صحيفة المستقبل اللبنانية/مراجعة مأمون كيوان:


مرّت ليبيا عبر التاريخ الحديث بمحطات سياسية وتاريخية مهمة. ويمكن تقسيم تلك المحطات الى: فترة الحكم العثماني 1551 1911، وفترة الاحتلال الإيطالي 1911 1943، وفترة الإدارة البريطانية الفرنسية 1943 1951، وفترة قيام واستقلال الدولة الليبية، وتنقسم الى: الفترة الملكية 1951 1969 وفترة حكم العقيد معمر القذافي منذ 1969 التي تنقسم بدورها الى مرحلتين هما: مرحلة الجمهورية العربية الليبية (1969 1977) ومرحلة الجماهيرية (منذ 1977).
وتشكل تلك المحطات موضوع كتاب "الأصوات المهمّشة الخضوع والعصيان في ليبيا أثناء الاستعمار وبعده" "للدكتور علي عبداللطيف أحميدة. وهو عالم سياسي ليبي يعيش في أميركا، يخاطب في كتابه القارئ الغربي بالدرجة الأولى والقارئ العربي تالياً.
يتكون الكتاب من مقدمة ومدخل وستة فصول وخاتمة. ويستعرض الفصل الأول: التاريخ الليبي من عهد العثمانيين الى عهد الإيطاليين من وجهة نظر الاقتصاد السياسي.
ويعرف الفصل الثاني بدولة أولاد محمد (1711 1813). ويرصد الفصل الثالث التحولات الليبية من القبيلة الى الطبقة، وجذور المقاومة الليبية وسياساتها في مواجهة الاستعمار.
ويلقي الفصل الرابع الضوء على المعتقلات الجماعية لإيطاليا الفاشية في ليبيا، وصمت المؤرخين الغربيين عنها. فيما عرض الفصل الخامس ثنائية الهوية والاغتراب في الأدب الليبي بعد الاستقلال، استناداً الى "ثلاثية" أحمد ابراهيم الفقيه.
وكانت الأصول التاريخية والاجتماعية للجماهيرية محور الفصل السادس الذي عالج بنية القاعدة الاجتماعية لمجلس قيادة الثورة وكانت الطبقة الوسطى الدنيا بشكل أساسي. وكان عضوان فقط من أعضاء مجلس قيادة الثورة الإثني عشر من قبيلتين كبريين، هما محمد المقريف من قبيلة المغاربة، وأبو بكر يونس جابر من قبيلة المجابرة، إلا أن عضواً واحداً فقط، هو عمر المحيشي، كان يتحدّر من عائلة بارزة في مدينة مصراتة الساحلية. أما بقية الأعضاء، فقد كانوا يتحدرون من قبائل الدواخل الصغرى الفقيرة أو الفئات الاجتماعية الفقيرة في المدن الساحلية. وبذلك يمكن القول ان الثورة قيدت من قبل الطبقة الوسطى الدنيا المتحدرة من الدواخل والواحات ضد العائلات المتنفذة في المدن الكبيرة وشيوخ القبائل المسيطرة.
ان هدف الكتاب هو تقديم مقاربة للتاريخ الثقافي والاجتماعي الليبي وإعادة التفكير في تاريخ التحليلات الاستعمارية لليبيا الحديثة. ونقد التوجهات البحثية الراهنة حول ليبيا كونها تركز على شخصية العقيد القذافي، متجاهلة المجتمع الليبي والثقافة الليبية، واثبات ان المجتمع الليبي قد واجه، اثناء الاستعمار وبعده، تناقضات الحداثة، والابادة، والدولة الوطنية، والاستلاب.
وتتفحص فصول هذا الكتاب السيرورات الاجتماعية التي تنتج وتكيف اصوات الليبيين العاديين في استجابتهم للضغوط والفرص، مع التفات خاص الى الفلاحين والبدو والنساء والعبيد وضحايا المعتقلات الجماعية الفاشية. كما يسعى الكتاب الى لفت الانتباه الى حقيقة انه بينما يؤثر سياق ممارسات السلطة في الأهالي، فان الفاعلية الانسانية لها دورها هي الأخرى.
