المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تاورغاء.. جرح الوطن النازف



المشرف العام
13-11-2011, 06:21 PM
تاورغاء.. جرح الوطن النازف
طارق وريث
2011-11-11

أدهشتني أرقام الهجرة القسرية إلى خارج البلد (مدينة تاورغاء الليبية) بشكل خاص مما يجب الوقوف عندها كقضية ليبية وطنية هامة.
لقد أدت ظاهرة الهجرة المتزايدة والقسرية إلى قيام وطن مواز خارج الحدود هو (تاورغاء المهجر)، وفي الوقت الذي انصب فيه هم المهاجرين واللاجئين نحو توفير العيش الكريم ورعاية أسرهم والاهتمام بتعليم ورعاية أبنائهم من الجيل الجديد بما يضمن الانتماء للوطن وحرمانهم من حقوقهم الدستورية والقانونية قد يستدرك علي البعض بأنه من الطبيعي ومن سنن الكون الهجرة من مكان لآخر أملا في تحقيق الفوائد المتعارف عليها التي أشار إليها بالأمر(سافر) الإمام الشافعي معددا فوائد السفر مع ملاحظة ان يكون السفر طوعا.
ويصح القول أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نص في المادة (13) منه على حق كل فرد في حرية التنقل واختيار مكان إقامته داخل حدود وطنه كما له الحق في المغادرة لبلد آخر والعودة لبلده مرة أخرى دون تعسف وهذا الحق الانساني هو ما ظلت تؤكده دساتير الدول إلا أن واقع الحال والممارسة وما يحدث من هجرة قسرية لسكان مدينة تاورغاء الليبية تكذب النص وتمشي على خطوطه الحمر نتيجة لممارسات البعض الذين لا يحترمون سطرا مما كتبه في الوثيقة العالمية لحقوق الانسان.
انني لست ضد التنقل و الهجرة بهجرات داخلية وخارجية ولكن شتان ما بين الهجرات الطبيعية التي تتم بالإرادة الحرة وتلك التي تتم قسرا لإفراغ البلد من 'اهلها' ، فبينما تتعدد أسباب الهجرات إما بحثا عن ظروف معيشية أفضل أو استجابة لضغوط اجتماعية أو بيئية أو نتيجة للحروب أو الفتن كما هو حاصل لمدينة تاورغاء في ليبيا.
أن أساس الأوطان ومحور حياة شعوبها هو ارتباط الإنسان بأرضه ووطنه ولذا يقال ان حب الوطن من الايمان وهذا الحب للوطن ينمو ويترعرع في ظل التعايش السلمي واحترام البشر لبعضهم و إقامة العدل الذي يعمق الانتماء والارتباط بالوطن، هذا أمر أكده القرآن الكريم والشرائع السماوية حين تم الربط بين حماية الدين والدار.
ولعلنا نستعيد من السيرة النبوية اللحظة التي أخرج فيها سيدنا محمد(صلى الله عليه وسلم) من مكة المكرمة وحزنه على ذلك وهو يقول: والله انك لأحب الأرض إلى وانك لأحب ارض الله إلى الله ولولا أن اهلك اخرجوني منك ما خرجت، لذا فانه من أصعب الأمور على الإنسان مغادرة الوطن مهما تكن الأسباب خاصة وان الهجرة تقود إلى واقع ربما تكون أكثر مرارة من الواقع المعاش ويصبح حال المهاجر كحال المستجير من الرمضاء بالنار.
إن ما يحدث من هجرة قسرية لسكان مدينة تاورغاء الليبية اليوم تعد جريمة إنسانية، خصوصا إذا ثبت صحة التصريحات التي تفيد بالتخطيط المسبق لها من قبل فئة من المارقين والخارجين عن القانون.
ولن يطول الوقت الذي تصبح فيه هذه المسالة قضية مزعجة وقضية وطنية ليبية أساسية تضاف لقضايا الوطن الجريح المعلقة دون حل.
إن التهجير القسري يجعل من مسالة هجرة الإعداد الكبيرة كارثة وطنية وجرحا جديدا نازفا في خاصرة الوطن واستنادا على تقارير الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي باعتبار الهجرة قضية مصيرية وهامة فالتقارير تستحق القراءة و التحليل الدقيق والوقوف عند حقائقها المؤلمة، إذ تورد حقائق المأساة المفزعة التي يمر بها أهل تاورغاء بدءا من لحظة الهروب من المنطقة ومواجهة الموت والواقع المرير ثم مخاطر الطريق والسجون والمعتقلات وانتهاء بالوصول إلى غابة الاضطهاد العرقي الذي لا يعرف سقف ولا نهاية حتى عند نهاية الرحلة التي تقف دون الوصول لمبتغى. إن التقارير تأخذ مصداقيتها من معلوماتها المستقاة مباشرة من قاعدة بيانات الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الصليب الاحمر الدولي، ويكفي المنظمتين رصانة وجدية أنهما تضمان أفضل الكوادر التي تبحث في شؤون الهجرة على مستوى العالم.
ومن باب اهتمامي بهذه القضية من الإسهام في لفت أنظار الحقوقيين وكل الجهات المعنية بهذه الكارثة الإنسانية وتوسيع دائرة المتابعين ووضع القضية في مقدمة الاهتمامات الوطنية وأولويات مؤسسات المجتمع المدني وكل المهتمين بقضايا الهجرة رأيت أن أقف عند بعض النقاط الهامة
- إن عدد المواطنين الذين تشردوا قسرا من أهالي مدينة تاورغاء بسبب هذه المحنة يزيد عن ثلاتين ألف نسمة
- أن العدد المذكور أعلاه يشمل فقط من تم اعتمادهم بواسطة التعداد السكاني للمدينة والمناطق المضيفة كلاجئين ولا يشمل المغتربين أو المهاجرين الاقتصاديين أو أولئك الذين لم يبت في شانهم من المسجلين لدى السجل المدني بالمنطقة.
- إن عدد الهجرات القسرية التي حدثت في هذه المنطقة وهذا ما يتواتر على كباروشيوخ المنطقة هي ثلات هجرات عبر العقود الماضية حتى نكاد نصل لعدد من تم تهجيرهم خلال الحرب النازية في أوروبا والذين كانوا السبب في إصدار قانون الأمم المتحدة للاجئين في العام 1951 م.
- تورد التقارير وقائع مؤلمة وبعض الصور المحزنة والمأساوية التي نشرت في الصحف والمواقع الإلكترونية والجثت المتوزعة داخل المنطقة من سكانها.
فإذا كان عدد المهجرين قسرا أكثر من ثلاتين ألف نسمة وأضيف إليهم أولئك الذين لم يبت في وضعهم من المسجلين لدى السجل المدني بالمنطقة فكم يا ترى تعدادهم؟.

' كاتب ليبي