بسم الله الرحمن الرحيم

ا
لعلاقات بين السلطات المدنية والسلطات العسكرية في النظام الديمقراطي


لم تشهد الولايات المتحدة في تاريخها أي انقلاب عسكري أو أي حكم عسكري متعسف، وهو أمر نادر في بقية دول العالم. وقد يقول البعض ان جورج واشنطن ارسى السابقة برفضه مساندة جنوده في محاولتهم التمرد بعيد حرب الاستقلال عن بريطانيا احتجاجا على عدم دفع رواتبهم. وقد يقول البعض الآخر ان عزيمة الشعب الاميركي، الذي بقي ملتزما -- في اوقات العسر واليسر -- السيطرة المدنية على القوات المسلحة في البلاد. وأيا كان السبب، فان تقليد المواطن - الجندي الذي تتبعه الولايات المتحدة يثبت منذ 200 سنة جدواه وملاءمته.
ولكن دور المواطن - الجندي في العالم المعاصر يتغير باستمرار. فجنود هذا العصر يجدون انفسهم اليوم يبنون جسورا في مهمة حفظ سلام بدلا من بناء جسور لعبور معداتهم في المعارك الحربية. وتساعد القوات المسلحة اليوم أيضا في أعمال مصممة للجمع بين المدنيين والعسكريين في القيام بمهمات حفظ سلام ومهمات انسانية وعمليات اغاثة وانقاذ.
وفي هذا العدد، يؤكد ألين هولمز، مساعد وزير الدفاع الاميركي لشؤون العمليات الخاصة، على أهمية العلاقات بين السلطات المدنية والسلطات العسكرية ومستقبلها في عالم دائم التغيير. ويتحدث المؤرخ العسكري ديفيد تراسك عن وجهة النظر الاميركية في السيطرة المدنية على القوات المسلحة منذ نشوء البلاد حتى الحرب العالمية الثانية. ويركز لويس غودمان، عميد كلية الخدمات الدولية في الجامعة الاميركية بواشنطن، على العلاقات بين السلطات المدنية والعسكرية في البلدان الديمقراطية منذ بداية حقبة ما بعد الحرب الباردة حتى اليوم، ويتحدث عن مستقبلها. وأخيرا، وفي مقابلة مع الجنرال جون شيهان، القائد الاعلى لقوات الناتو في منطقة المحيط الاطلسي، يتحدث المسؤول العسكري الكبير عن مبادرة "الشراكة من أجل السلام" التي طرحها حلف ناتو، وكيف ساعدت في تعزيز العلاقات بين السلطتين المدنية والعسكرية في البلدان التي اخذت في تبني الديمقراطية مؤخرا.




شؤون مدنية: تأملات في المستقبل

بقلم ألين هولمز





في عالم تتناقص فيه المجابهات العسكرية، أخذت السلطات العسكرية الاميركية تحول اهتمامها في صورة متزايدة الى استصلاح البنية التحتية التي مزقتها الحروب، مثل اعادة بناء الجسور، وحفر الابار، ونزع الالغام من الاراضي الزراعية. وفي خطاب القاه أمام مؤتمر الشؤون المدنية لعام 1997، يصف مساعد وزير الدفاع للعمليات الخاصة والنزاعات المتدنية الحدة، الابعاد المدنية للعمليات العسكرية هذه الايام في أنحاء كثيرة من العالم.



