بنغازى فى عهد بالبو
تنفست ليبيا باكمالها الصعداء بعد رحيل بادوليو وغرازيانى عنها ورات فى رحيلها نهاية اتعس
مرحلة عرفها الصراع الليبي الايطالى غير ان ما خلفته هذه المرحلة فى النفوس من ذكريات
مؤلمة وتاثيرات مريرة لم تنته بعد فقد ظلت الجراح تدمى والقلوب تنطوى على الحسرة والاسى
وكان كل شىء يشير الى الماسى القريبة غرازيانى الذين لا يزالون يتجولون فى الشوراع والاسواق
اليتامى والارامل الذين فقدوا ذويهم فى السجون والمعتقلات وعلى اعواد المشانق ابناء الجبل
الاخضر الكرام الاعزاء الذين جاءو للمدينة بحثا عن العمل بعد ان اغتصبت اراضيهم وابيدات حيوناتهم
بقايا الاسر التى عادت من العقيلة ولم تنته بعد من رواية ما حاق بها فى معتقل العذاب
لم تابه بنغازى وبقية برقة بالحاكم الجديد ولا بشهرته العالمية وماضيه المثير فقد تعودت على تغير
الحكام وظلت اهداف ايطاليا الاستعمارية ثابتة لا تتغير غير ان بالبو لفت الانظار اليه بنشاطه
وحيويته واهتمامه بالعنصر العربى ومحاولة التودد اليه بالاضافة الى اطلاقه سراح المساجين
السياسين والمعتقلين واهتمامه بالمساجد واضرحة الاولياء والاهم من كل ذلك حملته على غرازيانى
وازالة جميع اثاره واسم زوجته من مصيف جليانة فقد شعر العرب انه يختلف عن اسلافه وانه ربما
جاء لتطبيق سياسة جديدة تثير الفضول والاهتمام ولمس المتصلون به انه يبدو صادقا فى رغبته
فى تحسين اوضاع العرب وقابل العرب سياسة بالبو الجديدة بحذر لانه من ابرز رموز النظام الفاشيستى
ولان التجارب الماضية لا تبعث على الثقة فى ايطاليا وفى منفذى سياستها وبالرغم من هذى المشاعر
المختلفة فقد شعر الناس بشىء من الاطمئنان الى بالبو الذى كان يحسن معاملتهم ويعدهم بتطوير
اوضاعهم الى الافضل ومن الطبيعى ان هذه السياسة الابوية التى تبعها بالبو تحدث بعض التاثيرات الايجابية
فى جميع انحاء ليبيا
وكان الايطاليون فى اغلبهم غير راضيين عن سياسة بالبو غير انهم مع ذلك تاثروا بها وتاثرت بها ايضا
تصرفاتهم فى التعامل مع العرب
وساد بنغازى فى فترة حكم بالبو شىء من الاستقرار والهدوء ورفعت الكثير من القيود واصبح السفر خارج البلاد سهلا وتدفقت على الاسواق السلع المستوردة من الدول المجاورة كذلك الصحف والمجلات والكتب العربية وعاد تصدير الاغنام بكثرة الى مصر عن طريق البحر والبر وغدت اذاعة القاهرة الغذاء الروحى
للناس وكثر الحديث الايطاليين عن مساهمة الجنود الليبيين فى الانتصار على اثيوبيا وبناء الامبراطورية
وزاد التقارب بين الاسر المتجاورة وبين الموظفيين فى العمل واقبلت الايطاليات على تعليم طهى كسكسى
من جارتهن الليبيات وفى عيد الكرنفال كان الايطاليون والايطاليات يقترضون من جيرانهم ومعارفهم الملابس
الليبية للظهور بها فى الحفلات التنكرية وتعلم الاطفال الايطاليون اللغة العربية والكثير من عادات الاطفال
العرب والعابهم
وتاثرات بنغزى بما كان يجرى فى شقها الغربى من تطور فى السكن والمبانى فاستعمل العرب فى دورهم
البلاد الملون الزليز والرخام والحمامات والمطابخ الحديثة ودخلت الكهرباء والمياة الجارية جميع المنازل
واخذت تتراجع المنازل القديمة الكبيرة لتحل محلها شقق ومنازل حديثة صغيرة تطل شرفاتها ونوفذاها
على الشارع واصبح الناس فى غير حاجة الى مخازن للغلال والمؤن وادوات للحرث والزراعة وتطورت
