهم على ضبط الأمن بواقع مغاير على الأرض يفرضه ثوار مصراتة وبنغازي والزنتان.
وإذا ما أضيف إلى الجانب الأمني المتردي الجدل الدائر حول المرجعية الدينية للدولة، وضخامة الفاتورة التي يتعين تسديدها مقابل مساندة الغرب للثوار، يتجلى أن توطيد الاستقرار في ليبيا أمامه العديد من التحديات
.
كذلك لن يكون اليمن أفضل حالا إذا ما سقط النظام؛ حيث تعسكرت الثورة مؤخرا بفعل دخول القبيلة على الخط. وفي اليمن أيضا مطبات كثيرة بينها رغبة الجنوبيين في الانفصال وشوكة القاعدة وجموح الحوثيين لحمل السلاح.
ولو قدر للسوريين التخلص من طغيان الأسد، فإن العوامل العرقية والطائفية وتباين المرجعيات السياسية وأطماع دول الجوار ستضاعف متاعب الثورة هناك.
إرث العلويين، وحقوق الأكراد والمسيحيين، وخلافات الإخوان والعلمانيين، ومشاكل الحدود ومستقبل العلاقة مع إيران وتركيا والعراق وإسرائيل، كلها منغصات قد تنسي السوريين طعم الانتصار.
حتى الآن -وللأسف- يمكن القول إن الثورة التونسية هي وحدها التي نجحت؛ حيث قبلت الأطراف السياسية منطق صندوق الاقتراع.
والأهم من هذا أن الأقطاب الحزبية في تونس تعالت على خلفياتها التاريخية والأيديولوجية وبدَت مواقفها وبرامجها منسجمة مع مطالب الجماهير: الشغل والصحة والتعليم والتكوين.
العرب القطرية