مع دنو بزوغ فجر القرن الحادي والعشرين، تواجه الولايات المتحدة بيئة أمنية متقلبة وغير موثوق منها. وهي تمر في مرحلة تسنح فيها فرصة استراتيجية. فمع انتهاء الحرب الباردة وانحلال حلف وارسو، تراجع خطر وقوع حرب عالمية. والقيم التي نعتز بها -- مثل الديمقراطية واقتصاد السوق -- يجري اعتناقها في أنحاء كثيرة من العالم. وفي غضون ذلك، يستمر الاقتصاد العالمي المتغير وتكاثر أنظمة المعلومات الدولية في تحويل وتغيير الثقافة والتجارة والتفاعلات العالمية.
ومع ذلك، يبقى العالم مكانا غامض المستقبل، وينطوي على تهديدات لامننا القومي هي بالغة التعقيد وشديدة الخطر. فلا نزال نواجه مجموعة من الاخطار الاقليمية الشديدة في جنوب شرق آسيا، والشرق الاوسط، وشرق آسيا. وزيادة على ذلك، كما رأينا في الصومال، ويوغوسلافيا السابقة، وفي الاونة الاخيرة في أماكن مثل زائير، تهدد دول تحكمها أنظمة فاشلة، أو هي في طريق الفشل، بالتسبب في زعزعة الاستقرار ووقوع نزاعات داخلية وأزمات انسانية. وفي بعض الحالات، تفقد الحكومات قدرتها في المحافظة على النظام العام وتوفير الحاجات لشعوبها، متسببة بنشوء اوضاع تؤدي الى اضطرابات أهلية، ومجاعات، وتدفق هائل للاجئين الى بلدان أخرى، واعمال عدوانية من قبل دول مجاورة.
وفي هذا الاطار، أصبح عمل قواتنا المعنية بالشؤون المدنية أكثر بروزا ووضوحا. وقد شاهدنا خلال أربع سنوات قصار، أهمية متزايدة للشؤون المدنية في عمليات عسكرية غير الحرب. وزيادة على ذلك، فأن ضباط اركان ومخططي قواتنا التقليدية، وقد تبينوا قيمة الشؤون المدنية، أصبحوا يعملون بصورة متزايدة في تخطيط الابعاد المدنية للعملميات العسكرية. ففي البوسنة، مثلا، قام بالتخطيط لتوفير دعم عسكري للانتخابات مسؤولون يعملون في مجالات العمليات والاستراتيجية والسياسة، بينما عملت عناصرنا العاملة في الشؤون المدنية كأدوات اتصال بالغة الاهمية بين المخططين العسكريين والمدنيين.
وفي السنوات الاخيرة، اختبرت دول كثيرة خارج الولايات المتحدة قيمة بعثات الشؤون المدنية الاميركية، وأخذت تدمج أنواع المهارات هذه في قواتها العسكرية، مستخدمة قواتنا الخاصة بالشؤون المدنية كنموذج. وقد تبينت عدة دول أهمية الشؤون المدنية وارسلت عناصرها العسكرية الى مركز جون أف. كينيدي التابع للجيش الاميركي لتلقي التدريب، وطلبت فرق تدريب متنقلة، وقامت بعثات منها بزيارة وحداتنا الخاصة بالشؤون المدنية لمعرفة ما الذي يجعل تلك الوحدات نافعة الى هذا الحد لقادتنا العسكريين. ان دولتين من حليفاتنا الرئيسية، هما المملكة المتحدة وجمهورية كوريا، ممثلتان هنا في هذا المؤتمر العالمي. وهناك دول أخرى غيرهما، كفرنسا والمانيا، أعربت عن اهتمام جدي به.
أحد تحدياتنا للمستقبل سيكون اعداد وحداتنا الخاصة بالشؤون المدنية للعمل من منظور متعدد الجنسيات. وسيكون لزاما على مخططينا للشؤون المدنية أن يتوقعوا اختلافات في مبادىء الشؤون المدنية بين حلفائنا، ويكونوا مستعدين للعمل معا لتحقيق أهداف شاملة.
ان المراجعة الدفاعية التي تجري كل اربع سنوات والتي اختتمت مؤخرا كانت مراجعة شاملة للحاجات الدفاعية الاميركية حتى نهاية القرن. وكجزء من هذه المراجعة، رسم وزير الدفاع كوهن تصورا واضحا لوزارة الدفاع حتى عام 2015 ووضع تصميما لبرنامج دفاعي يرتكز الى استراتيجية، متوازن، وقابل للتنفيذ. وسنواصل، متبعين استراتيجية أمن قومي تقضي بالتعاطي في الشؤون العالمية، القيام بدور قيادي فاعل في المجتمع الدولي، مستخدمين جميع أبعاد قدراتنا في التصدي لكل انواع الحالات الطارئة ومعالجتها، وتكييف البيئة الامنية الدولية، والاعداد الآن لمواجهة تحديات مستقبل غير واضح المعالم. هذه المكونات الثلاثة -- التصدي للحالات الطارئة والتكييف والاعداد -- تمثل الاساس الاستراتيجي للمراجعة الدفاعية التي تجري كل اربع سنوات ولاستراتيجيتنا الدفاعية المستقبلية.
التصدي للازمات
أظهر ما شهدناه مؤخرا في الخليج وهايتي والبوسنة مقدار ما تعزز وحدات العمليات الخاصة لدينا، وعلى الاخص عناصرنا المختصة بالشؤون المدنية، فعالية قواتنا المقاتلة التقليدية في التصدي للازمات، وبعد انتهاء الازمة، مساعدة دبلوماسيينا في تكييف ورسم أطر البيئة الامنية.
خلال عملية عاصفة الصحراء مثلا، دعمت قوات العمليات الخاصة لدينا عملية قتالية كبيرة قام بها تحالف لاول مرة منذ اعادة تشكيلها. وكان عمل قواتنا المختصة بالشؤون المدنية بالغ الاهمية في المرحلة اللاحقة للعمليات الحربية في عملية "عاصفة الصحراء" لناحية مساعدة الحكومة الكويتية في اعادة الخدمات التي تقدم لشعب البلاد واعادة توطيد سلطتها.
وفي وقت لاحق، ساعدت قواتنا المختصة بالشؤون المدنية في معالجة مجموعة كبيرة من الازمات الانسانية التي أعقبت ذلك -- بما فيها عملية "توفير الراحة"، حيث ساعدت عناصرنا في تأمين المسكن للاكراد؛ وعمليات أصغر أمثال "ملاذ الباسيفيكي"، التي قدمنا فيها المساعدة لنقل أكراد آخرين -- كانوا يزودوننا معلومات استخبارية ويقدمون لنا مساعدات اخرى -- الى جزيرة غوام. وفي هايتي، قام جنودنا من عناصر الوحدات المختصة بالشؤون المدنية بأعمال تراوحت بين اعادة التيار الكهربائي الى المناطق الريفية، وتقديم المشورة لـ 12 وزارة.
وفي البوسنة والهرسك، في فترة مرابطة قوة التنفيذ (اتفاقات دايتون) تحت قيادة ضابط بريطاني، ساعدت عناصر الوحدات الاميركية المختصة بالشؤون المدنية في تنسيق مشاركة الوحدات العسكرية في اعادة بناء البنية التحتية المدنية وتوفير جهود اغاثة لاكثر من 500 من المنظمات والمؤسسات الدولية والحكومية وغير الحكومية.
وفي فترة عمل قوة التنفيذ، كان تركيز وحدات الشؤون المدنية على عمليات حفظ السلام ومشاريع تخدم المجتمعات الصغيرة في مناطق مرابطة القوات. ومع انتشار قوة الاستقرار، حصل تغيير جعل الاهتمام يتركز على تحقيق أهداف على مستوى البلاد ككل. ومن أجل تلك الغاية، تستخدم قوة الاستقرار فريق العمل المدني- العسكري كأداة اتصالها الرئيسية مع المؤسسة المدنية في تعزيز الانتعاش الاقتصادي واعادة اعمار البلاد، والعمل لتأمين عودة اللاجئين، وبناء مؤسسات دائمة للسلام. وقد اشترك فريق العمل، وهو بقيادة ضابط أميركي، في تنفيذ مئات المشاريع دعما لقوة الاستقرار وتعزيزا لتطبيق اتفاقات دايتون في نواحيها المدنية.
ان تجاربنا الاخيرة توضح أن هناك امكانية متزايدة لأن يطلب من العسكريين الاميركيين المشاركة في عمليات غير تقليدية وأكثر تعقيدا -- عمليات تتطلب تفاعلا وتعاونا وثيقا مع وكالات أخرى تابعة للحكومة الاميركية، ومنظمات غير حكومية ودولية، ومع حلفائنا. وهكذا، فان العمل الذي قمنا به في الماضي يشير الى نوعية البيئة الامنية المستقبلية التي سنواجهها.
وفي هذا الاطار، لدى وحداتنا المختصة بالشؤون المدنية الكثير مما يمكنها توفيره. الا ان الكيفية التي ستستخدم فيها هذه القوات يجب أن تدرس بعناية شديدة قبل مشاركتنا في أي عملية. وبعض هذه الدراسة يمكن القيام به أثناء مراحل التخطيط الاولى لتلك العملية، وذلك باعتماد آليات لنقل المسؤوليات من عسكريينا الى الوكالات المختصة لدى الحكومة الاميركية وفي النهاية الى البلد المضيف. وهذا يعني مشاركة مكاتب ذات صلة في وزارة الخارجية، ووزارة العدل وغيرهما عندما نخطط لعملية.
تكييف البيئة الامنية الدولية