منازل الفقراء وقسمت بدورها الى اكثر من مسكن وزالت ساحاتها الترابية وتعود العرب على الجير والاسمنت بدلا من الطين والتبن واسقف السنور التى شيدت بها بنغازى القديمة وظل مسكن الاسرة
الكبير فانما يضم جميع افرادها بما فيها الابناء المتزوجون وانفصل عن الاسرة بعض الابناء المقتدريين
واستقلوا بسكنهم
وتطورت اوضاع العرب اجتماعية والاقتصادية فى غهد بالبو تطورا ملحوظا وخاصة الشباب فالجيل الذى ولد
وشب فى العهد الايطالى وجد نفسها منجذبا نحو الحضارة والثقافة ونوعية الحياة الايطالية فارتدى معظم ابناء
هذا الجيل الملابس الاوربية وتخلى بعضهم عن غطاء الراس التقليدى وتعلمو اللغة الايطالية وتكلموها
بطلاقة ومارسو الرياضة وقادوا السيارات رغم قلتها وتعودا على ارتياد المقاهى الايطالية وتعلموا لعبة البليادرو وترددوا على دور الخيالة والمسارح والمطاعم الايطالية حيث كانو يقضون سهراتهم مثل الايطاليين
وكانت هذه الفئة من الشبان من بين الموظفيين فى دوائر الحكومة والشركات او ممن كانوا يعلمون فى مياديين التجارة والخدمات والنقل والاعمال الاخرى التى كان يحتكرها الايطاليون واليهود وسمح لهم ببمارستها غير ان اختراقهم للمجتمع الايطالى كان محدودا وظل الفصل العنصرى يقف حائلا دون هذا الاختلاط وقد اثر ذلك على نفسيتهم لانهم كانو الاكثر حساسية من التمييز العنصرى الذى حوالهم الى اشد الناس عداء وكرها لايطاليا وكانو فى سهراتهم الليلية فى المرابيع لا يكفون عن التذمر والشكوى من الايطاليين ومن الوضع المتدنى الذى يعيشون فيه
وكانت هناك فئة اخرى من الشباب البنغازى اقتحمت ميدان العمل الحرفى فعملت مع الايطاليين فى مجالات
الميكانيا والحدادة والنجارة والكهرباء والنقل والادوات الصحية وغيرها من الخدمات وقد انمجوا مع زملائهم الايطاليين الذين كانوا لا يقيمون وزنا لقوانيين العنصرية وقد تعلم الشبان العرب منهم المهنة وكانوو يتحدثون الايطالية بلهجاتها الاقليمية كما يتحدثها زملاوهم الايطاليون وكانوو الاكثر اندماجا فى المحيط
فيما بعد فى المجالات الصناعية والحرفية
وقد انتشر تعاطى الخمر بين الشباب فى تلك الفترة تاثرا بالايطايين وساعد على ذلك انتشار الحانات الايطالية واليهويدة داخل الاحياء العربية والايطالية على السواء وشجع على تعاطيها ايظا المشروب البوخة
الردى والرخيص الذين كان يقوم اليهود بتقطيرها من التمور ويوزع بصورة خاصة فى الاحياء العربية
ولا يحتسيه سوى العرب واليهود الذين يعدون لانفسهم انواعا افضل وكان بعض العمال وغيرهم من الفقراء
يقبلون على تعاطى البوخة والنبيذ الردى الذى كانت تقدمه الحانات الايطالية
وكانت الاعراس تدوم عدة ايام حيث يقضى العراسة اصدقاء العريس سهراتهم فى انس وطرب وتناول
الطعام والكحول
وكانت النزهات الخلوية الزردة والسهرات الخاصة لا تحلو بالنسبة للبعض الا بوجود المشروبات الكحولية
وكان تاثير شرب الخمر على العمال الفقراء تاثيرا سيئا حيث كان الفرد ينفق جزءا من دخله على الشراب فى الوقت الذى كان اولاده احوج اليه منه ولم تدخل الخمر الخمر بنغازى فى العهد الايطالى بل كانت
معروفة منذ العهد العثمانى حيث كانت قلة من الناس المختلطيين بلاتراك والاجانب يتعاطونها وكانت تستورد
من اليونان وايطااليا ولا شك ان الايطاليين كانو مرتاحيين للذلك وعملوا على انتشارها بين العرب
بتوزيع اكبر عدد من الحانات داخل الاحياء العربية
الا ان غالبية المسلمين الساحقة ظلت محافظة على عقيدتها ولم تعرف الخمر ولا غيرها من المغريات الايطالية
لم تعرف الفتاة البنغازية اى نشاط اجتماعى او ثقافى ملحوظ طيلة فترة الاستعمار الايطالى وقد تاسست
اواسط العشرينات مدرسة للبنات فى بنغازى كان الاقبال عليها فى بادى الامر محدودا بسبب العادات
والتقاليد المستحكمة وقد كان لها الفضل فى خروج الفتاة من الدار وتعلمها ونوعيتها
وتعلمت الفتاة في المدرسه اللغتين العربية والايطالية وتعلمت التطريز والرسم ومبادئ الصحة ؤالتدبير المدرسي وصناعة السجاد والاهم من كل ذلك فقد تمكنت الفتاة من الخروج الي الشارع ومشاهدة العالم الذي حولها وتكوين صدقات مع زميلاتها واصبحت تقرا المجلات والكتب وتنمي معلوماتها وقدراتها الثقافيه ؤزاد اقبال الناس على المدرسة وارتفاع عدد الطالبات عدة مئات وتاسست مدرسة تانية للبنات فى البركة
وقد ساهمت عدة عوامل فى طلال الفتاة على الحياة من بنها تطور الحياة الطبيعى وقناعة اغلب الاباء بتعليم
الفتاة ومساهمتها فى المجتمع ثم تاثير الجاليةالقريتلية فى المجتمع البنغازى عن طريق التزواج والانداماج
الا ان القيود التى فرضها المجتمع على الفتاة ظلت تنقل كاهلها وتحد من انطلاقها نحو الافاق التى تتلائم مع طموحوتها وقدراتها
وساهمت الحكومة الايطالية فى توسيع مساهمة الفتاة فى مجتمعها وذلك بانشاء مدرسة للقابلات الليبيات
كان يلحق بها الفتيات من اسر محترمة واقتنعت بعض العائلات الكريمة بفائدة الفكرة فالحقت بالمدرسة
بناتها وقد تخرجن ونجحن فى مهمتن وقدمنللمجتمع خدمات ثمينة فى فترة الادارة البريطانية حيث كن الوحيدات الملقاة على عائقهن هذه المسئولية وتاسست فى نفس الوقت مدرسة للممرضات الليبيات
اللتحق بها العديد من الفتيات وكانت هذه المرة الاولى التى تقتحم فيها الفتاة الليبية ميدان العمل فى مجال الطب والتمريض وفى اواخر عام1939 كانت خديجة محمد الساقزلى اول فتاة ليبية تدرس الطب وتدخل مرحلة تعليم الجامعى حيث التحقت بكلية الطب بجامعة فلورنسا بايطاليا
ولم تتاثر عادات الزواج وحفلاته وطقوسه بتطور نوعية الحياة التى كانت ثمر بها البلاد فقد ظلت الاعراس
تتواصل ما بين ثلاثة وسبعة ايام وتمر بجميع المراحلوالتقاليد المتبعة وترضخ الفتاة لجميع ما يطالب
منها من تحركات واعمال للتخلص من شرور الارواح والعين والحساد ومن اجل السيطرة على الرجل وتدجنيه
وظلت البطانية الحمراء المقلمة تلاحق العروس فى يوم زفافها فقد كانت العروس فى الفترة لماضية تسير على قدميها من دارها الى دار الزوجية ومعها بقية النساء تحت البطانية الحمراء كما سبق وذكرنا ثم تطورت
الاوضاع الاجتماعية فاصبحت العروس تزف فى عربة الا ان البطانية الحمراء ظلت تلتف على العربة كى لايرى المارة من بدخلها ثم حلت السيارة واصبحت وسيلة لنقل العروس الى دار الزوجية الا ان البطانية الحمراء لا حقت السيارة والتفت حولها ايضا
وبالرغم من جميع القيود الاجتماعية استطاعت الفتاة البنغازية كما ذكرنا ان تصل الى الجامعة وان تكت فى مجلة البيت المصورة وان تنظم الشعر وان تفرض وجودها تريجيا على مجتمعها واستطاعت ايضا ان تقتحم
ميدان الاعمال الحرة
)))))))))))))))
بنغازى فى فترة الاستعمار الايطالى
وهبى احمد البورى
ص267
ص268
ص269
ص270