الحكــومة الإلكترونيـة ...رؤية جماهيرية..




أولاًُ : مفهوم الحكومة الإلكترونية :-

نظراً لحداثة مفهوم الحكومة الإلكترونية فإنه تتعدد وتتباين التعريفات حيث تعرف الحكومة الإلكترونية بما يلي :-

- تعرف بأنها " تحويل المعاملات الحكومة مع مؤسسات الأعمال أو المواطنين إلى الصورة الإلكترونية المتكاملة وفي إطار من الشفافية الكاملة والوضوح لكل ما يتم من إجراءات داخل دائرة صنع القرار الحكومي " (1)

- كما تعرف بأنها " التحول في تقديم الخدمات الحكومية من الأسلوب التقليدي إلى تقديم هذه الخدمات من خلال وسائل تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات باستخدام الإنترنت والشبكات بأنواعها المحلية والمتسعة مع وسائل الاتصالات التلفونية الثابتة والمحمولة من أي مكان وفي أي زمان " (2) .

ثانيا : متطلبات تطبيق الحكومة الإلكترونية

تعتبر الحكومة الإلكترونية تحولاً شاملاً في المفاهيم و النظريات و الأساليب و الممارسات التي تقوم عليها الإدارة العامة ’وهي ليست شعاراً يرفع أو طموح يمكن تحقيقه من خلال خبرة مستوردة أو وصفة جاهزة بل أنها عملية معقدة و منظومة متكاملة من المكونات البشرية و التقنية المعلوماتية و المالية و التشريعية و البيئية و غيرها و هذا يتطلب توفير مجموعة من المتطلبات أهمها :- (3)

1-البنية التحتية للاتصالات :-
و تعتبر البنية التحتية للاتصالات من أهم الركائز الأساسية لقيام الحكومة الإلكترونية , و تتمثل البنية التحتية في خطوط الاتصالات من الألياف الضوئية و توافر الخطوط التليفونية و انتشار خدمات نقل المعلومات بالصوت و الصورة عبر شبكة الإنترنت .

2-انتشار الحاسب الآلي :-
لا يمكن تطبيق الحكومة الإلكترونية بدون انتشار الحاسب الآلي في كل مؤسسات المجتمع و كل الهيئات و المنظمات الحكومية و غير الحكومية و توفره لكل بيت حتى يسهل تقديم الخدمات للأفراد .

3-انتشار الإنترنت :-
يعتبر الإنترنت الأساس فى عمل الحكومة الإلكترونية , حيث يمكن للفرد الدخول من خلال الإنترنت على موقع تقديم الخدمات الحكومية التي يرغب في الحصول عليها وهذا يتوقف على نوعية الخدمة المقدمة من الحكومة إلى الأفراد .

4-التشريعات :-
يتوقف عمل الحكومة الإلكترونية على مدى وجود التشريعات التي تحكم هذا العمل , فالتعامل القائم على النظام الرقمي من خلال أجهزة الحاسب الآلي و الانترنيت و ما يتوافر من بيانات شخصية و سرية للمواطنين و من ثم فهي معرضة للسطو عليها أو إساءة أستخدمها و بالتالي لابد من وجود تشريعات و قوانين تحمى هذه البيانات .

5-التعاون الوثيق بين مختلف القطاعات :-
فى كثير من الأحيان يتطلب تقديم الخدمة للمواطن التعامل مع أكثر من جهة حكومية و الحصول على موافقات عديدة مما يستلزم ضرورة دراسة العلاقات و التداخلات بين القطاعات الحكومية المختلفة المرتبطة بتقديم هذه الخدمة و يتطلب ذلك تعاوناً وثيقاً بين الجهات الحكومة المختلفة لإنجاز هذا العمل في أفضل صورة

6-أعادة هندسة إجراءات العمل الحكومي :-
بمعنى أن تكون البيانات المستخدمة في الحكومة الإلكترونية مسجلة رقمياً , لذلك يلزم تحويل المستندات و البيانات الحكومية إلى المنظومة الرقمية حتى يمكن تحويلها إلى خدمة تقدم للمواطنين المتعاملين , وبالتالي إحداث تغيرات جوهرية في أسلوب العمل الحكومي .