ان عمل وحداتنا المختصة بالشؤون المدنية في الخليج، وهايتي والبوسنة يوضح مقدار ما يمكن لوحدات الشؤون المدنية أن تكيف البيئة الاستراتيجية الدولية بعد أن تتصدى قواتنا التقليدية لأزمة. وومن المهم بنفس القدر العمل الذي تقوم به وحداتنا المختصة بالشؤون المدنية من يوم الى يوم قبل وقوع أزمة. وتعطي جهودنا الانسانية لنزع الالغام في جميع أنحاء العالم مثلا شديد الوضوح على المساهمات الهامة التي قدمتها عناصرنا المختصة بالشؤون المدنية.
ان أزمة الالغام الارضية المضادة للاشخاص تؤثر تاثيرا هائلا على السكان والحكومات في جميع أنحاء العالم. وان تخلف بلد ما أو عجزه عن معالجة انتشار الالغام المضادة للاشخاص، عدا عن المعاناة الشخصية الواضحة التي يسببها، يحرم المزارعين من استخدام حقولهم ما يعرقل استئناف الانتاج الزراعي، ويمنع الوصول الى الاسواق، ويضعف ثقة الجمهور في الحكومات الناشئة ويوجد العديد من العقبات الاخرى لدولة تحاول لأم جراح الحرب. والى جانب الاصابات التي تقع ونفقات العلاج الطب التي يتوجب توفيرها، تدفع حقول الالغام مجتمعات بكاملها الى فقر يائس لا خلاص منه.
ان نزع الالغام لغايات انسانية هو من أهم المهام الأساسية التي تستطيع الولايات المتحدة أن تقوم بها، وهو في مقدمة اولويات حكومة كلينتون. وهدف مجهودنا لنزع الالغام هو مساعدة الدول على انشاء بنى تحتية أهلية طويلة الامد قادرة على تعليم السكان كيفية حماية أنفسهم من الالغام الارضية، وازالة الاخطار التي تشكلها الالغام الارضية واعادة المناطق المزروعة الغاما الى حالتها السابقة.
ويساعد البرنامج البلد المضيف في تطوير جميع نواحي الالمام بخصائص الالغام واجراءات ازالتها، مع توضيح أنه لن يقوم أي عنصر بازالة الغام أرضية أو دخول حقول ألغام أرضية. أن قوات العمليات الخاصة هي الوحدات العسكرية الاميركية الاساسية التي توفر برامج التدريب.
عندما اجتمعنا في مثل هذا الوقت من العالم الماضي، كانت عناصرنا المختصة بالشؤون المدنية قد التحقوا منذ وقت قصير فقط بفرق نزع الالغام. والان، بدأ جنودنا هؤلاء يلعبون دورا رئيسيا في برنامجنا الانساني لازالة الالغام. ان عناصرنا المختصة بالشؤون المدنية تعمل بمثابة صلة وصل بين فرقنا لنزع الالغام، والحكومة المضيفة والسفارة الاميركية. اضافة الى ذلك، توفر هذه القوات المهارات اللازمة لتدريب عناصر الدولة المضيفة على تشكيل فرق محلية أهلية لنزع الالغام والقيام ببرامج طويلة الامد ومكتفية ذاتيا، وهو الهدف النهائي لهذا البرنامج البالغ الاهمية.
كذلك توفر عناصرنا المختصة بالشؤون المدنية منافع عاجلة، مباشرة، وملموسة في الاقطار المضيفة حول العالم: فهناك طرق ومدارس يجري بناؤها، وآبار يجري حفرها، وحكومات تسير في طريق الاستقرار، واضطرابات وفوضى يتم القضاء عليها ونظام وأمن يعاد توطيدهما. ان عناصرنا هذه باحداثها فرقا في حياة السكان المحليين، تساعد في تعزيز مكانة الولايات المتحدة كدولة تعمل في سبيل الخير في نظر العالم. ومن الواضح ان قواتنا المختصة بالشؤون المدنية تشكل عاملا قيّما جدا في مساندة ودعم دبلوماسيتنا.
واذ نتطلع الى المستقبل، من المهم جدا أن نحتفظ بوجود ونطور علاقات في مناطق لها أهميتها لمصلحتنا القومية. والتحدي الذي يواجهنا هو أن نحتفظ بوجود عسكري فعال في جميع أنحاء العالم رغم تضاؤل اعتمادات الميزانية. ولكي نفعل ذلك، علينا أن نتجنب الحلول المرتفعة الكلفة ونسعى الى تعاون دولي أكبر. ان عناصرنا المختصة بالشؤون المدنية تتيح لنا أن نفعل ذلك بالضبط.
وبالقائنا نظرة على العالم اليوم، نرى عناصر مختصة بالشؤون المدنية من لدننا تعمل في رواندا وناميبيا كجزء من فرق لنزع الالغام، وتعمل كحلقة وصل في مالي في مشروع ينطوي على توفير امكانات طبية، وتعمل في مشاريع هندسية صغيرة مثل حفر الابار وتحسين الطرق في بليز، وتواصل المساعدة في التخطيط للانتخابات في البوسنة، وتنسيق توزيع المساعدات الانسانية التي ترسل الى كمبوديا كما تساعد حكومة كمبوديا في انشاء بنية تحتية قادرة على توفير الخدمات الحكومية اللازمة لشعبها، وتعمل مع وكالات غير حكومية وهيئات خاصة في مشاريع تنمية مدنية في لاوس، التي لم تكن تسمح قبل عام مضى بوجود أي عنصر عسكري أميركي.
ان عمل عناصرنا المختصة بالشؤون المدنية يلعب دورا حاسما في تعزيز الاستقرار الاقليمي، ومنع أو تقليص النزاعات والتهديدات، وردع العدوان والاكراه في جميع أنحاء العالم. وبدورها، توفر هذه القدرات في مجالات الشؤون المدنية مجموعة كبيرة من الخيارات لقادتنا العسكريين في مختلف المناطق، ولسفرائنا وصانعي السياسة لدينا.
الاعداد الآن لمستقبل غير واضح المعالم
ان قوات العمليات الخاصة اليوم، شانها شأن قوات العمليات الخاصة بالامس، تواجه تحديات غير عادية. فعليها أن تتكيف مع التحديات غير التقليدية التي نواجهها اليوم وتقوم في الوقت نفسه بتعديل وتطوير ما للولايات المتحدة من قدرات قتالية وهياكل دعم كي تتمكن من ان تتكيف وتواجه بفعالية تحديات المستقبل.
ولكي نكون مستعدين للمساعدة في خوض حروب بلدنا والانتصار فيها، ولكي نكون قادرين على القيام بمجموعة من عمليات الحالات الطارئة التي تنطوي على تحد، ولكي نكون مستعدين لمساعدة أصدقائنا وحلفائنا في العالم الثالث في انشاء بيئة آمنة، علينا أن نطور باستمرار اساليب ومعدات جديدة تصلح لحرب العصر الجديد الذي سنواجهه في القرن الحادي والعشرين.
علينا توقع أن يستخدم أخصامنا في صورة متزايدة طرقا ملتوية أو أساليب غير تقليدية لتجنب او إضعاف مكامن قوتنا فيما يستغلون مكامن ضعفنا. فلكي يتفادى أخصامنا مجابهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، قد يهددوننا بالارهاب، أو أسلحة الدمار الشامل، أو الحرب الاعلامية لتحقيق أهدافهم. وعند مواجهة حرب تقليدية، يمكن لهذه الوسائل ان تستخدم أيضا لتأخير أو منع وصولنا الى مرافق هامة، وتعطيل شبكات القيادة والتحكم لدينا، ومنع حلفائنا وشركائنا في ائتلاف محتمل من دعم جهودنا، أو ايقاع اصابات أكثر من المتوقع لاضعاف عزيمتنا. وفي مواجهة هذه التهديدات غير العسكرية، يصبح عمل قواتنا المختصة بالشؤون المدنية أكثر أهمية حتى، لان لديها فهما للقطاع المدني يفوق ما لدى قواتنا التقليدية منه.
في العام الماضي، ذكرت أنه يمكن لقواتنا المختصة بالشؤون المدنية ان تلعب دورا مهما في اعداد حكومات أخرى ومواطنيها لمعالجة نتائج هجوم ارهابي. وانني أهيب بكم أن تواصلوا استكشاف طرق تستطيعون فيها أن تساهموا في هذا المجال.
واهيب بكم أن تصغوا بعناية الى الخطباء في هذا المؤتمر وهم يبحثون التحديات المستقبلية والموارد المتوفرة التي يمكن أن تساعدكم في عملكم. واشجعكم على توجيه أسئلة، وتقديم تعليقات أو اقتراحات تستند الى تجاربكم واختباراتكم الماضية وطرح أفكار جديدة. كل هذه الامور ستكون مفيدة لصانعي السياسة من جميع الوكالات وكبار القادة الذين يستعينون بها.
ستكون السنوات القادمة مرحلة امتحان لكل قواتنا المسلحة. وستضفي الضغوط على ميزانية الدفاع أهمية قصوى على قدرتنا على تقبل التغيير. وأنا واثق من أن القوات المختصة بالشؤون المدنية في هذه الايام لديها ما يلزم من الابداعية والمرونة والمهارات الاحترافية لاداء مهام جديدة، غير تقليدية، مع احتفاظها بمهاراتها التقليدية.




