التخبط التشريعي وشرعنة المليشيات وتأثيره على قيام دولة القانون .. بقلم د فائزة الباشا.

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة ..،

يتفق الجميع على أن دولة القانون ؛ هي الدولة التي ترسخ  لقيم العدالة والمساواة واحترام الحقوق والحريات ، تحت مظلة مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث ، وسيادة الدستور الوطني  المستمد من مصادر الشريعة الاسلامية ، تأكيدا للتعايش الإنساني القائم على التعاون والتآزر للإعمار  لا للتدمير ولا للتنمر ، بما يكفل ضمان سلامة الحقوق والحريات للجميع ، فدولة الحق والعدل والمساواة ، تكفل استقرار وأمن المجتمع وأفراده في الوقت عينه .

ومما لاشك فيه أن شرعنة المليشيات والتخبط التشريعي في ليبيا الذي يعد من سمات المرحلة الانتقالية ، لم تلبِ طموحات المواطن الليبي  الذي لازال يأمل في قيام دولة قانون، لا  دولة المليشيات .

 

أولا – المرحلة الانتقالية الثانية

بدأت هذه المرحلة بانتخاب المؤتمر الوطني  ، ومما لاشك فيه  أن الشعب الليبي صدم في بعض [ لا للتعميم ]  من أودعهم ثقته خلال المراحل  الانتقالية  لأنهم  شرعنوا  للمليشيات  التي تم قبول منتسبيها من قبل الحكومات المتوالية  ، التي لم تحرص بعد انتخاب المؤتمر الوطني ، على ايجاد معالجة ناجعة للتعجيل بقيام دولة القانون بل ساهمت برعونتها في منح  جماعات متطرفة مكنة الحصول على السلاح والمال ، ولم يحرصوا على بناء ليبيا بقدر حرص البعض على عدم محاسبة الجناة الذين نهبوا البنوك في عدة مناطق منها مدينة سرت التي أصبحت بؤرة للدواعش .

ولقد شرعنت الحكومات للمليشيات بمنح بعضها مسميات مختلفة – حل بعضها لاحقا – وصفة مأموري الضبط القضائي تحت مظلة شكلية تارة لوزارة الداخلية وأخرى وزارة الدفاع وأحيانا لكلاهما في الوقت ذاته ،  لأن الانضمام تم كجماعات لا  أفراد ودون دراسة علمية ، فظل ولاء الشباب الذي انضموا بعد 2011م لقادتهم الشباب الجدد ، ومنحوا مزايا ومرتبات من الوزارتين لفترة من الزمن .

وفي 2013 عدل المؤتمر الوطني كسلطة تشريعية قانون الإجراءات الجنائية العسكري بموجب القانون رقم 11المعدل للقانون رقم 1 لسنة 1999م بإصدار قانون الإجراءات الجنائية العسكري .([1]) لتضيق نطاق اختصاص هذا القضاء الذي يعتبره بعض الفقه استثنائي والبعض الآخر خاص ، واتفق معهم انه قضاء غير طبيعي للمتهم ولا يوفر ما يلزم من ضمانات لمحاكمته محاكمة عادلة ، إلا ان مشرعنا  الليبي  المتمثل في المؤتمر لم يقم بتعديل القانون لحماية حق المتهمين في محاكمة عادلة ،  لأن غاياته ومآربه التي قد يتعذر الإفصاح عنها ، تحكمها لغة السياسة لا القانون وهي غايات  استهدفت عرقلة العدالة وتعطيلها ، للحيلولة دون تقديم المتهمين في قضية اغتيال المرحوم اللواء عبد الفتاح يونس للعدالة ؟ وهو ما حدث حتي تاريخه فلم يقدم الجناة المدنيون ولا العسكريون للعدالة ، فيما عدا  ( المرحوم أبوختالة ) الذي تم اختطافه من طرابلس من قبل قوات أمريكية  انتهكت السيادة الوطنية ، لتنال ممن وجهت له تهما بقتل السفير الأمريكي وبحادث السفارة عموما ، وظلت القضية غامضة ولم يقدم الجناة في هذه الجريمة  التي حدثت بمدينة  بنغازي للعدالة حتى تاريخه  .

 

وبغض النظر عن المعطيات التي دفعت  بالمؤتمر الوطني للتضييق من نطاق اختصاص القضاء الجنائي العسكري بقصره على العسكريين  إذا نسب إليهم ارتكاب جرائم عسكرية محضة وهو مسلك ايجابي من وجه نظري وبعض الفقه الجنائي ، ويحسب للمؤتمر أيضا تمكنه بعد جدل ومماطلة  في 10 أبريل 2013م من سن قانون  انتخابات لاختيار لجنة الستين، الذي تزامن مع انتخابات البرلمان الذي بات فاقدا للشرعية بانتهاء المدة القانونية ، ولعجزه منذ تشكليه عن القيام بدور ايجابي ، للضعف الظاهر لهذا الكيان التشريعي الذي سيطر عليه طالبي التقسيم لا على أسس قانونية تكفل لمناطق ليبيا التوزيع العادل للثروات ولا على أسس وطنية ، بل لتغليب بعض الأعضاء مصالحهم الخاصة على العامة ، وصمت البعض الآخر ، تجاه ما يحدث ، وكأنهم أعضاء لبرلمان دولة غير ليبيا .

 

ثانيا – المرحلة الانتقالية الثالثة

من المفارقات أن البرلمان الذي  انتخب على أمل الوصول بليبيا إلى بر السلام ، من أشخاص افترضنا أن يكونوا أكثر وطنية وانتماء مما أثبته الواقع المرير ، لأن الأخوة نواب الشعب الليبي لم يجتمعوا بنصاب كامل إلا لمرات معدودة للتحصيل المزايا الخاصة ، لا لتحقيق مصالح الشعب والوطن .

واجتمع النواب الأفاضل مرات قليلة  ولم يبلغوا النصاب القانوني ، لأن من أختارهم الشعب إما معارضون أو مجتمعون مع منظمات دولية تقرر مصيرهم ، أو يستجم بعضهم لإنفاق المزايا التي تحصلوا عليها للاضطلاع بأمانتهم .

 

 

 

  • الدستور الليبي

لم يحرص البرلمان على إنهاء الدراما الليبية ومعاناة الليبيين الذين افترشوا الأرض نساءً ورجال للمبيت امام المصارف بانتظار سيولة تصرف بمزاجية من تولوا امره بما فيهم الموظفين الذين استغلوا غياب تطبيق القانون .

وقضينا الوقت في طوابير البنزين تارة ونحن دولة نفط ، لسيطرة حمقي على مقدراتنا وتحكم الخارج في القرار ، وبانتظار عودة الكهرباء ، في غياب صوت وإرادة من انتخبهم الشعب الذين توانوا في عرض الدستور على الشعب الليبي للاستفتاء ؛ ولم يهتموا بما يعيشه المواطن الليبي وبالغرب الذي يستغل ويخلق الأزمات تحت مسمي مصالحات تعقد في تونس وغيرها بعضها يتم عن طريق الأقمار الصناعية ،

واغفلوا بان مخاض لجنة الستين كان عسيرا  ، بسبب التجاذبات السياسية والانقسامات التي ظهرت على السطح .([2])

ومما يثير الحفيظة أن البرلمان لم ينفذ ما نص عليه الإعلان الدستوري في الفقرة 12  من المادة 30  المعدلة التي حددت آلية الاستفتاء وأوكلتها إلى الهيئة التأسيسية لا للبرلمان بنصها على أن: ” بمجرد انتهاء الهيئة التأسيسية من صياغة مشروع الدستور يطرح مشروع الدستور للاستفتاء عليه بنعم أو لا خلال ثلاثين يوما من تاريخ اعتماده.

فإذا وافق الشعب الليبي على المشروع بأغلبية ثلثي المقترعين تصادق الهيئة على اعتباره دستورا للبلاد، ويحال إلى مجلس النواب لإصداره.

وإن لم تتم الموافقة عليه تقوم الهيئة بإعادة صياغته وطرحه مرة أخرى للاستفتاء خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما من تاريخ ” .

ليكون دور البرلمان تاليا بان ” يصدر مجلس النواب قانون الانتخابات العامة وفقا للدستور خلال ثلاثين يوما من تاريخ إصدار الدستور “.

وإعادة تشكيل المفوضية ، التي تتولي المصادقة –  المفوضية الوطنية العليا للانتخابات – ” …على النتائج وتعلنها، وتدعى السلطة التشريعية الجديدة للانعقاد في مدة لا تزيد عن ثلاثين يوما من تاريخ مصادقة مجلس النواب عليها، وفي أول جلسة لها يحل مجلس النواب وتقوم السلطة التشريعية بأداء مهامها “.