يعيد الفصل الأول تفحص اصول تكوين الدولة والجهوية تحت الامبراطورية العثمانية، وكيف أثرت الفوارق الجهوية في الحركات السياسية والاجتماعية، محاولا ازالة اللبس الذي يكتنف السبب الذي ادى الى اختلاف ردة فعل الليبيين ازاء الغزو الاستعماري الايطالي عام 1911، في حين يحلل الفصل الثاني مغزى المواد المحلية التي اكتشفت مؤخراً، المتعلقة بدولة اولاد محمد في فزّان التي قضت عليها الدولة القره مانللية عام 1913.
ويعارض الفصل الثالث الرؤية "التحديثية" والانثروبولوجية التي تنظر الى ليبيا تحت الاستعمار على انها خاضعة لتقاليد وايديولوجيا موغلة في القدم، مثل الدين ومؤسسة القرابة. ويقدم التحليل المتبني في هذا الكتاب من خلال معارضة الرؤية التي تنكر وجود البناء الطبقي في المستعمرات الايطالية، دلائل عيانية ونوعية على وجود الطبقة الاجتماعية من حيث هي معطى اقتصادي وثقافي في سياسة المقاومة.
ويصنف الفصل الرابع الكتابات التاريخية الفاشية، ويظهر كيف ان صمت الباحثين عن أعمال الابادة في ليبيا ادى الى تصور الفاشية الايطالية على انها شيء حميد، او اقل شراً من النازية الالمانية. يقدم هذا الفصل التاريخ الشفهي والشعر الذي رواه وأبدعه الليبيون الناجون من المعتقلات الجماعية في ما بين عامي 1929 ـ 1934.
ويحلل الفصل الخامس ثلاثية الكاتب الليبي احمد ابراهيم الفقيه من خلال التركيز على الهوية والمواجهة الثقافية والاغتراب. ويوجز الفصل السادس عبء السيطرة الاستعمارية والقومية عبر تفحصه لأصول وسياسات وحدة الدولة الجماهيرية في ما بين عامي 1997 و2003.
ويعتبر الفصل السادس من الكتاب الفصل الأكثر أهمية لجهة تحليله الموضوعي للواقع السياسي الاجتماعي الليبي، الذي استهدف بمعارضته التصوّرات السائدة وتقديمه صياغة مفاهيمية نظرية وشخصية بديلة للدولة الليبية والمجتمع الليبي، التركيز على ثلاث غايات: يقدم، أولاً مراجعة وتقييماً للأدبيات السياسية الحالية حول الدولة الليبية الحديثة. كما يدلي، ثانياً، بسرد تاريخي حول أصول وتطور الدولة الليبية مؤسَّس على آليات الحراك الداخلي للمجتمع الليبي. ويتوصل، ثالثاً، الى نتائج مرتكزة على التجربة الليبية.
ويخلص المؤلف الى الاعتقاد أن عملية إعادة تصنيف البلدان العربية والإفريقية تتطلب فحصاً نقدياً لنظريات الدولة، سواء تلك الوطنية الإفريقية أو الغربية، وتحليل تاريخ المنطقة، واستكشاف منظورات بديلة تمكّن من تفسير التطور الاجتماعي والسياسي. وغالباً ما تكون المعرفة ظرفية ومقيدة بالحدود المؤسساتية والاجتماعية. وقد تطور علم الاجتماع استجابة للمشاكل الأوروبية حين كانت أوروبا تهيمن على العالم، وبذلك كان ضرورياً أن يعكس علم الاجتماع الغربي الاختيارات الأوروبية لمواضيع علم الاجتماع ونظرياته وتقسيماته وأصوله المعرفية.
ويعتقد المؤلف أن الحكومة الليبية استمرت في عدم التعلّم من أخطائها، معتبرة النقد خيانة أو مؤامرة. وقد ولّد هذا الموقف هجرة العقول، الأمر الذي يحرم الحكومة من اختصاصيين أكفاء يستطيعون التعامل مع النظام العالمي المعقّد. وما لم يتم التسليم بالقصور ويُستدعَ الليبيون المؤهلون للمساعدة في إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية والمدنية والاجتماعية، فإن مؤسسات الجماهيرية قد لا يقيّض لها البقاء بعد القذافي. وفي هذه الحالة، ستواجه ليبيا القرن الواحد والعشرين من دون مؤسسات قوية، الأمر الذي يضع عوائق هائلة أمام قادتها، ويضع شعبها في مشقة كبيرة.