الديمقراطية والدفاع: السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة

بقلم ديفيد اف. تراسك





يشرح كبير المؤرخين السابق في مركز الجيش الاميركي للتاريخ العسكري في هذا المقال كيف تساعد فكرة المواطن - الجندي في النظام الديمقراطي في ضمان الحريات الجوهرية الاساسية دون ان يكون ذلك على حساب ضرورة وجود قوة عسكرية.



في عام 1782، في اعقاب الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة للاستقلال عن بريطانيا (1775 - 1781)، فكر عدد من الضباط بالقيام بعصيان عسكري ضد الحكومة المدنية لشعورهم بان ما حصلوا عليه من مرتبات لا يتلائم مع الخدمات التي قدموها اثناء الحرب.
وتجمع هؤلاء الضباط في نيوبرغ بولاية نيويورك، للاستماع الى أراء قائدهم الاعلى الجنرال جورج واشنطن آملين في اعلانه تأييده لهم. ولكن جورج واشنطن رفض رفضا باتا تأييد أي تمرد عسكري، وطالب بدلا من ذلك بتسريح وحدات الجيش والاستمرار في الولاء للحكومة المدنية. وأدى موقف جورج واشنطن الحازم الى إحباط التمرد. ومنذ ذلك الحين والقيادة العسكرية في الولايات المتحدة تقبل سيطرة الحكم المدني على مقدراتها.
وهذا السجل الرائع هو نتيجة اقتناع الشعب الاميركي اقتناعا راسخا بان الاشراف المدني على القوات المسلحة هو جانب اساسي لحكم يمارسه الشعب باختيار الشعب لخدمة الشعب. ففي الحكم الديمقراطي تقرر الأكثرية السياسة العامة للبلاد، مذعنة لحكم القانون لا للقوة الغاشمة. ويساعد اشراف المدنيين على القوات العسكرية في ضمان ألا تنال القرارات الخاصة بالسياسة الدفاعية من قيم ديمقراطية اساسية، مثل حرية الرأي وحرية الصحافة وحرية العقيدة.
ولكن، كما ادرك جورج واشنطن، يجب ان تكون للدول الديمقراطية -- مثل الولايات المتحدة -- قوات مسلحة. فمن حين الى آخر تبرز تهديدات وأخطار خارجية، كما تنشب في بعض المناسبات نزاعات داخلية -- مثل الحرب الاهلية الاميركية -- ينيغي على الحكومة التصدي لها بزيادة وتعزيز قواتها المسلحة. وأدت مثل هذه الظروف الى ايجاد بعض التوتر بين العسكريين والزعماء المدنيين، ولكن الغلبة كانت دائما للمدنيين.
وهناك بعض المعايير التي تحكم العلاقات المدنية-العسكرية في الولايات المتحدة الاميركية منذ نشوء الامة. ويلخص لويس سميث، وهو من أبرز الخبراء في شؤون العلاقات بين السلطات المدنية والسلطات العسكرية، تلك المعايير على النحو التالي: - قيادة مدنية للسلطة التنفيذية. وتكون هذه القيادة التي تشمل صلاحياتها البلاد ككل مسؤولة امام أكثرية الشعب، من خلال انتخابات تجرى بانتظام على نحو متكرر.
- قيادة مدنية تشرف على مختلف القوات المسلحة والوزارات التي تدير الشؤون العسكرية. يكون قادة سلاح الجيش وسلاح البحرية وسلاح الطيران من العسكريين المحترفين ويخضعون لسلطة وزراء من المدنيين يعينهم الرئيس ويوافق الكونغرس على تعيينهم. أو، بعبارة اخرى، يكون هناك مسؤول مدني على رأس سلسلة القيادات العسكرية، يعاونه موظفون مدنيون يشرفون على النشاطات اليومية للقوات المسلحة.
- نصوص قانونية لإرساء سياسات اساسية تتعلق بالامن القومي. يسن اعضاء السلطة التشريعية المنتخبون من الشعب قوانين تحدد سياسات الامة من الناحية الدفاعية وسبل تطبيقها وتنظيماتها. ويتولى رئيس الدولة تنفيذ هذه القوانين. ويتضمن الدستور في الولايات المتحدة توجيهات اساسية في صدد عمل القوات العسكرية، فيما يسن الكونغرس قوانين تحدد نطاق هذا العمل. - حماية قضائية للسيطرة المدنية. تمنع السلطة القضائية القوات العسكرية من التعرض للحريات المدنية، بما في ذلك الحريات المدنية للافراد العاملين في القوات المسلحة. وفي الولايات المتحدة تتمتع المحكمة العليا بصلاحية النظر في قضايا تتناول تعدي العسكريين أو القوات العسكرية على حقوق المواطنين.
كيف توصل الشعب الاميركي الى جعل السلطة المدنية تسيطر على القوات العسكرية؟ وكيف نجح في صيانة مثل تلك السيطرة على الرغم من تحديات ضخمة واجهها الأمن القومي في اوقات مختلفة خلال القرنين الماضيين؟ الدستور والاشراف المدني
أدى الدفاع الناجح عن المستعمرات الاميركية خلال الفترة حقبة نشؤئها ونموها الى تعزيز ثقة سكانها في ان بمقدور مليشيا او جيش من المتطوعين الدفاع عنها بصورة وافية، وأن وجود جيش دائم لم يكن ضروريا لضمان أمنها. واثبتت المجالس التشريعية في المستعمرات، التي كانت تملك سلطة التحكم بالانفاق، فاعليتها في الاحتفاظ بالسيطرة على الامور العسكرية ومقاومة التاج البريطاني. واصبحت هذه المجالس النصير الرئيسي للافكار الاميركية التي تحذر من اخطار وجود منظمات عسكرية دائمة، وكانت المدافع الاساسي لفرض قيود مدنية على القوات المسلحة.
وهكذا اصبحت السيطرة المدنية على القوات المسلحة، اثناء الثورة، صفة ضرورية ملازمة للحرية وبالتالى للديمقراطية. كما انها اعادت تأكيد انه عندما يدعى المواطنون الى حمل السلاح في اوقات الطوارئ، فان بوسع هؤلاء ان يوفروا ما يلزم من افراد القوات المسلحة دون أي تعرض او تهديد لخير الدولة او القيم المدنية.
وكرس المؤتمر الدستوري الذي انعقد عام 1787 في فيلادلفيا، في ولاية بنسلفانيا، قدرا كبيرا من الاهتمام لمسألة الدفاع عن البلاد. وسعى الآباء المؤسسون الى الموزانة بين ضرورة تزويد الحكومة المركزية الصلاحيات اللازمة لحماية الأمن القومي من ناحية، والرغبة في الحفاظ على الحريات المدنية والسياسية من ناحية اخرى.
وأثرت عدة آليات هيكلية اختارها الآباء المؤسسون للتحرز من حكومة مركزية قوية تتعسف بسلطاتها على نصوص الدستور الخاصة بالقوات المسلحة ومنها:
- الفقرة الثانية من المادة الثانية من الدستور، تعطي الرئيس دورا مزدوجا: دور رئيس الدولة ودور القائد الأعلى للقوات المسلحة. وهذا يضمن ان يكون رئيس الدولة المدني رئيسا لتسلسل القيادات العسكرية؛ كما يضمن، من خلال سلطة القيادة، سيطرة مدنية على رسم السياسة العسكرية.
