بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذه حياة أبو القاسم الشابي مند بداية طفولته إلى نهاية حياته التي لم تدوم طويلاً قولا وعملاً يؤمن بأن لقادة الفكر رسالة إنسانية سليمة كان حاد الذهن وديعا متأنقا طروبا لمجالس الأدب وكان محباً لبلاده صادقاً, الوطنية ونعاه أحد قادة الحركة الوطنية المختارين آنذاك وأحد أعضاء الديوان السياسي للحزب في ذاكره الأربعين فأكبر روحه الأدبية ونبوغه الشعري وأشار إلى الناحية الوطنية والإحساس الفياض الذي كان الشاعر يفيض به عن أمال بلاده وأحلامها.
وهذان البيتان استبقاهما الشاعر لهذا الديوان من قصيدة نظمها في ذي القعدة سنة 1343 هـ وإلى قاريء نصها كما وجدناه في مسودات الشاعر (من وراء الظلام):-
ضيع الدهر مجد شعبي ولكن ***** سترد الحياة يوماً وشامه
إن ذا عصر ظلمة غير أني ****** من وراء الظلام شممت صباحه


أبو القاسم الشابي
1909 – 1934
من أبناء القرن العشرين الذين نشأو فيما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية أيام كان العالم العربي يتعثر بين حاضره الأليم وماضيه القريب المنقوص ودعاة الإصلاح وأنصار الجديد في تلك الفترة الانتقالية أنما يلقون جحوداً وأذى لا تزيدها سيطرة الغرب على الشرق وشموخه بحضارته ووثوقه بمصيره إلا احتدما وسطورة لدى فريق واسع من الخاصة والعامة على السوء.
بيد ان الشاعر لم يتردد كثيراً حتى عرف سربه فأنضم إليه تم صدح محلقاً إلى أن اختطفته يد المنون وهو في ريعان الشباب.
كان والده من خريجي الأزهر ومن مجازيه وبه درس أولاً فأقام بمصر في أوائل هذا القرن سبع سنين تم درس بتونس بجامع الزيتونة سنتين حصل بعدها على التطويع ثم سمى قاضياً شرعياً لسنة من ولادة بكر أبي القاسم فتصرف في قضاء كثير من البلدان التونسية.
كان يقضي يومه بين المحكمة والمسجد والمنزل حيث ينبسط مـع أهله, وقد نشأ أبو القاسم في سن تكوينه الفكري والخلقي في كنف رعايته الصالحة يقتبس من عمله وأدبه كان رحمه الله صادق التقى قوي العقيدة لا يخشى في الحق لومة لائم له غيرة على شئون المسلمين والإسلام ينفعل بما يجري آنذاك من أحداث بالشرق العربي وطرابلس الغرب أو بلاد الريف قال الشاعر مثحدتا عن أبيه (إنه أفهمني معاني الرحمة والحنان وعلمني أن الحق ما في هذا العالم وأقدس ما في هذا الوجود).
لم ينشأ أبو القاسم بمسقط رأسه فقد خرج عنه في سنته الأولى ولم يكد يعرفه الا قليلاً أثناء قلمتين قدميتن أقام فيها نحواً من ثلاثة أشهر الأولى عند ختانه في الخامسة من عمره والثانية زائرا وقد استغرقت جولة الأسرة حوالي عشرين سنة ضربت بمجرها في بالبلاد التونسية طولاً وعرضاً متنقلة من قابس إلى سليانة فتالة ومن مجاز الباب إلى رأس الجبل فزغوان وبين هذه المدن من الأميال ما يقدر بالمئات أحيانا وعلى نسبه ذلك اختلاف العادات واللهجات والمشاهد الطبيعية فلم تكن واحة قابس كبسائط مجاز الباب يغمرها الحصيدة ولا هذه كبساتين رأس الجبل أو كجيب زغوان يكسوه شجر الصنوبر ولم يكن حر قابس كتلوج تاله ولا حياة الفلاحين بمجاز الباب كحياة صيادي السمك بقابس أو رأس الجبل ولا طباع أهل الشمال كطباع أهل الجنوب هذه مراحل أبو القاسم وشبابه عملت على تضخيم تجربته وتدفق شاعريته وإزدهار ريشته بيد أن الشاعر أفاد ما يفيده كل عابر سبيل متيقظ واٍع إذا ما أستقر بأرض كان ربيها لا أبنها الأصيل فأطلقه هذا المصير من حدود البيئة الضيقة وأكسبه (تونسه) انسانيه الأفاق.
قدم أبو القاسم الشابي إلى العاصمة 1339هـ.1920م.
للدراسة بجامع الزيتونة في الثانية عشر من عمره وقد تكون سريعاً وقال الشعر باكراً كون لنفسه ثقافة واسعة عربية حيث جمعت بين التراث العربي في أزهى عصوره وبين روائع الأدب الحديث بمصر والعراق وسوريا والمهجر ولم يكن يعرف لغة أجنبية فتمكن بفضل مطالعاته الواسعة من استيعاب ما تنشره المطابع العربية عن أداب الغرب وحضارته وكانت أول نشراته في الصفحة الأدبية التي كانت ترتبها (النهضة), كل اثنين سنة 1342-1926م وفي سنة 1346هـ, 1927 ظهر شعره مجموعاً في المجلد الأول من كتاب( الدب التونسي في القرن الرابع عشر).
وبنفس السنة ألقى بنادي قدماء الصادقية محاضرة حول (الخيال الشعري عند العرب) كانت مادة الكتاب الذي نشر بنفس العنوان في السنة التالية.
وإنك لتجده وهو يواصل دراسته ويضع شعره في صميم حركات الإصلاح التي كانت تختلج بها النفوس آنذاك من بعث لحركة الشباب المسلمين ودعوة لتجديد الجهاز الثقافي التقليدي ومناصرة لحركة تحرير المرآة ودعوة التجديد في الأدب تحتل المكان الأول من نفسه وقد أحدث كتابه (الخيال الشعري) الضجة الكبرى وأستهدف الشاعر بسببه لحملة صحفية عنيفة ثبت لها ثبات بما يقول نشرت هذه الآثار في حياة والده فلم ينكر عليه مذهبه ووجد الشاعر في تسامح أبيه ما يعزز ويثبت خطاه وفي هذه الأثناء سنة 1929م نكب بوفاة والده المحبوب ولقد رافقه عليلاً من بلد (زغوان) إلى (توزر) مسقط رأسه وتجرع غصص مرضه وطفحت الكأس بموته وهو في الخمسين من عمره فاضطلع بأعباء عائلة كبيرة وأختار طريقاً وعراً فإنه ضنا بحرية الأديب والشاعر لم يلج باب الارتزاق من المناصب الحكومية ورضى بحياة بسيطة على رأس أسرته بتوزر حيث تزوج ولعل هذا الذي عاناه بعضهم حين قال(كنا نرى في نفسه الزكية مثال القناعة في أفضل ألوانها والطموح على خير وجوهه).
وفي السنة نفسها أصيب بداء تضخم القلب وهو في الثانية والعشرين من عمره بيد أنه رغم نهى الطبيب لم يقلع عن عمله الفكري وواصل إنتاجه نثراً وشعرا ً وقد نشرت له سنة (1933) بمجلة (أبولو) المصرية قصائد عملت على التعريف به في الأوساط الأدبية بالشرق العربي وإلى أبى القاسم أو كل صديقه الدكتور أحمد زكي أبو شادي تصدير ديوانه (الينبوع) .
لم يكن الشاعر المريض يغادر (توزر) إلا في الصيف ويقصد المصطافات الجبلية كعين دراهم بالشمال التونسي سنة (1932) وشرع أثناء مصيف سنة (1934) في جمع ديوانه (أغاني الحياة) بقية طبعه بمصر فانتسخه بنفسه بحامة الجريد مستعينا ببعض أدبائها فقد انتابه المرض بغاية الشدة وقصد (تونس) يوم 26 من أغسطس سنة (1934) وبها توفي سحرا ً يوم 9 من أكتوبر سنة (1934) ثم نقل جثمانه إلى بلده (توزر) حيث قبره.
ومن صفات الشاعر أنه:-
نحيف الجسم , مديد القامة , قوي البديهة, سريع الانفعال, حاد الذهن, لكن فارقه طبعه من غرب عاطفته وحدة في ذهنه يراه أصدقاؤه (بشوشا, كريما ً, وديعا ً, متأنقا ً, طروب لمجالس الأدب محب الفكاهة الأدبية, ويراه من لم يخالطه شخصا ً محتشما ً ويعرف منه هؤلاء وأولئك صراحة حازمة قوية يبديها بخاصة خلطائه في غيرها تحرج متى اجتمع بهم ويجاهر بها العموم في شعره ونثره وكان محبا ً لبلاده وصادق الوطنية يؤمن بأن لقادة الفكر رسالة إنسانية سليمة حاول جهده أن يحققها في أثناء حياته القصيرة قولا ً وعملا ً.