من تريغفي لاي إلى أنان.. وظيفة المهام المستحيلة

صلاح أحمد Gmt 8:00:00 2010 الإثنين 26 يوليو
بان كي - مون يلعق جراح إتهامه بالفساد (1-2)

ربما وجد أمين عام الأمم المتحدة الحالي بان كي - مون* في خضم اتهامات الفساد الموجهة اليه* بعض العزاء في قراءة سِيَر أسلافه في المنصب. فقد عانى كل منهم من أمر جلل أو آخر. منهم من وجد رأسه محشورا بين المطرقة الأميركية والسندان السوفياتي* ومن أُجبر على الاستقالة* ومن طُرد* وحتى من قُتل في ما زُعم. وهذا تاريخ سيثبت للأمين العام الحالي أن المنصب الذي سعى اليه أكثر من شيء آخر* هو فعلا وظيفة المهام المستحيلة* وإليه بعض الأمثلة:

تريغفي لاي


اول امين عام للامم المتحدة
بتسلمه مهامه في الثاني من فبراير (شباط) 1946* صار النرويجي تريغفي لاي أول سكرتير عام للهيئة الدولية. وخلال أمانته أيد تأسيس إسرائيل وإندونيسيا* وعمل من أجل وقف إطلاق النار في كشمير وسحب القوات السوفياتية من إيران. وعارض ايضا انضمام اسبانيا لهيئته بسبب معارضته لحكومة الدكتاتور فرانكو.

لكنه بدأ الطريق نحو استقالته عندما أثار غضب موسكو عبر تحشيده الدعم للدفاع عن كوريا الجنوبية بعد غزوها بفضل الغطاء الجوي الذي قدمته للشق الشمالي والصين. ولم يكن الاتحاد السوفياتي هو الوحيد الغاضب. فقد واجه الانتقادات في مرابع أخرى بسبب فشله في التوصل الى نهاية أسرع للحرب الكورية* وأيضا لإخفاقه في تسهيل المفاوضات الرامية لفك «حصار برلين» السوفياتي (يونيو / حزيران 1948 - مايو / ايار 1949).

وكأن كل هذا لا يكفي* فقد انتقده البعض قائلين إنه ألعوبة في يد قلة قليلة في سكرتارية الهيئة الدولية* بينما وصمه البعض بالغطرسة والغرور والجهل بهموم رجل الشارع. ولدى إعادة انتخابه في 1950 رفض الاتحاد السوفياتي الاعتراف بأمانته* واتهمه السناتور الأميركي المتطرف جوزيف مكارثي (صاحب «المكارثية») بتوظيف «الأميركيين الخونة»* فقدم استقالته في نوفمبر (تشرين الثاني) 1952* في العام الأول من ولايته الثانية.

داغ هامَرْشولد


ثاني امين عام للامم المتحدة
هذا الاقتصادي والدبلوماسي والكاتب السويدي هو الأمين الثاني للهيئة (1953 - 1961). وصفه الرئيس جون كنيدي بأنه «أعظم رجل دولة في القرن العشرين». وهو الوحيد الذي منح جائزة نوبل للسلام بعد وفاته في حادث سقوط طائرته الشهير في شمال روديسيا (زيمبابوي الآن).

ورغم أن ثلاثة لجان حققت في ظروف الحادث* فلم يتوصل أي منها لتحديد السبب. لكن نظريات المؤامرة مازالت تسود بهذا الشأن حتى اليوم. وقد أجج لهيب التكهنات الرئيس الأميركي هاري ترومان الذي قال صراحة إنه «قُتل». وقيل إن أجهزة المخابرات الغربية* التي كانت تنشط بكثافة في الوضع السياسي في المستعمرة البلجيكية الكونغو* هي التي دبرت الحادث سعيا لإنهاء مساعيه لتغيير الأمر الواقع في افريقيا السوداء.

ومصداقا لهذا القول أعلن كبير قساوسة جنوب افريقيا ديزموند توتو في اغسطس (اب) 1998* عندما كان يترأس «لجنة الحقيقة والمصالحة»* أن ثمة خطابات تثبت أن «إم آي 5» البريطانية و«سي آي ايه» ومخابرات بلاده هي التي دبرت الحادث.

كورت فالدهايم


رابع امين عام للامم المتحدة
بعد وفاة البورمي يو ثانت* الذي نبذته طغمة بلاده العسكرية لكونه الأمين العام للأمم المتحدة غير المعترفة بشرعيته* صار النمساوي كورت فالدهايم أمينها الرابع (1972 - 1981). الاتهامات الخطيرة بأنه كان ضابطا نازيا شارك في إرسال 40 ألف يهودي يوناني الى معسكرات الاعتقال «آوشفيتز»* جاءت بعد نهاية أمانته وقبل توليه الرئاسة في بلاده (1986 - 1992).

لكنه عانى خلال ولايته بالأمم المتحدة من ضغوط إسرائيلية وأميركية قاسية لعدة أسباب منها اهتمامه بالنزاع العربي - الإسرائيلي وبحثه عن سبل لحلها تختلف عن مخططات وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر. ومنها أيضا إدانته «عملية عينتبي» الإسرائيلية في يوغندا لتحرير الطائرة المختطفة باعتبارها «انتهاكا خطيرا للسيادة الوطنية لدولة عضو بالأمم المتحدة». ومنها أيضا أنه رفض ارتداء «الكيبّا» (الطاقية) اليهودية خلال زيارته «نصب المحرقة التذكاري» في إسرائيل.

بطرس غالي


سادس امين عام للامم المتحدة
تولى غالي الأمانة السادسة (1992 - 1996) وصار الوحيد الذي يخفق في تجديد ولايته (بسبب الفيتو الأميركي ضده). وتبعا لبعض المصادر فقد تحدث غالي في الجزء الأول من مذكراته عن أن أحد الأسباب وراء العداء الأميركي له هو مصارحته سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة* مادلين أولبرايت* بأنه قد يضطر لإصدار نقد «غير عنيف» لسياسات أميركا* وأنها امتنعت عن التحدّث إليه بعدها وبدأت مشاكله التي لم تنته حتى إطاحته.

ومن جهته يقول مارك بروزونسكي وهو كاتب يهودي صديق لغالي وغير مرضي عنه في إسرائيل* إن السبب هو إصرار غالي على نشر تقرير يحمّل إسرائيل المسؤولية عن مذبحة قرية قانا بجنوب لبنان في أبريل (نيسان) 1996. وجاء في التقرير أن القوات الإسرائيلية «تعمدت» قصف مقر آمن تابع لأمم المتحدة بعد لجوء المدنيين إليه هربا من عملية «عناقيد الغضب» التي شنتها إسرائيل على لبنان. أدى قصف المقر إلى مقتل 106 من المدنيين وإصابة الكثير بجراح.

ويقول بروزونسكي إن غالي تعرض لضغوط هائلة من واشنطن ونيويورك وتل أبيب لمنعه من نشر التقرير. وتراوحت هذه الضغوط من الرجاء المهذب أولا إلى الوعيد والتهديد باستخدام الفيتو الأميركي للحؤول دون إعادة انتخابه لولاية ثانية وهو ما كان.

ونشر غالي تقريره ولكن.. من يضحك أخيرا يضحك كثيرا. فقد اجتمع أعضاء مجلس الأمن للتصويت على قرار يدين إسرائيل* لكن الولايات المتحدة أجهضت القرار باستخدام الفيتو ومضت لاستخدامه مجددا من أجل حرمان غالي من الولاية الثانية. وإلى اليوم يعتبر العديد من المراقبين حالة الدبلوماسي المصري دليلا على وقوع الأمم المتحدة تحت السيطرة الأميركية الكاملة.

كوفي أنان


سابع امين عام للامم المتحدة
تولى هذا الدبلوماسي الغاني أمانة الهيئة الدولية السابعة من 1997 إلى 2006 حين خلفه أمينها الحالي بان كي - مون. ومن أجل جهوده وجهود هيئته «من أجل عالم أفضل»* اقتسم الاثنان جائزة نوبل للسلام في 2001. على أن سيرة هذا الرجل الناصعة تلطخت بما بعرف باسم «فضيحة النفط من أجل الغذاء» وفي ما يلي مختصر لها:

طفت تقارير في ديسمبر (كانون الأول) 2004 تفيد أن كوجو أنان* نجل الأمين العام* تسلم أموالا من شركة «كوتيكنا انسبيكشنز إس ايه» السويسرية التي فازت لتوها بعقد مربح في برنامج الأمم المتحدة «النفط العراقي مقابل الطعام». وسارع أنان الأب لتشكيل لجنة تحقيق خاصة للنظر في الأمر برئاسة الأميركي بول فولكر.

وخضع أنان نفسه لتحقيقات اللجنة. فأنكر أولا أي اتصال له بالشركة السويسرية* لكنه عاد وقال إنه التقى مرتين بمديرها التنفيذي* ايلي جورج ماسي. وقد برأ تقرير اللجنة النهائي الأمين العام شخصيا من أي جرم* لكنه أدان قبرصيا يدعى بنان ***ان ظل يعمل للأمم المحدة عى مدى 40 عاما وعيّنه أنان أحد المشرفين على برنامج النفط نقابل الغذاء.

وقال التقرير إن ***ان طلب الى العراقيين إمداد شركة «آفريكان ميدل إيست بتروليام» بالنفط في انتهاك صريح لأخلاقيات مهنته* رغم دفع المتهم ببراءته وبأنه «كبش فداء لأنان». وانتقد التقرير أيضا الهيئة الدولية ومجلس أمنها بسبب الإهمال والتراخي. وأوصى بمنصب جديد لضابط أعلى لشؤون العمليات يشرف على مسؤوليات الإدارة المالية التي كانت تتبع لمكتب الأمين العام. كما أدان عددا من الشركات الغربية* بما فيها «إس ايه» السويسرية* والشركات الشرق أوسطية.

ايلاف