أي أن البرلمان ينتهى دوره بإعادة تشكيل المفوضية ، ولكن هيهات ولقد ابتلينا بمراهقين سياسيين .([3])

 

2– شرعنة المليشيات

أصدر  البرلمان القانون  رقم 4 لسنة 2017م   المعدل لقانون الإجراءات الجنائية العسكري  سالف الذكر لغايات غير  معلنة لكنها واضحة للمتخصص ، ليتم إخضاع المليشيات المسلحة التي لم يعرفها القانون المذكور لاختصاص القضاء  الجنائي العسكري وتلك مفارقة وعجيبة أخرى من عجائب  مجلس النواب الذي اعتقد من انتخبه بأنه سيختلف عمن سبقه ، يصدر قانونا لتعديل بعض أحكام قانوني العقوبات العسكرية والإجراءات العسكرية .([4]) يشرعن للمليشيات المسلحة بتعديل  نص المادة 2 من القانون رقم 11 المعدلة من المؤتمر الوطني  ،

فهل استخدام مصطلح مليشيا في قانون الإجراءات الجنائية العسكري ؟ مسلك مقبول ؟ وهو مصطلح غير متفق بشأنه :

لأنه من المصطلحات غير  المنضبطة التي عرفت بأنها ”  قوات تابعة للجيش النظامي كما الحال في  الصين وسويسرا ”   ولاشك أن هذا التعريف يثير مفارقة لأن التنظيم العسكري في الصين يفوق الوصف لالتزامه بالمبادئ التي من اجلها أسس لها وباعتباره  أكبر جيوش الأرض ، في حين أن سويسرا لا تمتلك جيشا بالمعني المتعارف عليه ـ أن قوات الجيش غايتها حماية الأرض السويسرية .

وتعريف المليشيا باعتبارها منظمات ”  مسلحة تابعة لأحزاب أو حركات سياسية ” لا يخدم غايات دولة القانون التي يعتبر الجيش النظامي أحد مقوماتها لحماية الشرعية  .

لذلك كان يتعين على صانع التشريع وكذلك القرار  في ليبيا ، أن لا يستخدم مصطلح المليشيا التي قد تكون  ” قوات دفاعية يقع تشكيلها من طرف سلطات أو مواطني منطقة سكنية أو جغرافية محددة في إطار جهوي أو ديني .. ” ،  كما لا يقبل العقل والمنطق السليم  تبني تعريف مفاده  أن ” المليشيا هي قوات غير نظامية ، تتبع عادة حرب العصابات بعكس مقاتلي الجيش النظامي .([5])

 

ورغم أن القضاء الجنائي العسكري لا يوفر للمتهمين محاكمة عادلة للانتقادات التي توجه لهذا القضاء ، كما يعلم خريجو القانون بالبرلمان ،  لأنه قضاء  غير مستقل  ولأن قضاته  هم ضباط لم يدرس معظمهم القانون وتخويل المحكمة الاستعانة بمستشارين ما هو إلا إجراء  شكلي ، لا يحقق للمجتمع والضحايا حقهم في إرساء دعائم العدالة  ، ولا للمتهمين ما يلزم من ضمانات لمحاكمتهم محاكمة عادلة  .

لذلك فأن استخدام مصطلح ( مليشيات مسلحة ) بحسب الفقرة 5 من المادة 2 من القانون سالف الذكر ، يعد اعترافا بهذه الكيانات التي انضوت تحت مظلة الدولة شكليا ولم تنظم للقوات المسلحة النظامية أو لم تنضوِ حقيقة وفعلا  هذا من جهة .

ومن جهة ثانية فأن المشرع البرلماني لم يعرف المقصود بالمليشيات المسلحة ، رغم تتفنن الحكومات المشوهة في تغذيتها بالإمكانيات بمنحها مرتبات عالية ، وتتنافس  لجذب أكبر عدد من الشباب لها  برفع قيمة المرتب في مختلف مناطق ليبيا ، ناهيك عن الدور المشبوه لفرنسا في هذا الخصوص بالجنوب  .

ولا غرابة أن  لا يعترض أيا من السياسيين  المتناحرين على تعديل القانون المذكور الذي يشرعن للمليشيات ، رغم انه  يهدد الاستقرار المجتمعي على المدى البعيد والقريب ، ولأن مشاركة مليشيات مسلحة في الحرب القائمة في بنغازي حاليا – لنضع الأمور في نصابها – واتهام بعض شخوصها من قبل المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية ، وما يرتكب في طرابلس وأماكن أخرى من جرائم [ ضرب عشوائي في أحياء سكنية ]  لا يسهم بأي حال في التعجيل بدولة القانون ، لأن غياب بعض الشخوص المسيطرين على تلك الجماعات شكليا سيؤدى لقلب الأوراق .

