خير نساء العالمين ومفهوم النمطية …  بقلم / د فائزة الباشا .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النمط لغة هو الصنف أو النوع من الناس له صورة محددة ، ويلتصق في الأذهان بقالب  محدد  له صفات معينة لا يستطيع الخروج  منها من ذلك  حصر أدوار  المرأة في المجتمع بدور محدد  .

ولقد بات هذا المصطلح ملتصقا بالمرأة في أدبيات حقوق الإنسان ، وخاصة المسلمة ، رغم أن المرأة في الغرب لم تتمكن من تحصيل حقوقها ، فهي لا زالت غير متساوية في الأجر في قوانين العمل والوظيفة العامة ، كما وأن النظرة الدونية للمرأة في الغرب كما في الشرق ، تقولب المرأة في وظائف واعمال لا تتناسب معها ، فبحجة المساواة تعمل المرأة في الحفريات ،  واستغلت في الاعلانات للترويج للسلع باستغلال جسدها ، هل هذه الصورة التي نريدها لبناتنا ؟ وهل الدفاع عن حقوق المرأة يوجب تخليها عن حياءها ؟

بعيدا عن الخلافات الفقهية ، والمجتمعات الذكورية  نقول بأن المرأة المسلمة مساوية في كرامتها الإنسانية مع الرجل  فالخالق العظيم قال في كتابه الكريم ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ” من سورة  الاسراء – الآية 70  . فهو سبحانه لم يميز بين البشر إلا بالتقوى والعمل الصالح ، فالأكرم هو التقي الورع ، قال الله تعالى ” إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  ” سورة الحجرات الآية 13 . ولا تمييز بسبب الجنس واللون والعصبية وغير ه مصداقا لقوله تعالى : ” يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ” من سورة الحجرات الآية 13.

ولنا في نساء العالمين مثال نحتذى به ، فقد خلدهن الله الخالق العظيم رضوان الله عليهن  لما قدمن من تضحيات ولصبرهن وإخلاصهن العمل لله وحده لا اله إلا هو لا شريك له ، لا طلبا لمناصب وحياة دنيوية .

وقد قال رسول الله صل الله عليه وسلم : خير نساء العالمين أربع : ”  مريم بنت عمران، وابنة مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ”  ، ([1]) ولفضل النساء خصهن الله تعالى بسورة باسمهن وسورة باسم السيدة مريم التي قال الله تعالى عنها ” وإذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ ” من سورة آل عمران الآية  42 .  

وهي المُحْصَنة الطاهرة التي اصطفاها الله من بين نساء العالَمين، واختارها على كلِّ نساء الأرض ليجعل لها آيةً، فهي المرأة التي اشتُهِرت بإيمانِها وتقواها ، ولقد خصّها الله بأن ارسل إليها  روح القُدُس سيدنا جبرائيل عليه السلام كلّمها وظهر لها ونفخ في درعها ودنا منها ، وهي أول امرأة تصدق  بكلمات ربِّها ، دون أن تسأله سبحانه عن  آيةً عندما بُشِّرت كما سأل زكريا ، ولذلك سمّاها الله في تنزيله صِدِّيقة فقال تعالي : ”  وأمُّه صِدِّيقة ” من سورة المائدة  الآية  – 75 . وقال تعالي : ” وصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وكُتُبِهِ وكَانَتْ مِنَ القَانِتينَ ” من سورة التحريم  الآية  12 . فاستحقَّت بذلك أن تنالَ مرتبة الولاية ، وهي أقلُّ درجةً من مرتبة النبوَّة . ([2])

وأختها في الاسلام أسيا ابنة مزاحم امرأة فرعون ، وهى امرأةً صالحة، ووليَّة تقيَّةً عاصرت أكبرَ الطغاة ، فضرَب الله بها مثلًا للإيمان والتقوى والوَرَع ؛ حيث زهدت في ملك فرعون، فعوَّضها ربُّها خيرًا مِن ذلك كله ، وجعلها من سيدات أهل الجنة  ، ذكرها القرآن الكريم كمثال للنساء المؤمنات ” وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين    ” من سورة التحريم –  الآية 11 .

ومن المعلوم أن السيدة آسيا  ترعرعت وعاشت في أعظم قصور  ، يخدمها المئات من الجواري والعبيد ، زوجها فرعون الذي طغى وتكبر وقال أنا ربكم الأعلى …سبحان الله عما يقولون ، وهي بذلك أول إمراه معارضة سياسية بالمفهوم الحديث من وجهة نظري ، لأنها وقفت في وجه الطاغية ولم تخشِ إلا الله ، معلنة إيمانها بالله زاهدة في الحياة الدنيا التي اعتادت عليها ، ولم يقال أن آسيا التقية امرأة لا يحق لها أن تصدع بالحق او لا يحق لها الاستقلال برأيها والإيمان بالله  في ذلك الزمان ، واستجاب الله العظيم لدعائها وبشرها ببيت في الجنة لتكون قدوة ومثال لا للنساء فقط بل لجميع المؤمنين  مثالا في الصبر  على الشدة ولترغيب قومها في الصبر على الأذى وعدم إطاعة فرعون وعدم خشيته  فهي المرأة  الضعيفة واجهت جبروته  بإيمان واحتساب .

كما سطرت السيرة النبوية للحبيب صل الله عليه وسلم  حب النبي  لخديجة  التي كانت قبل زواجها سيدة في قومها تتمتع برجاحة الرأي وحسن التدبير وصواب المشورة ،  تعمل في التجارة  وكانت  رضي الله عنها  ، تربت وترعرعت في بيت مجد ورياسة ، نشأت على الصفات والأخلاق الحميدة، عرفت بالعفة والعقل والحزم حتى دعاها قومها في الجاهلية بالطاهرة  .([3])  وكانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم “.([4]) وهذا رد لا يحتاج لحجج لتأكيد  وتبرير حق المرأة في العمل خارج البيت ، وحقها في أن تكون ذات الرأي ومكانة بين قومها .

ولقد أختارها الله عز وجل لتكون زوج سيد المرسلين صل الله عليه وسلم لما تتمتع به من حكمة وبصيرة وكان الرسول عليه الصلاة والسلام  يأنس بمشورتها ويحرص على عرض الأمور عليها والاستئناس برأيها ، و هي أول من آمن بالله ورسوله ، وأول من أسلم من النساء والرجال ، وهي المرأة التي  بذلت مالها  لنشر الدعوة ولتؤمِّن ما تستطيع من طعام المسلمين زمن المقاطعة التي استمرت ـفي الشعب ثلاث سنين .  ولقد أتى  جبرائيل عليه السلام إلى النبي صل الله عليه وسلم  مرة فقال:  يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربّها عزّ وجل ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نَصَب . ومن شدة حب النبي للسيدة خديجة رضي الله عنها ، انه لم يتزوج أخرى في حياتها ، وسمي عام وفاتها ووفاة أبي طالب عام الحزن لما لهما من مكانة ، وكان بينهما ثلاثة أيامٍ”.

أما السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صل الله عليه وسلم ، فقد عرفت رضى الله عنها  بالبلاغة والفصاحة . ومن مناقبها قول  النبي – صلى الله عليه وسلم ” فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ” . 7/3767. البخاري   وقوله صل الله عليه وسلم   ” فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني ” فكيف هو جال القائلين بتفضيل البنين على البنات .([5])

مما يؤكد أهمية دور المرأة في المجتمع  ، ومكانتها بين قومها ، وبأن المرأة الفاضلة هي المرأة القوية بإيمانها ، المتمسكة بقيم دينها ، بعيدا عن التصنيفات ، التي لا تبتغي إلا استغلال المرأة المسلمة واستخدامها كورقة للضغط السياسي لا لتحقيق صالح النساء المسلمات بل مصالح سياسية قد تخفى علينا ، أن الاسلام لم يحجم دور المرأة بل كرمها  وساوى بينها وبين الرجل في الكرامة الانسانية فلا فرق بين الرجال والنساء إلا بالتقوى والعمل الصالح وبما فضل به الله بعضنا على بعض ،

ويجب أن لا نهمش  دور المرأة  داخل المنزل وهو مملكتها وسكنها لنحولها إلى مجرد خادمة لا شريكة ، أو لمجرد إنسانة تلهث خارج البيت بما يستنزف طاقتها ، ويهدر إمكاناتها ، ولا يمكنها من تحقيق ذاتها .

أن الغاية مما نكتب أن نرتقي ونعمل بما يرضى الله الذي خلقنا لعبادته ، خلقنا نساء ورجال لإعمار الكون ، لنترك جانبا العبارات الرنانة مثل [ الصور النمطية ] إذا اراد مستخدمها تجاوز أحكام شريعتنا الاسلامية التي ما جاءت إلا لتكريم الإنسان رجل وامرأة ، فأعملوا نساء المسلمين لتنهض الأمة ، واعملوا اخواتي المسلمات في ليبيا لينهض  الوطن بالعفو والتسامح بالصدق في القول والعمل ، بحسن الظن في الله ، بإيثار الغير على النفس بالابتعاد عن اسباب الفرقة والشحناء .

عزيزتي لا تنساقي وراء النمطية بوجهها السلبي الذي يراد منه تشويه صورة المرأة المسلمة ، التي ساهمت مع أخيها الرجل المسلم فقال رسول صلى الله عليه وسلم  عن السيدة خديجة رضى الله عنها  ” وواستني في مالها اذ حرمني الناس ”  ،

 

[1]  – الطبراني ، 1279 صححه الألباني في السلسلة الصحيحة 413 .

[2] – رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/115654/#ixzz4xNy1yF91

[3]http://azhar.top-me.com/t2211-topic  وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى قصي بن كلاب القرشية الأسدية ، ولدت سنة 68 قبل الهجرة (556 م).

[4] – السيرة النبوية لابن هشام ـ ج1 ص100 .

[5] – صحيح البخاري ج 3 كتاب الفضائل باب مناقب فاطِمَة ص1374/ ، خصائص الإمام عليّ للنسائي ص 122/ ، الجامع الصغير ج 2 ص 653 ح 5858 .

Previous Article
Next Article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *