لترجماته العديدة من الشعر الألماني ودوره في بناء الجسور الثقافية بين ألمانيا والعالم العربي قرر معهد غوته منح ميداليته السنوية إلى الشاعر والمترجم اللبناني فؤاد رفقة* أحد مؤسسي مجلة "شعر" البيروتية المشهورة.

"كان لقائي بالفكر الألماني زلزالاً هز كياني": هذا ما حدث للشاعر اللبناني فؤاد رفقة عندما دخل ذات يوم في مطلع شبابه مكتبة معهد غوته في بيروت. كان يشعر بالملل* فتناول كتاباً كيفما اتفق وراح يقلب في صفحاته. غير أن هذه الصدفة كانت اكتشافاً مذهلاً غيّر مجرى حياته. طالع رفقة "مراثي دوينو" للشاعر النمسوي راينر ماريا ريلكه مترجمةً إلى الانكليزية فملكت عليه نفسه* وقرر في تلك الساعة أن يدرس اللغة الألمانية لكي يترجم "المراثي" عن لغتها الأصلية مباشرة.

"كنت ضائعا في صحراء دون نجوم"

حقق رفقة حلمه عندما نال منحةً لدراسة لغة غوته في ألمانيا* وتحديداً في مدينة غوتينغن. بعد ذلك انتقل الشاعر الشاب إلى جامعة توبينغن المشهورة في جنوب ألمانيا حيث درس الفلسفة وكتب أطروحته عن "الجمال عند هايديغر". عن تلك الفترة يقول رفقة في حواره مع دويتشه فيله: "في توبنغن تعرفت بصورة شاملة وعميقة قدر المستطاع على الشعر والفكر الألماني. كما لو كنت ضائعاً في صحراء دون نجوم بدأت أتلمس طريقي. المرحلة في توبينغن كانت بالفعل نقطة تحول كبير في حياتي الإبداعية."
تلاحم فريد بين الشعر والفلسفة

كان لقاء رفقة بالشاعر ريلكه اكتشافا مذهلا غير مجرى حياته كان رفقة من أول مَن عرفوا القارئ العربي بالشعر الألماني عبر مجلة "شعر" البيروتية الأسطورية. كان أحد أهداف "شعر" إطلاع القارئ العربي على إنجازات الحداثة الشعرية في الغرب. غير أن الترجمات المنشورة في المجلة كادت تقتصر على اللغتين الفرنسية والانكليزية. يتذكر الشاعر والمترجم فؤاد رفقة تلك الفترة ويقول في حديثه مع دويتشه فيله إن باب الأدب الألماني كان مغلقاً أمام القارئ العربي بسبب حاجز اللغة. "ويسعدني جداً أن أكون من البادئين الأوائل بالتعريف بالتجربة الألمانية* إنْ كان شعراً أو فكراً." وهكذا شرع رفقة في ترجمة شعراء ألمان كبار* مثل ريلكه وهولدرلين وغوته ونوفاليس وتراكل وبريشت.

ونتيجةً لما يسميه رفقة "مغامرة شعرية وفكرية" حصل أستاذ الفلسفة على ميدالية غوته هذا العام التي يعتبرها شاعر "أنهار برية" تتويجاً لمسيرته الإبداعية. التزاوج بين الفكر والشعر أثرى تجربة رفقة* وربما لم يلتق الشعر والفلسفة لدى شاعر عربي مثلما حدث مع صاحب "عودة المراكب" الذي يقول لدويتشه فيله: "أنا في طبيعتي ميال إلى الفلسفة* ومن الطبيعي أن تغتني تجربتي الشعرية بانفتاحي على التجربة الألمانية* لأنها مزيج من الشعر والفكر. ما من شاعر ألماني مهم إلا وله خلفية فلسفية* ولا يمكن أن تفهمه دون هذه الخلفية. وما من فيلسوف كبير إلا ويلتجأ إلى الشعر ويستشهد به دعماً لمواقفه الفلسفية."

ويعتبر رفقة أن هذا التلاحم بين الشعر والفلسفة مميز للثقافة الألمانية* أما في دول الغرب الأخرى فيُنظر إلى الشعر على أنه "انفجارات عاطفية"* مستثنياً ثقافتين من تلك النظرة: "الحضارة اليونانية الكلاسيكية والحضارة الألمانية المعاصرة."

هذا الشاعر الخافت الصوت بلغ الثمانين وما زال على وفائه وحماسته للشعر والترجمة* وآخر ما ترجمه الشاعر اللبناني صدر حديثاً بعنوان "قصائد ألمانية معاصرة" عن دار نلسن. وتمثل هذه الانطولوجيا وكذلك فوزه بميدالية غوته فرصة للعودة إلى ترجماته وأشعاره. وسيستلم رفقة هذا الوسام الأدبي مع الفيلسوفة المجرية أغنيس هيلر والناقد الأمريكي جون شباليك في احتفال يُقام في مدينة فايمر في الثامن والعشرين من أغسطس (آب)* ذكرى مولد أمير الشعراء الألمان يوهان فولفغانغ فون غوته.

دويتشه