7-تطوير نظم التعليم و التدريب :-
إن تطبيق نظام الحكومة الإلكترونية يتطلب إحداث تغيرات جذرية فى نوعية العناصر البشرية , وبالتالي لابد من النظر في نظم التعليم و التدريب لمواكبة هذا التحول الجديد بما في ذلك الخطط و البرامج و الأساليب و المصادر التعليمية و التدريسية على كافة المستويات .

8-التوعية الاجتماعية بثقافة الحكومة الإلكترونية :-
إن العمل بنظام الحكومة الإلكترونية نشر ثقافة تتناسب مع الأهداف الجديدة , بحيث تكون هناك ثقافة إلكترونية تتناسب مع معطيات الحكومة و تساعد على سهولة التعامل مع الواقع الجديد .

9-التخطيط المالي و رصد المخصصات الكافية :-
و يقصد به أعادة النظر في نظام الأولويات و توفير الأموال الكافية لأجراء التحول المطلوب وفقاً لإطار زمن ملائم .

ثالثا : أنواع الخدمات التي تقدمها الحكومة الإلكترونية :-

يمكن تقسيم الخدمات التي تقدمها الحكومة الإلكترونية إلى ثلاثة أنواع هي (4)

1-خدمات بين الجهات الحكومية نفسها :-
و هي الخدمات التي تتم بين الجهات الحكومية بعضها البعض مثل تبادل البيانات و الخدمات الإلكترونية بين الوزارة و فروعها المختلفة في المحافظات والشعبيات و المناطق أو المدن المختلفة .

2-.خدمات الحكومة لقطاع الأعمال :-
و هي الخدمات التي تؤديها الحكومة الإلكترونية لشركات قطاع الأعمال العام و الخاص مثل إصدار التراخيص و شهادات المنشأ و صحة التوقيع الإلكتروني و غير ذلك .

3-خدمات الحكومة للمواطنين :-
و هي الخدمات التي تؤديها الحكومة لجمهور المواطنين مثل سداد فواتير الكهرباء و التلفون أو مخالفات المرور و حجز الطائرات و القطارات و تنسيق القبول بالجامعات أو إعلان نتائج الامتحانات و الاختبارات و غير ذلك من الخدمات .

ثامناً :- نماذج من خدمات الحكومة الإلكترونية عبر الإنترنت :-

يمكن عرض بعض نماذج الخدمات التي تقدمها الحكومة الإلكترونية عبر الانترنت فيما يلي :- (5)

أ- الخدمات المرتبطة بسداد الالتزامات :-
و تشمل هذه الخدمات مجموعة الخدمات المتعلقة بدفع الضرائب و الجمارك و الرسوم و سداد الاشتراكات و الأقساط و غير ذلك .

و تتميز هذه الخدمات بإمكانية أن ينجزها الشخص بنفسه أو ينجزها أي شخص نيابة عنه , أي أنها لا تتطلب التحقيق من شخصية طالب الخدمة , و تتضمن هذه الخدمات نوعاً واحداً من الحركة و هو حركة الدفع من طالب الخدمة , لا يحتاج من الجهة الحكومية سوى إيصال السداد , و يمكن أن تتم هذه الحركة بدون أي مشاكل و يكون سند السداد هو التحويل البنكي أو مستند الخصم المالي وفق نمط السداد المستخدم .

ب-.الخدمات المرتبطة بالحصول على وثائق ذات طبيعة عامة :-
و تشمل هذه الخدمات مجموعة الخدمات المتعلقة بالحصول على نسخ من الوثائق ذات الطبيعة العامة مثل شهادات القيد في سجل التجاري و الصناعي أو بطاقة القيد فى الجداول الانتخابية , وهذه المجموعة من الخدمات تتميز بما تتميز به المجموعة الأولى , ويتطلب تقديم هذه الخدمات ميكنة الأرشيف الخاص بكل جهة حكومية تقدم هذه الخدمات و ذلك لتحويل ما لديها من وثائق إلى صورة إلكترونية يمكن أتاحتها للمستفيدين كما يمكن الجمع بين أسلوب الطلب الإلكتروني حيث يقوم المواطن باستيفاء النماذج المعدة لذلك على موقع الجهة الحكومية على شبكة الإنترنت و سداد الرسوم المطلوبة باستخدام بطاقة للائتمان , ثم تقوم الحكومة الإلكترونية بعد ذلك بإرسال الوثيقة أو الشهادة المطلوبة باستخدام البريد .

ج-.الخدمات المرتبطة بالحصول على وثائق ذات طبيعة خاصة :-
و تشمل هذه المجموعة من الخدمات المتعلقة بالوثائق ذات الطبيعية الخاصة مثل شهادات الميلاد أو بطاقات الرقم القومي أو صور الأحكام القضائية أو جوازات السفر أو وثيقة عقد الزواج و غير ذلك , وتتطلب هذه النوعية من الوثائق ضرورة التحقيق من شخصية طالب الوثيقة و متلقيها عكس الخدمات السابقة و ذلك للحفاظ على خصوصية البيانات , وتتولى هيئة الاعتماد والتأكد من شخصية طالب الخدمة بالإضافة إلى أن استلام هذه الوثائق يجب أن يتم وفقاً لقواعد تسليم المستندات المطبقة فى كل دولة ووفقاً لمعايير خاصة بكل وثيقة على حدة , فمثلاً يمكن أن يتم تسليم بطاقات الرقم القومي من خلال البريد السريع فى حين أن تسليم جوازات و استلام جواز السفر الخاص به بشكل شخصي .

رابعا :الحكومة الإلكترونية ، رؤية جماهيرية .

إذا كانت دولة الإمارات العربية المتحدة ـ وبالتحديد إمارة دبي ـ قد خطت خطوات جادة علي طريق اقتصاد المعرفة وإتباع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتطبيقها لمفهوم الحكومة الإلكترونية والذي بدأ فعلياً عام 2000 ف ، فإن الحديث عن دولة بحجم الجماهيرية العظمي وكيفية تبني حكومة إلكترونية ، فإن الأمر جد مختلف ، وخاصة من منظور مجموعة من المقومات والركائز التي تتوفر في هذا المجتمع الجماهيري يساعد علي قيام مثل هذه الحكومة ، وإذا أردنا أن نتناول هذه الركائز والمقومات فيمكن إيجازها في الأتي : ـ

1 ـ الموقع الجغرافي الإستراتيجي للجماهيرية ، حيث تتوسط قارات العالم وملتقى طرق التجارة العالمية وهذا جعلها محط أنظار العالم من خلال هذا الموقع الفريد.

2 ـ المساحة الجغرافية للجماهيرية ، حيث تبلغ مساحتها الكلية ما يقرب من مليوني كيلو متر مربع ( 1.750 مليون كم2 ) وهذه المساحة تجعل من تطبيق مفهوم الحكومة الإلكترونية ضرورة ملحة لاتساع وتباعد الشعبيات عن بعضها البعض ويجعل من تقديم الخدمات الحكومية أمرا ضرورياً توفيراً للوقت والجهد والتكلفة المادية .

3- وجود بنية تحتية تساهم في إقامة حكومة إلكترونية تتمثل هذه البنية في انتشار الكمبيوتر والإنترنت في معظم المصالح الحكومية والإدارات بالإضافة إلى وجود منظومة من الشبكة المعلوماتية والمكتبات الرقمية والتعليم عن بعد والتعليم المفتوح الذي يعد الكوادر البشرية المؤهلة للعمل بالحكومة الإلكترونية .

4- كما يأتي علي أولوية المقومات والركائز توافر الإدارة السياسية ووجود القيادة الحرة المتمثلة في سلطة الشعب ، حيث يؤكد الكتاب الأخضر ذلك " .. يقسم الشعب إلى مؤتمرات شعبية أساسية ويختار كل مؤتمر أمانة له ، ومن مجموع لجان الأمانات تتكون مؤتمرات شعبية إدارية لتحل محل الإدارة الحكومية ، فتصبح كل المرافق في المجتمع تدار بواسطة لجان شعبية ، وتصير اللجان الشعبية التي تدير المرافق مسؤولة أمام المؤتمرات الشعبية الأساسية التي تملي عليها السياسة وتراقبها في تنفيذ تلك السياسة ، وبهذا تصبح الإدارة شعبية و رقابة شعبية .." (6)

و من هنا تأتي أهمية السلطة الشعبية وممارسة الشعب لسلطته ، وهذه الممارسة تخلق المناخ الذي يساعد علي الأخذ بمبدأ الحكومة الإلكترونية والتي تقضي علي مظاهر الروتين وتختصر الوقت والجهد وتوفر الكثير من الأعباء المالية .

5 - وجود السند القانوني والمبرر العلمي للتعامل مع كل أنواع المعارف و التكنولوجيات الحديثة " … فالمجتمعات التي تمنع المعرفة والتي تحتكرها هي مجتمعات رجعية متعصبة للجهل معادية للحرية ….. " وأيضا " … المعرفة حق طبيعي لكل إنسان وليس لأحد الحق أن يحرمه منه بأي مبرر …. " (7) .

6 ـ كما تتمتع الجماهيرية بأهم المقومات والتي تلعب دوراً مهماً في نشر اقتصاد المعرفة والأخذ بمبدأ الحكومة الإلكترونية ألا وهو الجانب الاقتصادي ، والذي يتمثل في عائدات النفط والثروات الطبيعية الأخرى والسياحة والزراعة وغير ذلك وهذا الجانب الاقتصادي تعول عليه الجماهيرية كثيراً في التوجه نحو تطبيق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في ظل التحولات والمتغيرات العالمية .

تلك هي أهم المقومات والركائز اللازمة لقيام حكومة إلكترونية ، ومن ثم فإن الأخذ بهذه الحكومة هي حاجة ملحة في ظل المتغيرات العالمية علي أن يكون تطبيق هذا المفهوم متمشياً مع البيئة المحلية ومراعياً خصوصيات المجتمع وعاداته وتقاليده ، وهذا ما يؤكد توجهاتنا نحو حكومة إلكترونية ، رؤية جماهيرية

مراجع البحث :-

1-نبيل علي , نادية حجازي :الفجوة الرقمية , رؤية عربية لمجتمع المعرفة عالم المعرفة , العدد 318 أغسطس 2005 مطابع السياسة الكويت صـ60 .

2-أحمد على أحمد حسين : متطلبات الحكومة الإلكترونية – بحث منشور فى المؤتمر العلمي العربي الأول (( الثقافة الإلكترونية فى البيئة العربية : التعليم و البحث العلمي – الصحـة – الحكومـة إلكترونية )) مـن 20- 21 /7/2005 ف – جمعية الثقافة من أجل التنمية بسوهاج بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي و التكنولوجيا – مصر ’صـ11 .

3.حسنى محمد إبراهيم : تطور الحكومة الإلكترونية – مرجع سابق , ص3

، نائل عبد الحافظ العولمة , نوعية الإدارة و الحكومة الإلكترونية فى العالم الرقمي دراسة استطلاعية – مجلة جامعة الملك سعود – المجلد الخامس عشر – العلوم الإدارية (2) 2003 ,صـ269 .

4. حسنى محمد إبراهيم : تطور الحكومة الإلكترونية – مرجع سابق

صـ 3.2 .

5. حاتم القاضي :خدمات الحكومة الإلكترونية فى مصر , تجربة واقعية – ندوة الحكومة الإلكترونية المنعقدة بكلية الحاسبات و المعلومات بجامعة أسيوط و أكتوبر 2003ف صـ5-7

،ليث سعد الله حسين إبراهيم : الحكومة الإلكترونية و تأمين خدمات و أداء متميز لمستقبل الإدارة العامة – المجلة العربية للإدارة – المجلد الرابع و العشرون – العدد الثاني – ديسمبر 2004 ف ,صـ 114, 116 .

6. معمر القذافي : الكتاب الأخضر – الفصل الأول ص 49,48 .

7. المرجع السابق ص186,185 .






بقلم :الدكتور/ رمزي أحمد عبد الحي
أستاذ التربية المساعد - قسم التربية و علم النفس – كلية التربية براك - جامعة سبها