- الفقرة الثامنة من المادة الاولى من الدستور، تعطي السلطة التشريعية صلاحية "توفير سبل الدفاع العام،" معددة صلاحيات محددة مثل "اعلان الحرب" ، و "انشاء الجيوش ةتأمين نفقاتها،" و "تكوين قوة بحرية التكفل بها." وهذه النصوص تمنع السلطة التنفيذية من شن حرب دون الحصول على موافقة السلطة التشريعية.
كما تتضمن "وثيقة الحقوق" بندين لهما أهمية كبيرة بالنسبة الى القوات العسكرية هما:
- التعديل الثاني للدستور الذي يعيد تأكيد دور المواطن - الجندي، أي "حق الناس في اقتناء اسلحة وحملها."
- التعديل الثالث الذي يحمي المواطنين الاميركيين من عادة كانت سائدة قبل الثورة، وهي اقامة جنود في منازل مواطنين "دون رضى المالك."
وباستثناء فترة الحرب الاهلية الاميركية، ربما كان غياب أي تهديدات خطيرة دائمة لأمن الولايات المتحدة القومي حتى القرن العشرين هو أكثر الاسباب اهمية لاستمرار التزام مبدأ سيطرة المدنيين. وكان لاستقرار ميزان القوى في اوروبا منذ هزيمة نابليون حتى عام 1914 تأثير كبير في صيانة أمن الولايات المتحدة. وحيث ادى هذا الاستقرار في ميزان القوى الى ثني اوروبا عن التدخل في شؤون العالم الجديد، تمكن الاميركيون من التركيز على شؤونهم الداخلية: دعم الوحدة السياسية، والتوسع باتجاه الغرب، والنمو الاقتصادي. ولم تكن الامة آنذاك في حاجة الا الى قوات مسلحة صغيرة كان محور عملها مهمات تقوم بها في اوقات السلم لانها كانت تستطيع الاعتماد على الحواجز الجغرافية -- المساحات الشاسعة من مياه المحيطين التي تحيط بها -- في ضمان امنها.
وفي ضوء هذه الظروف، ظل تفضيل الامة لفكرة المواطن - الجندي بدلا من الاعتماد على محترفين يخدمون لآجال طويلة راسخا. وفي عام 1826، اعرب وزير الحربية عن آراء الناس بدقة إذ قال "من بين المبادئ السياسية العامة التي اعتنقتها الولايات المتحدة معتبرة اياها حقائق لا يرقى اليها الشك، ليس هناك ما يلقى تاييدا شاملا أكثر من فكرة ان مليشيا منظمة تنظيما جيدا ومنضبطة كليا هي وسيلة الدفاع الطبيعية لشعب حر."
الحرب الاهلية وما بعدها
ارغمت الحرب الاهلية الاميركية التي دارت رحاها من عام 1861 الى 1865 كلا من الطرفين على تجهيز جيوش كبيرة العدد لا عمل لها سوى القتال، وتكريس معظم الموارد للمجهود الحربي. وتعرض مبدأ السيطرة المدنية، الذي برهن عن قوة وثبات رائعين في اوقات السلم، للامتحان. فما الذي يحدث اثناء ازمة قومية شديدة طارئة؟ هل تطغى الاولويات والقيم العسكرية على المؤسسات المدنية القائمة؟
استخدم الرئيس ابراهام لينكولن استخداما بعيد المدى لسلطاته كقائد عام للقوات المسلحة. ولم يواجه أي رئيس قبله تحديا مشابها؛ فلم يتوقع أي منهم الاجراءات الاستثنائية، في المجالين المدني والعسكري، التي يتطلبها خوض حرب كبيرة. كان على لينكولن أن يعد جيشا ضخما للقتال، وأن يبني بحرية قوية. وعلى الرغم من هذا المجهود الحربي الضخم، كان لينكولن حازما في الحفاظ على السيطرة المدنية على القوات المسلحة. واثناء بحثه عن قائد لجيش البوتوماك، لم يتردد لنكولن في تأكيد سلطته العليا في اتصالاته مع القادة في الميدان. وبالاضافة الى ذلك، ارسل الرئيس في نهاية الحرب رسالة شديدة اللهجة -- من خلال وزير الحربية، الى الجنرال يوليسيس اس. غرانت، قائد قواته في الميدان، عندما كان الجيش الكونفدرالي بقيادة الجنرال روبرت لي، على وشك الاستسلام. وتضمنت الرسالة آراء الرئيس بالتفصيل حول هذه المسألة. قال لينكولن في رسالته الى قائد جيوشه: "يجب الا تقرر، او تبحث، (مع الجنرال لي) أية مسألة سياسية. فمثل تلك المسائل من صلاحيات الرئيس، ولا يخضعها لأي مباحثات او اتفاقيات عسكرية."
وبدا في بعض الاحيان ان استخدام لينكولن لسلطاته كقائد عام يهدد الحريات المدنية. فقد اوقف العمل بقانون يحرم سجن شخص بدون محاكمة، وسمح باستخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة اشخاص اتهموا بمساندة التمرد. وتدخلت السلطة القضائية الفدرالية بعد الحرب لتعيد توطيد سلطتها، وتلغي اجراءات اتخذت في وقت الحرب وتسببت في انتهاكات خطيرة لحريات شخصية. ومن بين أشياء اخرى فعلتها المحكام، فانها نطاق صلاحيات المحاكم العسكرية، ومنعت إساءة معاملة المعتقلين السياسيين. وحتى في وقت الاخطار الكبرى، بقيت القيم الديمقراطية الاساسية التي تلتزمها الأمة معمولا بها.
وكان يُنظَرُ الى الحرب الأهلية على انها كارثة تحدث مرة واحدة. ولم ير الناس حاجة الى اجراء تغييرات دائمة في السياسات والممارسات العسكرية كرد فعل لتهديد من شأنه الا يتكرر مطلقا. وبعد ان انتهت الحرب مباشرة، سُرِحَتْ القوات المسلحة شديدة البأس، وعادت الى الحالة التي كانت عليها قبل الحرب.
ومع حلول نهاية القرن التاسع عشر، اصبحت الولايات المتحدة معترفا بها كواحدة من الدول الكبرى طبقا لمعايير مثل الانتاج الصناعي والثروة القومية والسكان، ولكن قواتها المسلحة كانت متخافة كثيرا عن القوات المسلحة للدول الكبرى الاخرى. وعكس هذا الوضع الاعتقاد المستمر بان الامة تستطيع، بفضل الحماية التي يوفرها المحيطان الشاسعان والمناطق القطبية، ان تتفادى التورط باعمال حربية وتتجنب بذلك نفقات قوات مسلحة مقاتلة على درجة عالية من الاحتراف تماثل القوات التي تحتفظ بها دول كبرى اخرى.
الحربان العالميتان.
عندما يندر وقوع الحروب ولا تتسبب تلك، عندما تقع، بما يذكر من الفوضى والاضطراب، يكون من الاسهل فرض سيطرة مدنية على الفوات المسلحة الاحتفاظ بها. ولكن ازدياد واتساع العمليات الحربية في فترة ما بعد 1914 زادا بدرجة كبيرة من مكانة القوات المسلحة وضعاها في حيز أعلى في سلّم الاولويات. ماذا حدث، اذا، للسيطرة المدنية على القوات العسكرية في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية؟
