الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين وجهان للإجرام المنظم .. بقلم د فائزة الباشا [1]

طورت المنظمات الإجرامية من آلياتها وأساليبها لتشمل مختلف مناحي الحياة لبراعتها في استغلال التطور العلمي وفي توظيف الكفاءات مما  أتاح للقائمين عليها سهولة الحركة والتنقل ومد نشاطهم غير المشروع والمشروع الذي تم تبيضه  إلى خارج الحدود الوطنية والإقليمية ليشمل النطاق الدولي بأكمله  وتدخلها في صفقات الاتجار بالمخدرات والأسلحة  بما فيها أسلحة الدمار الشامل .

كما لم تتوان العصابات الإجرامية عن مساعدة مجرمي الحروب زمن النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية  بتأمين مرتزقة  ليكونوا وقود تلك الحروب مما يجعلها مسؤولة عن الكثير من الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية في مختلف أنحاء الوطن العربي مسرح الإرهاب والتفجيرات والفساد بمختلف أشكاله .

وهو ما يحدونا إلى القول بأن المنظمات الإجرامية ما هي إلا حكومات خفية تدير العالم بشكل غير مرئي ولكنه فعال ورئيسي  وبتحالفها  مع بعض اللاعبين السياسيين وهم بيادق تسخرهم لفرض هيمنتها الاقتصادية والسيطرة على الساحة السياسية والتشريعية في بعض البلدان التي اتخذتها كواجهة تخفي حقيقة ما تمارسه من أنشطة غير مشروعة  .

وتدير الجماعات الإجرامية المنظمة عبر الوطنية كافة صور الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين واستغلالهم في ممارسات اللاأخلاقية فانتشرت السياحة الجنسية بالأطفال والشواذ والنساء  ناهيك عن الاتجار بأعضائهم   سعيا وراء الأرباح .

وقد عرفت الجماعة الإجرامية المنظمة بانها ” جماعة ذات هيكل تنظيمي  مؤلفة من ثلاثة أشخاص أو أكثر  موجودة لفترة من الزمن وتعمل بصورة متضافرة بهدف ارتكاب واحدة أو أكثر من الجرائم الخطيرة أو الأفعال المجرمة  من أجل الحصول  بشكل مباشر أو غير مباشر  على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى”.([2])

ومن سمات الإجرام المنظم إن الاشتراك جريمة قائمة بذاتها لا صورة من صور الاشتراك التبعي وإنها جرائم عابرة للحدود  إما لتجاوز ماديات الجريمة أكثر من دولة    أو تم  الإعداد أو التخطيط لها  أو توجيهها أو الإشراف عليها في دولة أخرى أو أكثر   أو كان لتلك الجرائم   آثارا شديدة في دولة أو دول  أخرى.

وتصدى المجتمع الدولي  للإتجار بالأشخاص في بروتوكول خاص ملحق باتفاقية  “باليرمو ”  وعرفه بأنه ” تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال ويشمل كحد أدنى استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسرا أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء “.

وتقديرا لموقف الضحية لم يعول على موافقتها ولو كانت ( طفل أو امرأة أو رجل أو شاب) بالغة ومدركة  لا ترتب مسؤوليته الجنائية  لأن استغلال حالة الضعف الإنساني تعد من قبيل الإكراه الذي ينفي عنها المسؤولية   التي تقوم في جانب الوسيط الذي يقوم بتوفير السلعة وهي إنسان   بمفرده أو مع  عصابة إجرامية   والمشتري المرتبط بالسوق وحركة السلعة ونقل الضحايا من موطنهم الأصلي إلى بلد آخر لاستغلالهم بصورة غير مشروعة .

وقد يرتبط الاتجار بالبشر ارتباطا وثيقا بجريمة تهريب المهاجرين والجرائم المرتبطة به ، الأمر الذي تتعارض مع كون الهجرة حق من حقوق المدنية  الذي ارتبط بحركة البشرية عبر التاريخ ، وبحث الإنسان عن فرص حياة افضل  قبل أن  يقسم العالم بحدود سياسية  من قبل  الاستعمار الذي مازال يرسمها بما يحقق مصالحه  ، وهو لا يختلف عما يقوم  به  المهربين والمتاجرين بالبشر  وأن اختلفت التوصيفات فكلاهما مسؤول عن معاناة ضحايا التهريب والاتجار وما يتعرضون له من استغلال .

وفي سياق المواجهة الدولية لهذه الممارسات لم يميز بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين لاتفاقية “باليرمو ” بين سلوكيات القائمين  بتهريب المهاجرين والقيام بما من شأنه تسهيل نشاطهم مثل : إعداد وثيقة سفر أو هوية مزورة  أو الحصول عليها أو تمكين شخص  ليس مواطنا أو مقيما من التواجد على أراضي دولة  ما و البقاء فيها دون الالتزام  بالشروط اللازمة  أو تنظيم أو توجيه أشخاص آخرين لارتكاب أي من تلك الأفعال  او أي سلوك من شأنه أن يعرض  للخطر حياة أو سلامة المهاجرين المعنيين.

وبالمقابل لم يجرم البروتوكول سلوك المهاجر باعتباره ضحية ظروف قاهرة  عكس المشرع الليبي  الذي قرر تجريم  سلوك المهاجر .([3])

ختاما يتعين العمل على  صياغة استراتيجية وطنية لمكافحة الدعارة والإتجار بالبشر  وتهريب المهاجرين والممارسات المرتبطة به ، ومنح الضحايا الذين يتواجدون في مجال الخطر ومساعدة القائمين على مراكز الاحتجاز للارتقاء بمستوي وعيهم ومعارفهم .

 

 

[1] – استاذ القانون جامعة طرابلس  .

[2] – اتفاقية ” باليرمو 2001 م.

[3] – بموجب المادة 6 من القانون رقم 19 لسنة 2010 م بشان الهجرة غير الشرعية

نبذة عن -

اترك تعليقا