المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الغزو الايطالي لليبيا وبداية المقاومة الوطنية 1911 – 1912 م



طارق عمر البدرى
26-02-2009, 04:56 PM
لم اجد مكان مخصص للاحداث التاريخية (( وللاسف وضعته فى الارشيف)) على الرغم من اننا نستمد قوتنا من ماضينا المشرف.. فهذا الماضى هو المستقبل المزهر

الغزو الايطالي لليبيا وبداية المقاومة الوطنية 1911 – 1912 م
سنتناول في هذا البحث المواجهة الليبية للقوات الايطالية التي هاجمت البلاد بقصد احتلالها والتي تمثلت في سلسلة من المعارك علي مختلف الجبهات علي طول الساحل الليبي وليس المقصود هنا الدخول في تفاصيل العمليات العسكرية للمعارك ولكن المقصود أعطاء صورة واضحة متكاملة علي أن الليبيين لم يواجهوا ايطاليا برفع الراية البيضاء والتحجج بضعف قواتهم أمام قوات هائلة بأساطيلها وآلياتها وأحدث أسلحتها بل واجهوها بصلابة
وصمود رغم فارق السلاح والعتاد والتموين , واستطاعوا أن ينقلوا هول الصدمة من صفوفهم إلي صفوف الغازي الايطالي الذي فوجئ بما لم يتوقع وبدأ يدرك أنها مقدمة لحرب طويلة وليس مجرد نزهة بحرية أو مناورة عسكرية كما في اعتقادهم .
كانت الاعتبارات والعوامل الاقتصادية من أساسيات الغزو الايطالي وكذلك الإستراتيجية الخاصة بليبيا والتي تمكن ايطاليا من تهديد تونس الواقعة تحت الاحتلال الفرنسي وكذلك مصر التي كانت واقعة تحت الاحتلال الانكليزي وقد سبقت ايطاليا الاحتلال بعقد مجموعة من الاتفاقيات مع بعض الدول الأوربية لتحديد مناطق النفوذ في منطقة البحر المتوسط وبخاصة فرنسا وانكلترا وألمانيا والنمسا وأسبانيا منذ عام 1887 م وحتى روسيا عام 1909 م علي الرغم من وقوف الرأي العام ضد التوسع والمطامع الايطالية .