إن تدخل الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى في نيسان / ابريل 1917 دلّ على حصول تغيير في سياسة البلاد الأمنية . وتتطلب القلق المتزايد حيال الأمن القومي إدخال تحسينات على وسائل تنسيق جهود جهاز الحكم المدني والمؤسسة العسكرية، اذ ان الاثنين كانا يواجهان مهمة اجراء تعبئة سريعة للقدرات الحربية على نطاق ضخم لم يكن يخطر ببال. فعلى الجانب العسكري، عكفت وزارتا الحربية والبحرية على أعمال اعادة التنظيم وزيادة القدرات. وعلى الجانب المدني، أنشأ الرئيس وودرو ويلسون عدة وكالات للطوارئ لتولى اعمال التعبئة ونشر القوات المسلحة بأسرع ما يمكن.
وظهر تقسيم واضح لمسؤولية المجهود الحربي خلال فترة القتال القصيرة من نيسان / ابريل 1917 الى تشرين الثاني / نوفمبر 1918. فمن ناحية أعطي القادة العسكريون حرية كبيرة في تنفيذ العمليات الميدانية عندما كانت الاجراءات التكتيكية لا تتعرض للاهداف السياسية الأكبر التي تريد الامة تحقيقها. ومن ناحية اخرى تحكم الزعماء المدنيون الى حد بعيد بعملية التعبئة، عاملين بتعاون تام مع الوزارات المختصة بالشؤون العسكرية.
ورغم التوسع الهائل في حجم ومكانة القوات المسلحة، لم تتراخ ابدا سيطرة المدنيين خلال الحرب العالمية الأولى، فقد احتفظ ويلسون بقبضة حازمة على القوات المسلحة، عاملا من خلال رؤساء مدنيين للوزرات المختصة بالشؤون العسكرية. وقد حدث انتهاك واحد فقط للنموذج التقليدي. فقبيل انتهاء الحرب مباشرة، أعلن الجنرال جون بيرشينغ، القائد العام لقوات الحملة الاميركية، معارضته لسياسة الرئيس ويلسون التي تهدف الى عقد هدنة مع المانيا. ولكن عند انتهاء الحرب لم يسع الرئيس ويلسون الى اتخاذ اجراء تأديبي بحق الجنرال بيرشينغ.
وحصل بعض التعرض للحريات المدنية اثناء الحرب. فقد تعرض سياسيون متطرفون ومعترضون على الانضمام الى القوات المسلحة، واميركيون من اصل الماني للاضطهاد في بعض الاحيان نتيجة لتغلب العاطفة الشعبية على الرأي السليم لدى اشتداد حدة المعركة. ولحسن الحظ، نجح القضاء، كما فعل اثناء الحرب الأهلية، في تخفيف اثار بعض تلك الاخطاء الخطيرة، وفي نهاية المطاف أصلح الامور.
وبالاضافة الى رفض مجلس الشيوخ لمعاهدة فرساي، ورفضه بالتالي لعصبة الأمم، احجم الشعب الاميركي عن تشجيع خروج ويلسون الثوري على السياسة الخارجية القديمة التي تنادي بالعزلة. ولم يكن الشعب الاميركي مقتنعا حتى ذلك الوقت بأنه يتعين على الولايات ان تتعاطى بشؤون العالم القديم لضمان أمن اميركا، كما كان الشعب يعارض ايضا الاحتفاظ بجيش كبير مستعد للقتال لمساندة سياسة خارجية نشطة. ولذلك عادت الولايات المتحدة، في الفترة بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، الى سياسة العزلة التي كانت تعتمدها في القرن التاسع عشر.
وشابهت التطورات التي حصلت اثناء الحرب العالمية الثانية تلك التي حصلت اثناء الحرب العالمية الأولى في كثير من الأوجه. وباتباع السابقة التي ارسيت خلال 1917-1918، أنشأ الرئيس فرانكلين د. روزفلت كثيرا من وكالات الطوارئ لادارة ما أسماه "ترسانة الديمقراطية." وتجمع رؤساء القوات المسلحة المحترفون في هيئة الاركان المشتركة، التي تولت تنظيم التعاون الضروي الداخلي بين القوات المسلحة، ورتبت توزيع الموارد على ميادين القتال. وعلى الرغم من سيطرة المدنيين على وكالات الطوارئ، ظل القادة العسكريون بزيهم الرسمي احرارا في ادارة العمليات الحربية في ميدان القتال، شرط الا تتعارض اعمالهم مع سياسة الرئيس واستراتيجيته.
ورغم أن أزمة الحرب عززت من اشتراك العسكريين في التخطيط القومي وعملية اتخاذ القرار، لم يبد القادة العسكريون أي ميل لإزاحة النفوذ المدني والحلول محله. وشملت مؤسسة الدفاع التي تم توسيعها بدرجة كبيرة كثيرا من المدنيين والمواطنين -الجنود، الذين تشربوا بالتقاليد الراسخة للاشراف المدني. وكما حدث اثناء الحرب العالمية الأولى، تدخل القضاء واستخدم سلطته لوقف انتهاكات الحقوق المدنية. وبعد ان وضعت الحرب اوزارها، وزعت تعويضات على اميركيين من اصل ياباني، كتعويض جزئي على الاقل لاعتقالهم اثناء الحرب.
الخاتمة
ما هي دوافع الابقاء على سيطرة المدنيين على المؤسسة العسكرية، بل تعزيز هذه السيطرة، في الولايات المتحدة؟
ينظر الاميركيون الى توسيع المؤسسة العسكرية على انه اجراء لا مفر منه لضمان صيانة حرياتهم. كما انهم يرون السيطرة المدنية على هذه المؤسسة العسكرية ناحية لا غنى عنها للعملية الديمقراطية التي يعملون للحفاظ عليها.
خلال السنوات الاخيرة من القرن التاسع عشر اصبحت القوات المسلحة قوات محترفة للغاية، واستمر هذا الاتجاه في القرن العشرين. ويتطلب ذلك من كل ضابط التزام القيام بالعمل العسكري وفق اعلى المعايير التقنية في المجال الذي يختاره. ومن ثم فان الاحترافية هذه -- طبقا لتعريفها في هذا المجال -- تعني ايضا الالتزام السيطرة المدنية على القوات المسلحة.
وساعدت القناعات الايديولوجية والتزام المهنية العسكرية في الحؤول دون تزايد النفوذ العسكري غير المشروع في أجهزة الحكم في الولايات المتحدة أبان الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. ولم يكن الحفاظ على السيطرة المدنية نابعا من قوى ودوافع غير شخصية، وانما من التزام نشط ومتواصل من جانب المدنيين والعسكريين بفكرة اثبتت صحتها في اوقات اليسر كما في اوقات العسر.
وكتب لويس سميث يقول "إن السيطرة المدنية -- بصرف النظر عن مقدار رسوخها في الدستور والقوانين -- لا تبطق تلقائيا. فهي، مثل أي مبدأ آخر، يجب ان تلقى قبولا واحتراما في فكر الناس اذا كان لها ان تسود. وهي تتطلب، مثل أية سياسة اخرى، ترجمة الى إدارة فعالة." وإن تجربة الولايات المتحدة في الشؤون المدنية العسكرية تثبت صحة هذا الرأي.




العلاقات المدنية-العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة

بقلم لويس غودمان





يتناول عميد كلية الخدمات الدولية بالجامعة الاميركية في واشنطن في المقال التالي التغييرات التي حدثت في العلاقات المدنية - العسكرية منذ نهاية الحرب الباردة، ويتطلع الى ما تدعو اليه الحاجة للمحافظة على هذه العلاقة.



منذ عام 1985، تدنى عدد الرجال والنساء العاملين في القوات المسلحة لدى مختلف البلدان في جميع انحاء العالم بأكثر من 15 بالمائة، كما تدنى الانفاق العسكري الاجمالي بأكثر من ضعف هذه النسبة. ومع أن هذه الارقام تعكس التخفيضات التي نفذت في دول لديها قوات عسكرية ضخمة، مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقا، فقد حصلت تخفيضات لها شأنها أيضا في دول مثل السلفادور والارجنتين وغانا وجنوب افريقيا والهند وفيتنام.
وجاءت هذه التخفيضات الى حد كبير نتيجة لتغير البيئة الأمنية في اعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي. لقد انتهى العصر الذي كانت تدعو فيه الحاجة الى نشر قوات قتالية كبيرة في حالة استعداد قتالي عالية، وإن كانت هناك بعض الاستثناءات القليلة. وقد بدأت الولايات المتحدة وروسيا، ومعظم حلفائهما -- ومنها كثير من الدول التي اخذت تتبنى الديمقراطية -- برامجا عسكرية لتخفيض اعداد القوات العسكرية، وتحويل بعض الصناعات العسكرية الى أخرى مدنية.
ورغم تخفيض اعداد القوات المسلحة، لا تزال المؤسسة العسكرية -- في كل بلدان العالم تقريبا -- أكبر مؤسسات الدولة وافضلها تمويلا وتنظيما. وتفوق الميزانية العسكرية بمقدار كبير ميزانية أية مؤسسة أخرى تليها في المرتبة، سواء كانت تلك وزارة حكومية او مؤسسة خاصة. فما هي مفاعيل ذلك بالنسبة الى العلاقات المدنية - العسكرية في العالم باسره، وبصفة خاصة في الدول التي تتجه نحو الديمقراطية ولديها نظم سياسية هشة؟ ومن يمسك بمقاليد الأمور؟ وهل توجد سيطرة مدنية كافية على القوات المسلحة لضمان عدم تدخل الجيش في عمل الحكومات إجمالا؟
مؤشرات الديمقراطية
ما هو نوع المؤشرات التي قد يبحث عنها المرء للاجابة عن هذه الاسئلة؟ ربما كانت اميركا اللاتينية المنطقة التي تقدم افضل سجل في هذا المجال. ففي 1979 كان رؤساء الدول في 19 من البلدان الواقعة في الجزء الرئيسي من القارة بين الارجنتين ونهر ريو غراندي على الحدود بين تكساس والمكسيك من الضباط العسكريين. واليوم ليس هناك اي رئيس دولة عسكري واحد. وفي الواقع، ان الانقلاب العسكري الوحيد الذي نجح في نصف الكرة الغربي منذ نهاية الحرب الباردة وقع في هايتي عام 1994 عندما اعيد الحكم المدني الى البلاد.
ومما يؤيد صحة هذه المؤشرات ان منظمة الدول الاميركية طلبت، في بيان التزام الديمقراطية الصادر في سينتياغو عام 1991، الى الامين العام للمنظمة أن يعمل لتوفير حوافز لإعادة الديمقراطية في أي بلد يقوم فيه العسكريون بانقلاب على نظام حكم ديمقراطي.
وفي حين أن بعض الدول في اجزاء اخرى من العالم هي اقل التزاما بتقوية قدرة منظماتها الاقليمية على مساندة الديمقراطية، فان الحكومات العسكرية -- مثل تلك القائمة في نيجيريا وبورما -- والانقلابات العسكرية التي وقعت في سيرا ليون عام 1997، هي الاستثناء وليست القاعدة.
وفي عالم ما بعد الحرب الباردة، أصبحت الانقلابات والحكومات العسكرية نادرة جدا لدرجة تدعو فيها الحاجة الى ايجاد مقاييس دقيقة جدا لمعرفة اذا ما كانت القوات المسلحة تعمل لتقوية الديمقراطية في بلادها أو لاضعافها. ومع ان من الضروري ان تحترم المؤسسة العسكرية، مثل جميع اجهزة السلطة التنفيذية في دولة ديمقراطية، حكم القانون وتتلقى اوامرها من السلطة العليا المنتخبة من الشعب، فان من المهم بدرجة متساوية الا تعمل اجهزة الحكومة غير العسكرية في ادارة القوات المسلحة بصورة مفصلة من خلال السيطرة المدنية على وظائف عسكرية محددة.
مهمات انتقالية
كيف تستطيع دولة ما ان تعرف طبيعة العلاقات المدنية-العسكرية لديها عندما يكون المدنيون يسيطرون في الظاهر على اكثرية حكومات العالم في فترة ما بعد الحرب الباردة؟ ان أحد الردود الاساسية على هذا التساؤل هو في ما إذا كانت المؤسسة العسكرية كثيرا جدا او قليلا جدا من المسؤوليات في نظام البلاد السياسي.
وفي حين ان الهدف الاساسي للقوات المسلحة فى دول العالم هو توفير الامن للبلاد، فقد ادى تخفيض اعداد القوات العسكرية الى تكليف هذه القوات مهمات جديدة تقوم بها. وتتراوح هذه الأعمال بين مساندة جهود الشرطة في حفظ النظام الداخلي، ومكافحة التدهور البيئي، وتوفير خدمات صحية وتربوية، وبناء الطرق والجسور.
وتقترن مهمة القوات العسكرية الثانوية التقليدية المتمثلة باغاثة منكوبي الكوارث -- وتشمل توفير المواد الغذائية والمأوى والرعاية الطبية والامان لضحايا الفيضانات والعواصف والقحط والزلازل والاضطرابات المدنية -- بمهمة جديدة للقوات العسكرية في فترة ما بعد الحرب الباردة وهي القيام بعمليات حفظ السلام ودعم الديمقراطية او تسوية النزاعات في العالم من خلال الاشتراك في جهود دولية تبذل برعاية الأمم المتحدة او هيئات دولية أخرى.
وتُعتبر مثل تلك المهمات الثانوية مهمات قصيرة الأجل او انتقالية عادة، ويتم الاضطلاع بها بالاضافة الى المهمة العسكرية الاساسية وهي ردع العدوان من خلال الاستعداد القتالي. وهكذا يتعين وضع جدول زمني لاعادة تلك المهام الانتقالية الى اجهزة مدنية؛ كذلك يتعين إرساء ضوابط للحصول على تفويض من السلطات المدنية (التنفيذية والتشريعية) إذا كانت هناك حاجة الى تمديد الجدول الزمني لتلك المهمات الانتقالية.
ضوابط وتوازنات
تحدد القوانين المتبعة في كثير من البلدان الديمقراطية بدقة المهام التي تضطلع بها القوات العسكرية، كما تحدد الاجراءات الواجب اتباعها كي تقرر حكومة البلد المعني أن هناك حالة طارئة تستدعي معالجة عاجلة وتبرر عدم تطبيق تلك النصوص استثناء. ولكن التطبيق السياسي لتلك الاحكام يختلف بين دولة واخرى طبقا لتراثها القانوني.
فمثلا يتبنى عدد من الحكومات في افريقيا وآسيا واميركا اللاتينية نظما قانونية تحمي الديمقراطية بمنح رؤساء الدول وقادة وحدات الشرطة والقوات المسلحة "حق استخدام صلاحيات غير عادية" بصورة موقتة لتعليق مراعاة الحريات المدنية، ولكي تقوم القوات المسلحة بدور محدد في الدفاع عن المصالح الدائمة للأمة. ومن خلال السماح للمؤسسة العسكرية بالقيام بدور مؤسسة حراسة تقرر ماهية المصالح الدائمة للأمة، تتم المشاركة المدنية تحت تهديد استخدام الجيش لحق الفيتو.
ولمعرفة ما اذا كان قيام المؤسسة العسكرية بمهمة معينة يقوي الديمقراطية ام يضعفها، من الضروري ان تطرح اسئلة قليلة محددة. السؤال الأول هو ما إذا كان قيام القوات العسكرية بمهمة غير تقليدية يعزز فرص تدعيم الديمقراطية. فمثلا إذا كان مسؤولو التعليم والرعاية الصحية غير قادرين على خدمة المناطق الريفية المنعزلة، حينئذ قد يكون قيام القوات العسكرية بهذه الاعمال امرا حيويا للحفاظ على وحدة الأمة او تشجيع النمو الاقتصادي.
وهناك سؤال آخر هو: كيف يؤثر قيام القوات المسلحة بمهام غير قتالية على طبيعة مشاركة تلك القوات في رسم سياسات البلاد. فمثلا، إذا قامت القوات العسكرية بدور في عمل مدني، أو حفظ الامن الداخلي، أو التعليم، او الاقتصاد، يمكن تنفيذه بطريقة لا تجعل الدولة او القوات المسلحة تكتسب امتيازات إضافية، يمكن عندئذ القول ان التنفيذ الناجح لتلك المهام يعزز الديمقراطية. وفي بعض الاحيان يبدو ان المؤسسة العسكرية قد تسعى بلا هوادة لتدعيم مصالحها المؤسساتية لدرجة انها تتنافس بصورة مباشرة مع الاحزاب السياسية على السلطة. وحيث ان تلك المؤسسة هي أكبر مؤسسات الدولة، ولديها افضل الموارد، وتتمتع بافضل تنظيم في معظم بلاد العالم، تكون لديها قدرة هائلة على تحقيق مصالحها أذا ما اختارت ان تفعل ذلك. ومع انه قد يكون من الصعب على المؤسسة العسكرية ان تحتفظ بالتأييد الشعبي والشرعية المطلوبين للقيام بذلك علانية لفترات طويلة، فانها تستطيع ان تلحق ضررا بالغا بعملية بناء الديمقراطية من خلال السعي لخدمة مصالحها او من خلال ترهيب خصومها او الوقوف علنا في طريقهم. وفي النهاية، فان من المهم ايضا، أن يُنْظَر الى قيام القوات العسكرية بمهام غير قتالية على الأقل على انه معين لدعم الديمقراطية، هذا إذا لم يلحق ذلك ضررا بقدرة تلك القوات على القيام بمهمتها الاساسية وهي توفير الأمن الخارجي للأمة.
خبراء الدفاع المدني
في حين شهد عالم ما بعد الحرب الباردة تقدما مثيرا للإعجاب في انتخاب مدنيين لمناصب عليا، ما زالت هناك ثغرات كبيرة في الأسس الاجتماعية والمؤسساتية لدى كثير من الدول. فقليل من المدنيين في معظم الديمقراطيات الوليدة الناشئة لديهم ما يكفي من معرفة وفهم المتطلبات المؤسساتية للقوات المسلحة كي يكونوا خبراء في سياسة الدفاع المدني. ومثل هؤلاء الخبراء ضروريون كحلقة وصل بين القوات المسلحة والمجتمع. كما يحتاج ضباط الجيش -- الذين يرغبون في لعب ادوار عسكرية احترافية بحتة -- الى نظراء مدنيين يثقون بهم كي يتفهموا احتياجات البنية التحتية العسكرية.
وهذا امر بالغ الاهمية في عالم ما بعد الحرب الباردة حيث ادى انتهاء المنافسة بين القوتيين العظميين، والتغييرات التي حدثت في بنية القوات المسلحة نتيجة للتقدم التكنولوجي، الى بروز حالة من عدم اليقين أمام المخططين العسكريين في جميع انحاء العالم. وحيث ان التغييرات في العمليات العسكرية تحبذ ان تكون القوات العسكرية أقل عددا واسرع تحركا، وتعتمد بدرجة متزايدة على التكنولوجيات المعقدة للغاية، والتحسينات التي ادخلت على القدرات العسكرية، فان ضباط الجيش اصبحوا في حاجة الى التأكد من أن المدنيين المسؤولين عن الاشراف يتفهون احتياجاتهم. وبدون مثل تلك الخبرة، فان الثقة التي تدعو اليها الحاجة لدعم العلاقات المدنية العسكرية يمكن ان تتآكل بسهولة. وقد ساهم غياب مثل تلك المهارات في ايجاد عزلة متبادلة وانهيار سياسي في كثير من الدول.
وفي المستقبل، سيتطلب الايقاع السريع، وتعقيدات عالم متغير، ان تتعاون كل من السلطات العسكرية والمدنية تعاونا وثيقا لكي تفهم كل منهما احتياجات الاخرى. وهذا التحدى المروع هو المحك لتقوية العلاقات المدنية-العسكرية.




الشراكة من اجل السلام

مقابلة مع الجنرال جون ج. شيهان





تقدمت منظمة حلف شمال الاطلسي وتعرف بـ "ناتو" بفكرة الشراكة من اجل السلام في قمة بروكسل في عام 1994، لتقوية العلاقات بين حلف شمال الاطلسي والدول غير الاعضاء في الحلف. ومن خلال تشجيع روح التعاون والالتزام العمليين بالمباديء الديمقراطية، يعمل الشركاء معا لخلق صراحة اعظم في مجالات مثل العلاقات المدنية - العسكرية، والسيطرة الديمقراطية على القوات المسلحة. وتحدث الجنرال جون شيهان، القائد الاعلى لقوات حلف شمال الاطلسي، في هذه المقابلة مع المحرر ديفيد بيتس، عن الشراكة من اجل السلام، وما تعنيه هذه الشراكة في عالم اليوم.



سؤال: ما هي بعض العقبات التي تعترض سيطرة المدنيين على القوات المسلحة؟ من الواضح ان لدينا منذ زمن طويل تقليدا يقضي بذلك في الولايات المتحدة والديمقراطيات الآخرى. فما هو الوقت -- في رأيك -- الذي تستغرقه هذه الفكرة لكي تصبح مقبولة وراسخة في مجتمع ما؟
شيهان: انها تستغرق وقتا لا بأس به. هناك درجات مختلفة من التطور. وهناك درجات مختلفة من النضج. وهذا الامر يحصل في كل بلد، ولكن بصورة متفاوتة. ولكننا سنبلغ تلك الغاية في نهاية المطاف. ولذلك فانني متفائل جدا حيال هذا الامر.
سؤال: ماذا تفعل الشراكة من اجل السلام لتشجيع سيطرة المدنيين على القوات العسكرية، وبصفة خاصة في الديمقراطيات الناشئة في اوروبا الشرقية والوسطى والبلدان التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي سابقا؟
شيهان: يتم القيام بهذا الامر بطريقتين. الاولى، تعقد سلسلة من الندوات حول موضوع السيطرة المدنية على القوات العسكرية. وعلى سبيل المثال، هناك حلقة دراسية عقدت هنا في الولايات المتحدة في اواسط شهر حزيران / يونيو الماضي، دعونا اليها شخصيات لها خبرة في هذه المسالة، منها وزراء سابقون للقوات المسلحة، للتحدث عن دورها في هذه العملية. هذه طريقة.
الطريقة الاخرى لها صلة بالوضع القانوني للقوات المسلحة التي تشترك في "الشراكة من اجل السلام". فمثلا، إذا ارسلت دولة ما قوات للاشتراك في تدريب تجريه "الشراكة من اجل السلام"، فان قرار إرسال تلك القوات غالبا ما يتخذه البرلمان. كذلك يتعين ان يوافق البرلمان في تلك الدول على الاتفاقيات التي تعقد يهذا الشأن.
سؤال: هل هناك نشاطات معينة تقوم بها الشراكة من أجل السلام من شأنها ان تشجع بصورة عملية سيطرة المدنيين على القوات المسلحة؟
شيهان: إن تعاون قوات عسكرية من بلدان مختلفة وتعاونها معا يشجع بشكل عملي سيطرة المدنيين على القوات المسلحة. فمثلا، نحن نساعد في تشكيل قوة لحفظ السلام من دول آسيا الوسطى، من ثلاث دول مختلفة -- اوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان. ومع ان هذه الدول كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي سابقا، لم تكن معتادة على التعاون معا. وما نفعله الآن، هو مساعدتها في العمل معا، من منظور اقليمي. وعليه، فاننا من وجهة النظر هذه، نساعدها في إزالة بعض الحواجز التاريخية التي كانت قائمة.
وما زالت هناك حالات لا تستطيع فيها قوات من احدى الدول ان تعبر اراضي دولة اخرى. وما نحاول عمله الآن هو مساعدة تلك الدول التي لم تكن على وفاق في الماضي في التعاون مجددا بطريقة مختلفة.
واعتقد ان قضية توسيع ناتو كانت مُعينة. فالحوار بين الدول ذات الحدود المشتركة ساعد، مثلا، في تخفيف حدة التوترات الاثنية.
ولذا فانني اعتقد، بصورة عامة، ان هناك الكثير من الاعمال والنشاطات التي تساعد في في تحطيم التقاليد السلبية، وإرساء تقاليد للتعاون.
سؤال: قلت، في شهادة ادليت بها في الكونغرس في اوائل هذا العام عن سيطرة المدنيين على القوات العسكرية، "إن سعة ادراك القائد قائد وقدرته على فهم الابعاد الثقافية والاقتصادية والسياسية لنزاع او ازمة ما فهما كاملا يساوي في اهميته اتقانه وسائل الحل التقليدي المتمثل باستخدام القوة النارية." هل وجدت ان العقلية العسكرية في المجتمعات الشيوعية سابقا اخذت في الانحسار؟ شيهان: انها في مرحلة انتقالية. فإذا كانت هناك مؤسسات عسكرية بقيت لمدة 50 عاما تعمل ضمن اطار واحد وتعمل وفق نهج واحد، فمن الصعب جدا عليها ان تتغير. ولكننا نجد ان الناس الاصغر سنا لا يجدون صعوبة في التكيّف. فمثلا، عندما نجري تدريب الشراكة من اجل السلام، نقوم بمراجعة بعد التدريب حيث نجمع كل القوات معا ونجري عملية نقد علني لنبين اوجه الصواب واوجه الخطأ في ما قمنا به. وعندما بدأنا هذا الامر قبل سنتين كان غير مستساغ ابدا. ففي النظام السوفياتي القديم لا يجوز انتقاد الضباط الاعلى رتبة في الوحدة العسكرية. وكان كل ما يقولونه هو "هذه هي الطريقة المتبعة." والآن يتضايق هؤلاء إذا لم نقم بمراجعة بعد التدريب. ولكن لا يزال هناك بعض كبار السن الذين يجدون صعوبة في التكيف.
سؤال: هل يختلف فهم العسكريين لفكرة سيطرة المدنيين على القوات العسكرية عن فهم المدنيين لهذه الفكرة؟ هل تجرى دراسة لهذه القضية؟
شيهان: هذه القضية تدرس في أماكن مثل مركز مارشال (مركز جورج مارشال الاوروبي لدراسات الأمن) حيث تضم قاعات الدرس كل من المدنيين والعسكريين. وتجد ان هناك درجات متفاوتة من التفهم لما يقوم به مجتمع لكي يمارس المدنيون سيطرتهم وإشرافهم على القوات المسلحة. وبصورة عامة يتعلم كل منهم كيف يتكيف، كما انهم يطرحون الاسئلة الصحيحة؟
وكما يجد بعض العسكريين صعوبة في التكييف مع الحقائق الجديدة، هناك بعض المدنيين ممن يتعلمون ما هي الاسئلة الصحيحة التي يطرحونها، وما هي المسؤوليات التي تضطلع بها البرلمانات. ولكني اعتقد بوجه عام ان معظمهم يسير في الاتجاه الصحيح. سؤال: ما هي انواع البرامج التي تساعدهم لكي يسيروا في ذلك الاتجاه؟
شيهان: يوجد الكثير من البرامج. فالكونغرس الاميركي مثلا، لديه علاقة مع برلمانات اخرى. كما ان مجلس شمال الاطلسي لديه ايضا علاقات برلمانية، ويدعو اعضاء من الكونغرس الاميركي للحوار مع اعضاء برلملنات أخرى. كما يراقب وزراء من دول اخرى تدريبات الشراكة من اجل السلام. وبالتالي هناك عدد كبير من النشاطات، ولا يوجد حل وحيد.