الدولة والنشاط الاقتصادي

-
ماهية الدولة.
- علاقة الدولة بالنشاط الاقتصادي .
- مستقبل الدولة في ظل المتغيرات الجديدة .
وفيما يخص العنصر الأول ـ ماهية الدولة ـ قدم الدكتور المحاضر مفاهيم مختلفة لمصطلح الدولة ، حيث أكد المحاضر على أن هذه المفاهيم تتغير حسب كل مرحلة تاريخية ، وأنه لا يوجد مفهوم أو تعريف محدد لها .
فالمفهوم العام للدولة أنها تنظيم سياسي واقتصادي واجتماعي يندرج تحته الأفراد والتنظيمات .
ويراها بعض المفكرين السياسيين ( كماكس فيبر ) بأنها مؤسسة سياسية تحتكر شرعية استخدام القوة وتعمل بصفة مستمرة على فرض النظام والقانون ، أما (جورج بوردو ) فالدولة كيان مصطنع تسمح ببقاء الأفراد تحت سيطرتها والخضوع لها ، دون الشعور بأنهم يخضعون لآخرين .
؛ واستنادا على ذلك ، فمفهوم الدولة يرتبط بوجود رقعة من الأرض وشعب، وسلطة سياسية أو حكومية ، إلا أن هذه العناصر جميعها ليست هي فقط مقومات الدولة ، بل يجب توفر الوعي المعرفي والأخلاقي والسياسي السائد في المجتمع .
كما يرى (جورج بوردو ) إن الناس اخترعوا الدولة حتى لا يطيعوا الناس .
إذن فالدولة هي اختراعا أو كيانا سياسيا مصطنعا ، أو هي كيان مصطنع كما ورد في الكتاب الأخضر ، وقد ينسجم الكيان المصطنع مع التكوين الاجتماعي وفي بعض الأحيان لا ينسجم معه وذلك عندما يكون من قوميات متعددة ومتفككة .
وفيما يتعلق بالعنصر الثاني ـ علاقة الدولة بالنشاط الاقتصادي ـ طرح الدكتور المحاضر تساؤلا حول وظيفة الدولة وعلاقاتها بالنشاط الاقتصادي ، حيث أشار إلى أن البعض يرى أن من وظيفة الدولة توفير الخدمات الأساسية للمجتمع من أمن داخلي وخارجي وتعليم وصحة ، كما تقوم بتوفير النظام القضائي لحماية حقوق المواطنين ، إلى جانب تحقيق بعض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية .
وتحتاج هذه الخدمات إلى تمويل ، والدولة تمول إنفاقها من مصادر عدة مثل الضرائب والعوائد التي تعود عليها من أملاكها ، وأحيانا بالإقراض الداخلي أو الخارجي .
وينقسم الإنفاق على إنفاق خاص يقوم به الأفراد والمؤسسات الخاصة ، والإنفاق العام وهو إنفاق الدولة من أجل إشباع الحاجات .
كما أن من مسئولية الدولة الإشراف على النظام النقدي وإصدار العملات ، فضلا عن قيامها ببعض السياسات لتحقيق الاستقرار الاقتصادي كاستخدام السياسات المالية والنقدية لمعالجة التضخم والكساد .
يلاحظ مما سبق أن الدولة تتدخل في النشاط الاقتصادي وهي بذلك تؤثر فيه ، وان لهذا التدخل أثار سلبية أو إيجابية .
ولكن هل تتدخل الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر ؟ ولقد أجاب الدكتور المحاضر على التساؤل السابق من خلال تتبع التطور التاريخي لدور الدولة منذ القدم وحتى الوقت الحالي .
( فكو نفوشيوس ) يؤكد على ضرورة قيام الدولة بتوفير سبل الحياة الكريمة لأفراد المجتمع من خلال العناية بالإنتاج وتوزيع الثروة لتحقيق العدالة الاجتماعية ، ويعد ذلك تدخلا مباشراً للدولة ( أفلاطون ) في مدينته الفاضلة أكد على ضرورة التدخل المباشر للدولة لتمنع الفقر المدقع والثراء الفاحش لأن كل منهما يؤثر على الإنتاج والمنتج .
أما (أر سطو) يرى ضرورة خضوع النظام الاقتصادي للملكية الخاصة ، وأن يترك للفرد حرية امتلاك الأموال بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج ، مع مراعاة بعض الاعتبارات الإنسانية ، وهذه فلسفة رأسمالية .
والفكر الروماني أكد على الملكية الفردية المطلقة وحق التعاقد ، وعدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي إلا في حالة الضرورة القصوى .
كما يرى ( ابن خلدون ) أن دور الدولة يمثل في الجباية وإصدار النقود ، ومن الأفضل عدم تدخل الدولة بشكل مباشر في المشاريع حتى لا يؤدي ذلك إلى انهيار العمران .
بينما يرى (المقريزي ) أن الدولة تتدخل في حالة الأزمات الاقتصادية وهو ذات التحليل الكنزي وفي النظام الإقطاعي، احتكرت الكنيسة الدين والفكر وفرضت هيمنتها على الاقتصاد وربطت ذلك بمصالحها ، فالكنيسة هي الدولة .
وبانهيار النظام الإقطاعي وانفصال الدين عن الدولة بدأت الدولة بداية رأسمالية تجارية وحددت قوة الدولة في حصولها على الثروة من الذهب والفضة بتشجيع الصادرات وتقليل الواردات وبالنهب من المستعمرات لتحقيق التكوين الرأسمالي ، على أن تتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي بشكل مباشر لتحقيق تلك الأمور .
إلا أنه نتيجة للأوضاع الاقتصادية السيئة خاصة في فرنسا والتي نجمت من تنفيذ النشاط الاقتصادي ، ظهرت المدرسة الطبيعية ، التي أكدت على عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وأن يقتصر دورها على إصدار التشريعات ، والكشف عن القوانين العلمية للاستفادة منها إضافة إلى تحقيق الأمن والعدالة والتعليم ، ومن هنا تأكدت الفلسفة الرأسمالية .
تم جاء ( آدم سميت ) لتأكيد دور الطبيعيين ، ووفقا لهذا المفهوم على الدولة أن ترفع يدها عن النشاط الاقتصادي لأن تدخلها يضر بالإنتاج ويعرقله .
إلا أن تطبيق هذه الفلسفة وسع الفوق بين الفقراء والأغنياء ، وأدى إلى عدم تحقيق العدالة ، مما مهد لظهور أفكار مناهضة لها ، واصبح الجدل قائماً بين الرأسماليين الذين ينادون بعدم تدخل الدولة بشكل مباشر وبين الاشتراكيين الذين ينادون بالعكس، ولعل انهيار الكثلة الاشتراكية جعلت من حجة الرأسماليين هي الأقوى .
بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى في عام 1929 طالب ( كينز ) بضرورة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي لخلق الطلب الفعال من خلال وضع سياسات لمنع البطالة ، وإقامة مشاريع وهمية لزيادة الإنفاق وذلك لحماية النظام الرأسمالي من الانهيار .
بعد الحرب العالمية الثانية واستقلال الكثير من الدول ظهر مصطلح التنمية الاقتصادية الذي يتطلب ضرورة تدخل الدولة في الاستثمارات لدفع عجلة التنمية خاصة بعد فشل نظام السوق في تحقيقها أما الكتلة الاشتراكية فتبنت أسلوب التخطيط المركزي من خلال تحديد الأهداف ووسائل تحقيقها والخطط الاقتصادية بحيث أصبح الاقتصاد بيد الدولة ودور الفرد فيها محددا للغاية وهامشيا .
مما سبق يلاحظ أن دور الدولة لم يكن واحدا في كل العصور والأماكن ، فدورها اختلف باختلاف الأيدلوجيات الرأسمالية والاشتراكية ، وباختلاف الظروف الاقتصادية من حروب واستعمار ، ومع ذلك يلاحظ زيادة الإعباء الملقاة على عاتقها فكلما ازدادت مهمتهما ازداد تدخلها في النشاط الاقتصادي .
وبانتهاء الحرب الباردة وانهيار الكتلة الشرقية ، انحازت الدول المنهارة إلى الاتجاه نحو نظام السوق والعودة إلى الأفكار الرأسمالية من جديد ، والمناداة بحرية التجارة ، وعدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي بشكل مباشر .
وبظهور العولمة الرأسمالية وسيطرة الشركات المتعددة الجنسيات على اقتصاديات العالم والقيام باستثماراتها في أي مكان تجد فيه مصلحتها وتحقق أرباحها وتتضح سيطرة هذه الشركات على العالم في عظمة ميزانياتها التي تفوق ميزانيات الدول الكبرى وفي عدم قدرة الدول الأخير ة على مواجهتها .
مما أدى ذلك إلى تهميش الدولة واصبح بقاؤها مشكوكا فيه .
وبناء على ما سبق وفي ظل العولمة سيكون أمام العالم طريقان :
الطريق الأول : يسير فيه العالم متجاوبا مع العولمة الرأسمالية ، حتى يصل إلى نهاية مؤسفة تضيع فيها القيم وتحزب فيها العالم وينهار كما تنبأ له ابن خلدون وذلك لسيطرة الربح على الاقتصاد .
الطريق الثاني : وهو ما يمكن للعالم أن يختاره بوعي ودون أن يتم فرضه عليه ويكون العالم وحدة واحدة متكاملة يسمح فيها للشعوب بتقرير المصير كما يكون هناك أمم متحدة لا دول متحدة .
هل سيتم اختيار هذا الطريق ؟ ومتى يتم التفكير فيه ؟