وبعد فشل ايطاليا في برنامجها السلمي للسيطرة علي ولاية ليبيا وجدت نفسها مجبرة علي خوض حربا حاولت إن تتفادها بكل الوسائل فأخذت تعد العدة وتجهز أساطيلها للتوجه نحو الولاية وكان لابد لها من إن تقوم بمناورة سياسية تغطي بها مثل هذا العمل العدواني الذي ستقدم عليه لذا فإنها قامت بتوجيه إنذار إلي الحكومة العثمانية يحتوي علي مجموعة من الاتهامات والافتراءات الغير صحيحة منها :-
1- أن الدولة العثمانية عن طريق ولاتها تقوم بعرقلة المشاريع الايطالية في الولاية .
2- أن الدولة العثمانية تعطي الأولوية والاهتمام لغيرها من الدول خاصة ألمانيا.
وقد أمهلت الحكومة الايطالية مهلة قصيرة مدتها 24 ساعة للرد علي الإنذار وهذا يوضح نوايا ايطاليا في أنها فقط كانت تحاول إن تضفي علي عدوانها هذه الصفة الشرعية علي أساس أنها أنذرت الحكومة العثمانية ولكن القضية هنا هي تحصيل حاصل فايطاليا مصممة علي الغزو وما الإنذار إلا غطاء لهذا العمل .
أعلنت ايطاليا الحرب علي الدولة العثمانية وحاولت أن تبرر الأمر علي انه حرب ضد تركيا وليس ضد الليبيين وهذا الأمر غير صحيح فهي تحاول أن تفصل بين الليبيين والأتراك وهي تحاول أيضاً أن تجعل حربها مع دولة قوية مثل تركيا لأنه في حالة فشلها ستتضرع بأنها تصارع دولة لها مركزها السياسي والعسكري.
تحركت ايطاليا بأساطيلها صوب ليبيا في سبتمبر 1911 م حتى أن الرد علي الإنذار جاء والأسطول الايطالي في عرض البحر فالقضية كما اشرنا سلفاً هي تحصيل حاصل فوقعت الحرب.
وهنا يجب الإشارة إلي أن اغلب المؤرخين يسمون هذه الحرب الايطالية التركية واسقطوا ليبيا من هذا الصراع بالرغم من إن الحرب دارت رحاها علي ارض ليبيا ولم تكن علي ارض تركيا وزد علي ذلك إن وقود هذه الحرب (غالبتهم 4) من الليبيين وضحايا هذا الصراع من هذا البلد ونتائجها أثرت بطبيعة الحال في بنية البلاد , ومن هذا المنطلق يصبح من غير المعقول أن نطلق عليها هذا المسمى ونردد ماتذكره المصادر الايطالية ويجب إن نطلق عليها التسمية الصحيحة ونقدم الجانب الليبي عن سواه لأنه هو الجانب المؤثر والمتأثر فتكون التسمية الحقيقية
(( الحرب الليبية الايطالية التركية )) .
اعتبرت ايطاليا أن جربها هذه هي عبارة عن نزهة بحرية لن تكلف ايطاليا الكثير ولكن كما يقال تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فما أن وطأت إقدام الغزاة ارض الوطن حتى فوجئت بطهور مقاومة شعبية رائعة رغم الفارق الواضح في العدد والعدة , فوقعت عدة معارك ضاربة وقوية لا يسع المجال هنا للحديث عنها كلاً علي حدى ولكن نستطيع أن نجمل القول إنه خلال هذا العام من أكتوبر 1911 م إلي أكتوبر 1912م حدثت مجموعة من المعارك الكثيرة منها :-
الهاني – شارع الشط – بومليانة – جنزور - جليانة – الهوا ري أو النخلتين – الكويفية – المرقب – ومعارك طبرق . وغيرها من المعارك والتي كانت في مجملها من القوة بحيث أربكت ساسة وعسكر ايطاليا وقلبت رأسا علي عقب كل تقديراتهم وحساباتهم ومخططاتهم وأثبتت بالبرهان المعادلة التي وضعها ساسة ايطالية .
وقد نتج عن هذا الصراع خلال الفترة 1911-1912م بعض النتائج الهامة والتي نستطيع أن نوجزها فيما يلي :-
أولا :- إن الليبيين لم يتخلوا إطلاقا علي الأتراك بل إنهم التحموا صفا واحداً وتناسوا مشاكلهم واخذوا يوجهون جهودهم لمواجهة ومحاربة الخطر الصليبي .
ثانياً :- انحصار الوجود الايطالي في المناطق الساحلية فقط ولم تفلح محاولات ايطالية المتكررة لكسر الطوق للتوغل في دواخل البلاد وهذا يعني فشل ايطاليا وعدم سيطرتها علي كامل البلاد.
ثالثاً :- إن هذه الحرب خيبت أمال ايطاليا وأظهرت بوضوح سذاجة وقصر نظر ايطاليا فيما يخص العملية الاستعمارية .
رابعاً :- بعد مرور عام من الحرب وعدم مقدرة ايطاليا علي السيطرة التامة علي التراب الليبي لجأت إلي التلويح والتهديد باستعمال الورقة المحظورة وهي نقل الحرب إلي بحر إيجا وبالفعل قامت ايطاليا بتحريك قوتها الموجودة في هذه المنطقة وما أن علمت الدول الأوروبية بذلك حتى هبت جميعها لحل المسألة ومنع نقل الصراع إلي المنطقة المحظورة .
وهنا يتضح أن ايطاليا قد خرقت الاتفاقيات التي عقدتها مع الدول الأوروبية المعنية وبالتالي أخذت هذه الدول تضغط علي تركيا من أجل عقد الصلح مع ايطاليا وإنهاء الصراع بدأت هذه المرحلة تشهد تحرك سياسي ودبلوماسي علي نطاق واسع من أجل إنهاء الحرب ولان تركيا كانت في هذه المرحلة قد أشتد بها المرض وأنتشر في بقية جسدها لذا وجدت نفسها مجبرة علي قبول الصلح وعقدت المفاوضات بقرية أوشي القريبة من لوزان ومن جديد غيب الليبيين عن تقرير مصيرهم .
وهكذا عقد هذا المؤتمر وطرح فيه مطالب ايطاليا والتي من بينها تنازل تركيا عن ليبيا لايطاليا وفعلاً تم الاتفاق علي البنود واتخذا اخطر قرار وهو انسحاب تركيا من ليبيا وبقاء ايطاليا وبانسحاب تركيا فعلياً بدأت حركة الجهاد تشهد مرحلة أخري من اخطر مراحلها حيث أصبح الليبيون في ساحة الصراع بمفردهم بعد أن كانوا يتحركون تحت ظل المظلة التركية العثمانية .
ومن هنا نستطيع القول إن ليبيا بشكل عام وحركة الجهاد بشكل خاص أصبحت مُقدمة علي مرحلة جديدة وخطيرة وهي صراعهم مع ايطاليا بمفردهم بما يمتلكون من مصادر محدودة لمقاومة هذا الغزو الكبير وخاصة إن الليبيين لم يكتسبوا الحنكة السياسية في تلك الفترة نتيجة إن تركيا لم تعمل علي خلق كوادر سياسية وعسكرية في البلاد ولم تهتم بنشر الوعي السياسي في المنطقة .
ولكن عندما عقد صلح أوشي لوزن في 15 أكتوبر 1912م وانسحبت تركيا من البلاد بدأت المقاومة والنضال الليبي الحقيقي ضد المحتل الجديد الذي استخدم الأسلحة الفتاكة والمدفعية والطيران لأول مرة في العمليات العسكرية لتلك الحرب القاسية ضد الشعب الأعزل الذي لا يملك من الأسلحة إلا الإيمان والعزيمة علي الجهاد لطرد المستعمر الايطالي من البلاد .