المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شكرا دكتور جبريل إذا....



المشرف العام
31-10-2011, 06:58 AM
شكرا دكتور جبريل إذا....
سليمان ابوالهول


انحرافات عديدة وممارسات خاطئة كثيرة وقع ويقع فيها قادة المرحلة الانتقالية وثوارها بعضها يمكن تبريرها بظروف ومتطلبات مرحلة التحرير، وأخرى تشي بأمور غاية في الخطورة ولا يوجد ما يبرر وقوعها، وسنعرض لهذه الانحرافات والممارسات الخاطئة في سلسلة مقالات نقدية، هدفها الحيلولة دون تحوّل المقاتلون من أجل الحرية والمناضلون للتحرر من العبودية إلى زمر من الفاسدين، وخلق ثقافة ومناخا ينظر إلى الفساد والمفسدين على أنه مصدر التهديد الحقيقي لبناء أي دولة، فالصحافة والنقد المتحرّر من كل القيود سوف يفضح الفساد بكل أشكاله وألوانه، ويؤدي إلى وجود حكومة أمينة وصادقة وطاهرة، لأن النقد موجها للأداء وليس للأشخاص، فلا نريد بعد التحرير قراصنة ينقضّون على ثورة الشباب، أو زمرة مهوسة بالسلطة، ولا نريد رسكلة " recycling" للوجوه القديمة، ولا لمن تتلبسهم حالة الدكتور " جيكل "، واستشهد هنا بقول لمساعد وزير خارجية أمريكي سابق جاء فيه " حينما تكون وسائل الإعلام حرة فإن سوق الأفكار قادر على فرز اللا مسؤولة من المسوؤلة ومكأفاة الأخيرة " وأنا لست من أنصار ترك الحبل على الغارب، فهدفنا هو بناء دولة ليبيا الجديدة، ليبيا القانون والمؤسسات، ليبيا العدل والشفافية والنزاهة والمصداقية.

ونبدأ اليوم بالحديث عن واحدة من هذه الانحرافات والمتعلقة بشيوع " آفة التضليل المتعمد " في الانتشار، والذي يجده الكثيرين أقرب منه لآفة الكذب من وصف ذلك بالتضليل والغموض وكما أن الفساد المالي هو الآفة التي تقضي على كل الجهود الوطنية للتنمية والتقدم في أي دولة من الدول، حيث إن " قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير مع الفساد " كما يقول الشاعر، فلا نغترّ بالمليارات المجمّدة أو الآتية فقد تذهب جميعها في غياب الدولة الراشدة في مهب الريح، فإن انتشار آفة التضليل والتي تعني تغييب الشفافية والمصداقية بأسلوب ممنهج، لا تقل خطورة عن آفة الفساد المالي، فممارسة السياسة والدبلوماسية لا تعني التضليل أو الكذب أو إخفاء الحقائق عن الناس، فلم يبني المصطفى عليه السلام وأصحابه الكرام دولة المدينة التي امتدت إلى أطراف الكون الأربعة بالتضليل والكذب، بل أن حتى الشعوب غير المسلمة تؤمن بمضار هذه الآفة، وقد رفع الرئيس البيروفي السابق " فيمجموري" في بناء دولة البيرو الحديثة شعاراً يقول " لا تسرق لا تتقاعس عن العمل لا تكذب "، نحن لسنا في حاجة إلى السياسات الميكافيللية، ولا لمن يعرّف السياسة بأنها فن التضليل والكذب، وثبت في ديننا أنه ليس هناك كذبا أبيض وكذبا أسود، فالتضليل والذي هو ّ ابن عم الكذب " وهو آية من آيات المنافقين، ومن ضمن المآخذ المسجّلة على هذه الثورة المباركة انتشار آفة التضليل المتعمد وإخفاء الحقائق عمدا، ويلاحظها المرء ويمقتها في تصريحات المسؤولين تحت ذرائع المصلحة، فأي مصلحة في التضليل والتدليس على الشعب، فالرسول عليه السلام يقول " مازال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا "، كثيرا من التصريحات هي التفاف وليّ للحقائق بحجة أن الظروف تتطلب ذلك، وهذه بداية تفصح عن سيرورة غير محمودة لسياسيي هذه الثورة وللثورة نفسها، فالاعتراف بالأخطاء أو ذكر الحقائق يقوي الجهاز المناعي للدولة ويحفظ لها هيبتها ويعزز الثقة، أما التستر والإخفاء ودفن الملفات باستخدام التضليل أو الكذب لا يفيد شيئا،" والتعبير الشائع بأن الكذب في المصالح يجوز " تعبير ممقوت، فقد يرى فيه بعض النفعيين أنه يحقق مصلحة، وسنكتشف قريبا أنه ألحق بالثورة أضرارا كبيرة وهزّ من سمعتها محليا ودوليا ولم يحقق لها أي مصلحة، وقد تفاءلت كثيرا ذات يوم عندما ذكّر المستشار عبدالجليل في خطابه له في طبرق الشعب الليبي بخمس نصائح إسلامية منها " أياكم والكذب "، ولكن لا أعتقد أن أحدا أخذ بهذه النصيحة، ويقول الله في كتابه العزيز " ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون... " أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون "، علينا أن نضع الحقائق أمام الناس بكل شفافية وتجرّد مهما كانت تأثيراتها، فالنجاة في الصدق وليس في التضليل والكذب كما قال الحبيب المصطفى، وحبل السلامة مربوط به، وصدق من وصف الموسم الذين نحن فيه الآن " بموسم المضللين " والكل يدعي " البطولات بأثر رجعي " ويخبرنا بأحاديث غرف النوم، وهذا وصف استعيره من أحد الكتّاب الاردنيين أورده تعقيبا له على الشهادات التي يدلي بها السيد شلقم هذه الأيام لقناة العربية في برنامج " الذاكرة السياسية "، ويقول المصريون عن هؤلاء المضللين سيبك منهم " دُول كذّابي الزّفة " باللهجة المصرية، الذين يركبون عادة في ربع ساعة الأخيرة من الحدث، وهنا الحديث ليس على السيد شلقم كما قد يفهمه البعض، وإنما جئت به كمثال أُدلل به على كيفية قراءة المحللون والمراقبون والمثقفون للأحداث والتصريحات والأقوال، وأذكر مثال آخر يبين كيف بدأ العالم ينظر إلى قادتنا الجدد، فقد سأل مقدم برنامج " Hard Talk" في البى بى سي الإنجليزية الذي أجرى مقابلة مع الدكتور جبريل مؤخرا سؤالا بطريقة دبلوماسية، لماذا هناك تضاربا كبيرا في تصريحات المسؤولين الجدد في ليبيا وغياب الدقة والمصداقية عنها ؟ و هنا لا يريد مقدم البرنامج أن يقول لضيفه أن تصريحات مسؤولي المجلس الوطني والمكتب التنفيذي تحمل الكثير من التضليل الكذب من باب اللباقة الصحفية، وقال صحفي أمريكي لاثيني مشهور يُدعى " ألفارو فارجوسي لوزا " ألّف العديد من الكتب عن تحوّل الدول من التخلف إلى التقدم " لا نجاة لاي دولة إلاّ بهيمنة القانون والشفافية والصدق "، وأقول بأننا لن نجني من وراء التضليل الشهد كما يقال.

تبقى استقالة الدكتور جبريل إن حدثت رغم قناعتي الشخصية بأنها ليس وقتها، وأنه من الصعب إيجاد شخص في هذه المرحلة المعقّدة بمواصفات الدكتور جبريل، الاّ أنني شخصيا أفضّل التضحية بجبريل من أجل تعزيز الثقة بين الشعب والقادة الجدد، فالتراجع عن هذه الاستقالة تحت أي مبرر ضرره أكثر من نفعه، وأنا على ثقة عندما يجرب الليبيون غير الدكتور جبريل سيرون الفارق واضحا بأم أعينهم، وستكون حظوظه أكبر في الفوز في الانتخابات التي ستجرى بعد ثمانية أشهر أو سنة.

أفعلها يا دكتور جبريل وساهم في استمرار نجاح الثورة بتحسين صورتها محليا ودوليا في الالتزام بالوعود المقطوعة، ومحو بعضا من آثار موسم التضليل والكذب، وحدوث غير ذلك سينظر إليه الناس بأنه تلاعب وممارسة للخداع السياسي وتشبّت بالسلطة، وجرعة قوية ومنشطة للمضلل والحاوي، وسيدافع الآخرون إلى انتهاج أساليب مماثلة، فالشعب الآن يريد أن يحكم على قادته ومسؤوليه هل هم صادقون في وعودهم وتعهداتهم أم أنهم سيتملّصون بحيل مختلفة من ذلك؟، ولن ينظر كثيرا إلى الكفاءة والحاجة إليهم.

وشكرا يا دكتور جبريل إذا وفيّت بعهدك وفعلتها.

سليمان ابوالهول

26 / 10 / 2011

ليبيا المستقبل