 

3- الإرهاب والقضاء الجنائي العسكري

 

زاد المشرع الليبي الأمور سوءا بإخضاع الجرائم الإرهابية لاختصاص القضاء الجنائي العسكري ، وقد اغفل مسائل عديدة أهمها أن القضاء العسكري قضاء استثنائي ويتعين الا يوسع م نطاق اختصاصه لانه ليس بالقاضي الطبيعي ،

لذلك ورغم ان البرلمان سن قانون خاص بالإرهاب رقم 3 لسنة 2014م ، ومن المفارقات ان تنص المادة 23 المعنونة الأحكام الاجرائية وبأنها خاضعة لقانون الاجراءات الجنائية وهو كمن فسر الماء بالماء ، ووفق في استحداث نيابة  وتخصيص دائرة قضائية ضمن دوائر الجنايات وعدم انقضاء الدعوى الجنائية  في الجرائم الإرهابية بالتقادم .

 

إلا أن  إخضاع هذه الجريمة الخطيرة  للقضاء الجنائي العسكري بحسب الفقرة 6 من المادة 2 المعدلة بموجب قانون الإجراءات الجنائية العسكري المعدل  .؟

 

ختاما نؤكد .. على  وجوب قصر اختصاص القضاء العسكري الذي لم يفلح في تحقيق أسس المحاكمة العادلة في مرحلة المحاكمة النهائية على وجه الخصوص ، ولأنه قضاء  استثنائي لا  يتطلب تخصص القضاة ولا تفرغهم فعليا ، وبالتالي عدم درايتهم  بمبادئ وضمانات المحاكمة العادلة والالتزامات بالقواعد الواردة  بقانون الإجراءات الجنائية (العام) ، لضمان الا تعقد بعض الجلسات في سرية في غير الأحوال المسموح بها بذلك ، وان يكفل للمتهم الحق في الدفاع  واقعيا .

لاشك أن المواطن الصالح يعلم يقينا بأن  شرعنة دولة المليشيات ، هي  شرعنة  تنتهك سيادة الدولة وأمنها واستقرارها  . لأن ما يحدث من اقتتال في بعض المناطق من حين لآخر  وما حدث في طرابلس  وزوارة وقبلها المعارك بين جماعات مسلحة في الزاوية وأخري في ورشفانة.([1]) أثبت أن الانضمام الشكلي للميلشيات لا يمنحها الشرعية ، لأن انضمامهم كجماعات جعل ولاءهم لقائدهم الذي يحركهم بحسب أجندات أحيانا سياسية وفي أحيان كثيرة إجرامية.

وأن استنساخ التجارب الفاشلة  منها تجربة العراق التي شرعنة لميلشياتها ، متأثرة بالحرس الثوري الإيراني لم يجلب لها إلا الدمار والهلاك .([2])

وكان  يتعين الإسراع بمعالجة هذا التخبط التشريعي من جهة ، وتسوية وضع أبنائنا الذين انضموا للميلشيات ليتم توزيعهم وإدماجهم بالحياة العامة ، وتأهيلهم ليتمكنوا من تجاوز الظروف النفسية التي يعيشها بعضهم ، والسيطرة على شعور العظمة لدى البعض الآخر .

ونع م لدستور يجمع الليبيين ويوزع بينهم الثروات وفق قواعد العدالة الاجتماعية ، مظلة تحمي حقوقنا وحرياتنا ، مظلة تقطع يد كل من تسول له نفسه سرقة ثروات ليبيا ومقدراتها .

 

الحمد الله رب العالمين .. وصل الله وسلم علي نبينا محمد واله وصحبه الكرام الطيبين

 

 

 

د فائزة الباشا

 

الجمعة 23 جمادى الأولى 1439ﻫ الموافق 9 فبراير 2018 م

 

[1] =http://security-legislation.ly/sites/default/files/707-Law%20No.%20(11)%20of%202013_ORG.pdf

[2] – إذ كان يجب أن تقدم مسودة الدستور  في مارس 2015م

[3]http://security-legislation.ly/ar/node/32002

 

[4] – https://www.libyaakhbar.com/libya-news/507703.html

 

[5]https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D8%A7

[6] – ما حدث في زوارة بداية عام 2018م تحت مسمي الشرعية ، وكذلك الاقتتال بمنطقة القويعة ، القربوللي .  :

https://almarsad.co/2018/01/07/ /

https://alwasat.ly/ar/news/libya/165235/

http://www.alarabiya.net/ar/north-africa/2017/10/17/l

[7]https://www.alaraby.co.uk/opinion/2016/11/29/

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قال النبي صل الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان” رواه مسلم. 

 

نسأل الله ان يوفقنا واياكم للصالحات …

Previous Article
Next Article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *