الحمض النووي وأسرار الإنسان
( D.N.A)

د. عواطف محمد شماطة

يأتي الإنسان الي هذه الحياة بأسرار وصفات تميزه عن الآخرين والتي لايمكن مقارنتها مع أي شخص أخر* والحمض النووي هو الوسيلة لنقل هذه الصفات الوراثية بصورة شفرية مبرمجة ومقدرة عليه منذ بداية التكوين وحتى الموت* فهو مادة الوراثة وتخزين المعلومات الوراثية* فقصة حياة الإنسان يكتبها هذا الجزيء العجيب ضئيل الحجم الموجود في صورة كروموسومات داخل أنويه الخلايا مشكلاً بذلك وحدة التحكم والبناء لها.
ويوجد هذا الجزيء علي هيئة حلزون مزدوج: سلسلتان عديدتا نيكليوتيدات المكونة من مجموعة فوسفات ومجموعة سكر خماسي وقواعد نيتروجنية وهذه القواعد أما تركيب حلقي مزدوج وتسمي الأدنين والجوانين(G*A) أو تركيب حلقي أحادي وتسمي الثايمين والسيتوسين (C*T) وتجري السلسلتان في اتجاهين متضادين متوازين يرتبطان يبعضهما بروابط هيدروجينية. وهذا مايعرف بنموذج واتسون وكريك نسبة الي مكتشفين التركيب الثلاثي الأبعاد لهذا الجزيء في جامعة كيمبرج بإنجلترا عام 1953 وهما جيمس واتسون وفرنسيس كريك واقتسما جائزة نوبل عام 1962 مكافأة لهما علي اكتشاف هذا النموذج.

تمكن هذا الجزيء من منح بطاقة التميز والخصوصية لكل فرد وذلك اعتمادا علي وجود جزء من علامات وراثية في الحمض النووي تنتج عن وجود القواعد النتروجنية الأربعة(G*A*T*C) في تتابع خاص وفريد ومواقع مختلفة (متكررة)* وهذا التسلسل الخاص يكون غير موجود في إنسان أخر و احتمال التشابه بين البشر في هذا التسلسل غير وارد فلا يوجد أثنين في العالم يتشابهون في هذا الحمض يأستثناء التوأم من نفس البويضة* ويكون نصف هذا التتابع موروث من الأم أما النصف الأخر فهو من الأب* وهذا مايسمي بالبصمة الوراثية للإنسان التي أكتشفها عالم الوراثة د. إليك جيفرس عام 1985 ويتم تحديد هذا التتابع الخاص للحمض النووي من خلال تقنية معقدة تعتمد أساساً علي تقطيع الحمض النووي الي أجزاء صغيرة عند أماكن معينة بواسطة أنزيمات ومن ثم ارتباطها بالنظير الإشعاعي النشط.

ومن هذا المنطلق ساهم الحمض النووي مساهمة كبيرة في أظهار الحقائق ووضعها في مكانها الصحيح وأصبح الدليل القاطع للكشف عن هوية الأشخاص وخاصة المجرمين* ففي جرائم القتل مثلاً يتم التعرف علي المجرم من خلال تحليل الحمض النووي وتحديد البصمة الوراثية من الدليل الذي يتركه المتهم علي سلاح الجريمة أو في مسرح الجريمة مثل قطرات الدم أو الشعر* وجرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي من خلال معرفة صاحب الشعر والجلد أو المني الموجود في جسم الضحية. أما جرائم السرقة من خلال تحليل اللعاب علي بقايا المأكولات والسجائر وكذلك جرائم التهديد والابتزاز من خلال اللعاب علي أغلافه الرسائل والطوابع البريدية و أيضاً جرائم الاختطاف..... ويتم التعرف اعتمادا علي المقارنة بين الحمض النووي لهذه العينات ( الدم* الشعر* الجلد* اللعاب* والمني) التي يتركها فاعل الجريمة في مسرح الجريمة* والحمض النووي للمتهم وحيث أن لكل شخص بصمة وراثية خاصة به (وكأنها بطاقة سرية) صار الحمض النووي دليل علمي قطعي لإدانة المتهم والشاهد الذي لا يمكن التشكيك في ذمته وكأن هذا الحمض شاهداً علينا في الدنيا..... وهنا نتذكر كيف ستشهد علينا أيدينا وأرجلنا وجلودنا يوم القيامة في قولة تعالي: ((يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)). أيضاً من الممكن التعرف علي الضحايا في حالة التحلل والتشوه الشديد من خلاله. وكما أصبح الدليل القاطع لتأكد من صحة نسب الأطفال البؤساء الضائعة حقوقهم وأعمارهم بسب أخطأ لم يحرضوا علي فعلها وأوهام وظنوناً لم يعتقدوها وذلك في حالة إنكار الشخص أبوته لطفل غير شرعي كان محصلة اغتصاب أو خطيئة زنا أو بسب اتهام زوجته بالزنا وقد يكون لمجرد أن العلاقة الزوجية ساءت بينهما يوماً ما!! أو أدعاء أمرآة بان طفلها يخص شخص معين لأسباب معينة وفي قضايا تبادل المواليد في المستشفيات خطأ أو عمداً* هؤلاء الأطفال التائهين من غير هوية يساعدهم الحمض النووي في إيجادها ويمكنهم من التمتع بحقوقهم الإنسانية والشرعية كمـا تحفظ صلة الرحم بين ذوي القربة من الدمار وترحم أعراض الناس من التشكيك والأهانة وذلك بأن يقارن الحمض النووي للطفل بالأم أولاً والمتبقي من المفترض أن يكون من الأب الشرعي ففي حالات الاختلاف يكون الأب المزعوم ليس هو الأب الحقيقي لهذا الطفل المسكين؟؟ ففي هذا الموضوع يعتبر الحمض النووي دليل أثبات أو نفي قاطع إذا تم تحليل الحمض بطريقة سليمة بعكس فصائل الدم التي تعتبر وسيلة نفي فقط. وصدق الله تعالي حيث يقول: (( سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه علي كل شي شهيد* ألانهم في مرية من لقاء ربهم ألا أنه بكل شي محيط)).

بعد توصيات مؤتمر رويال عام 1993 تم أنشأ بنوك لقواعد بيانات حاسوبية تستند علي الحمض النووي كأساس للتعرف علي جميع مواطنيها في العديد من الدول مع أنشأ قسم خاص في البنك للمشتبه بهم ليكونوا مرجع للمقارنة عند حدوث اشتباه في مختلف القضايا.
فأستخدم هذا الجزيء الضئيل في المجالات الأمنية و القضايا الاجتماعية سوف يساهم في تحقيق الأمن والسلامة وتجنب الكثير من الحزن والألم.

أما دوره في عالم الطب والسرية فيتعلق بالأمراض الوراثية وأجيال المستقبل* فكل موروثة(جين) لها تركيبة خاصة بها تعرف بالطريقة الخاصة لارتباط القواعد النيتروجينية وتحدث الإمراض إذا كان هناك خلل في طريقة ارتباط القواعد النيتروجينية أو فقدانها بالرغم من أن جزيء الحمض النووي شديد المقاومة لحدوث التغيرات في تتابع القواعد النيتروجينية وبالرغم من أن جميع الخلايا تحتوي علي وسائل أنزيمية لإصلاح التلف الذي قد يحدث في الحمض النووي ألا أن هذه التغيرات ممكن أن تحدث بالفعل محدثة الطفرة الوراثية* فإذا كانت الطفرات في خلايا الجسد فإنها تموت بموت الإنسان ولكن الطفرات في الخلايا الجنسية قد تنتقل الي أجيال المستقبل من خلال الحيوان المنوي أو البويضة* وهذه الطفرات قد تتسبب بفعل بعض العوامل مثل الإشعاع (الذري) كما حدث في هيروشيما وناجازاكي أو بسب المواد الكيميائية مثل غاز(mustard) الذي استعمل في الحرب العالمية الأولي أو ممكن أن تكون الطفرة تلقائية مثل الجين الخاص بمرض الهيموفليا الذي أنعمت به الملكة فيكتوريا علي كل هذا العدد من أفراد البيوت الملكية في أوروبا.
فإذا كان هناك أمراض وراثية معروفة في التاريخ المرضي للعائلة ومعروف جيناتها المسبب لها فيمكن الحد منها وذلك من خلال الاختبارات الوراثية للحمض النووي في منتهي الدقة والسرية وفحص الأشخاص الغير مصابين ويرغبون في الزواج من أقاربهم ومعرفة ما إذا كانوا حاملين الخلل (الطفرة الوراثية) فإذا كان كلاهما حاملاً نفس الصفات الوراثية المسببة للمرض يمكن أن تصاب ذريتهم بالمرض* فالزواج من أسمي الروابط الإنسانية ولكن إذا كان هناك احتمال بأن تكون ثمرة هذا الارتباط أطفال مصابين بالأمراض أو مشوهين فلماذا لانأخذا بأسباب الحيطة والحذر من خلال هذه التقنية المتطورة حتى لاتكون هذه الروابط مصدر تعاسة أو ضرر علي احد* فأجرأ مثل هذه الفحوصات في رأي متفقة مع الحديث النبوي الشريف القائل: ((تخيروا لنطفكم فأن العرق دساس)). أو فحص الجنين الذي من الممكن إن يصاب بالمرض الوراثي في عملية أطفال الأنابيب بأن تؤخذ خلية واحدة بعد انقسام البويضة المخصبة الي 8 خلايا ويكون ذلك في اليوم الثالث من التلقيح ومن خلال هذه الخلية يتم التشخيص ما إذا كانت هناك إمراض وراثية أم لا* ثم تزرع في الرحم الأجنة السليمة فقط وهذا لكي تكون الأسر خالية من المرض والعجز الذي من الممكن أن تنتج عن هذه الأمراض الوراثية وينعموا بذرية صالحة وقرة للعين يتمتعوا بحيوية الحياة كبقية الأطفال غير مشوهة أو ناقصة الأعضاء.

تعددت الاتجاهات التي تعتمد علي تحليل الحمض النووي من جوانب مختلفة والتي ستفتح الأبواب إمام تقدم علمي كبير.... فمنهم من يعتقد أن هناك مايسمي بstress-gen مسؤل علي تطور شخصيتنا وردود أفعالنا في حالات الضغط النفسي الشديد* فإذا ثبت وجود مثل هذا الجين بشكل قطعي وعلمي فسوف يقدم تفسيرات واضحة في علم النفس والأمراض النفسية التي لها تاريخ عائلي.