الحق في الاضراب ” الحدود الشرعية والقانونية ” ..  بقلم د فائزة الباشا
بواسطة المحرر بتاريخ 10 أكتوبر, 2017 في 09:07 مساءً | مصنفة في الأخبار, الشأن الليبي, العالم, نبض الشارع الليبي | لا تعليقات

 

يخلط كثيرون بين مفاهيم التمرد والاحتجاج والاعتصام والاضراب ، ولاشك ان الاضراب يستوعب مدلول  بعض تلك المفاهيم ، فالاضراب لغة هو الكف والامتناع عن العمل ،  واصطلاحا هو أحد أشكال الاحتجاج السلمي ، وهو  الخيار الأخير لحصول فئة معينة على مطالبها ، وهو حق جوهري ارتبط بالعمال ، وكفاحهم لتحسين اوضاعهم في مواجهة اصحاب العمل ، ولولا الاضرابات التي شهدها العالم لما تطورت التشريعات الخاصة بالعمل لما اصبح لديهم منظمة  دولية ومنظمات اقليمية ووطنية  تتولي  حماية حقوقهم ، ولما تحصل العمال على الضمانات اللازمة  لتلك  الحقوق ، منها ما يتعلق بطبيعة العمل وخطورته ، وتحديد ساعاته ، وحقوق  المرأة العاملة ، ومنع تشغيل الاطفال وغير ذلك مما نعلمه جميعا ، وأخيرا الاهتمام بالحقوق الضمانية والاجتماعية للعمال  التي تنظمها قوانين خاصة .

ويعتبر الحق في الاضراب من الحقوق المدنية المرتبطة بالحق في تكوين النقابات ، والتي اكدها العهد الدولي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المادة 8 منه التي نصت على أن  :” 1- . تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة ما يلي:  (أ) حق كل شخص في تكوين النقابات بالاشتراك مع آخرين وفى الانضمام إلى النقابة التي يختارها، دونما قيد سوى قواعد المنظمة المعنية، على قصد تعزيز مصالحه الاقتصادية والاجتماعية وحمايتها. ولا يجوز إخضاع ممارسة هذا الحق لأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم، (ب) حق النقابات في إنشاء اتحادات أو اتحادات حلافية قومية، وحق هذه الاتحادات في تكوين منظمات نقابية دولية أو الانضمام إليها،

(ج) حق النقابات في ممارسة نشاطها بحرية، دونما قيود غير تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

(د) حق الإضراب، شريطة ممارسته وفقا لقوانين البلد المعنى “.

 

ومن المعلوم بأن مصادقة ليبيا على هذا العهد يجعلها ملزمة بتنفيذ أحكامه ، إلا أن العبارة الواردة في عجز الفقرة (د) المشار إليها أعلاه تقيد ممارسة  الحق في الاضراب  بوجود قانون ينظمه ، وباستقراء أحكام قانون علاقات العمل رقم 12 ولائحته التنفيذية ، وكذلك الخاص بتأسيس النقابات والاتحادات والروابط المهنية رقم 23  ، نجد بانهما قد اغفلا تنظيم هذا الحق عمدا  ، وهو  مسلك غير مقبول لأن الاضراب إذا كان مشروعا ويستهدف ضمان حقوق منتسبي النقابة ،  كان يتعين النص عليه وتحديد  ضوابطه ؟

وإذا كان هذا الموقف التشريعي مقبول في النظام السابق الذي كان لا يعترف بوجود عمال بالمعني التقليدي واعتبرهم شركاء في الانتاج ، إلا أن  صدور قانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010م الذي  دمج بين قانون العمل وقانون الوظيفة العامة  مما أثار اشكاليات قانونية  ينبغي على الباحثين  دراستها .

وإذا سلمنا بأن  الحق في الإضراب عن العمل هو وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي ، و الاحتجاج على ظروف غير عادلة   ، و إذا كان العدل يلزم مؤسسات الدولة المختصة  بالدفاع عن النظام العام وعن أمن الأشخاص وحماية حقوقهم وحرياتهم ومن تلك الحريات ممارسة الاضراب كحق نقابي جوهري في العصر الحديث .

وإذا كانت حقوق المعلم حقوق جوهرية  كما هو حق ابنائنا في التعليم ، فكيف نسمح أن  يهان  المعلم أمام المصارف وداخلها ، وأين هي حقوق المعلم الذي لا يكفي مرتبه تأمين احتياجاته ؟ وفي زمن نقص السيولة بات بعض المعلمين تحت رحمة الطالب الذي يملك توفيرها ، وهذا بالنسبة لضعاف النفوس لان من تربي على قيم الخير  يعلم يقينا بأن الأمر بيد الخالق الرزاق ولن يقبل بالفساد بمختلف صوره ودرجاته  .

وعندما نوازن بين المصالح  المجتمعية ( الطالب – المعلم ) فأي تلك المصالح  نغلب ؟ وهل ايقاف الدراسة لفترة محدودة ؟ يؤثر على الاستقرار المجتمعي الذي لولا  رحمة الله وفضله والخير الذي بداخل بعض الليبيين  لا مؤسسات الدولة الغائبة والمنقسمة بين شرق وغرب وجنوب ووسط ، وهدفها انفاق واهدار ميزانيات كان يجب ألا تصرف لثلاث حكومات وبرلمان ومجلس ، مما أثقل كاهل الميزانية العامة ، خاصة وأن مرتبات مرتفعة جدا  ومزايا كثيرة  يستلمها من انتخبوا لسن التشريعات اللازمة لحماية حقوقنا ومن تولوا الشأن في السلطات التنفيذية الثلاث ، فلم يكونوا اهلا للأمانة  .

واستفادت الجهات الرقابية من ذلك لتسوى اوضاع موظفيها لرفع سقف مرتباتهم ، أما المعلم فلا يملك عصا سحرية أو أداة للضغط على تلك الأجسام المشوهة ، حتى هيئة الدستور استفاد أعضاءها ومنحوا المزايا ، وقد وفقوا في التأكيد على الحق في التعليم وعلى الحق في العمل في ظروف مناسبة والحقوق النقابية في المادة 56 ورغم أن النص لازال مشروعاً ، وأن الحقوق النقابية جاءت عامة ، ومع ذلك نعلم  بأن الحق في الاضراب من أولى تلك الحقوق التي يتعين تنظيمها قانونا  .

ولنعمل معا على مواجهة الفساد في التعليم وفي مختلف القطاعات ،  فلا للغش ، ولا للمعلم الضعيف المهمل والمعلمة التي تقضي العام تلو الآخر وهي في اجازات مرضية ، ولا للقبول بنقابات غير واعية بحقوق منسبيها .

ولأن الاضراب يجب أن يكون أخر وسيلة يلجأ إليها مثل العلاج بالكي ،  لذلك كان يجب أن لا نتجاوز  الفصل الرابع من قانون علاقات العمل الذي نظم منازعات العمل والتوفيق والتحكيم ، ونسأل هل قامت النقابة بتلك المبادرات للوصول إلى تسويات .؟

و من جانب شرعي يرى  البعض في الاضراب  تعطيل لمصالح عليا هي مصلحة الطلاب في التعليم ؟  وهو الاتجاه الذي يقرر تحريمه لما قد يؤدى إليه  من عنف واضطرابات وهي مفسدة أعظم .([1])  أما الجانب الآخر فيرى بانه مسلك مشروع إذا تم وفق تنظيم محدد لأن العلاقة بين العامل أو الموظف وصاحب العمل ينظمها  عقد  يحدد حقوق وواجبات  أطراف العلاقة  لقوله تعالى:  “ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ” سورة  المائدة: الآية  1، واتفاقا مع قوله صلى الله عليه وسلم: “المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما، أو حرم حلالا”،  وقوله  صلى الله عليه وسلم: “أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه” .([2])

لذلك ولضمان شرعية الاضراب يجب ان ينظمه القانون ، وهو ما يجب ان تسعى لتحقيقه النقابة المختصة بل واتحاد النقابات كافة لأنه حق للجميع معلمين واساتذة جامعات وحرفيين وغيرهم ، ليتم تحديد ضوابطه اتفاقا مع الشرع تنظيما قانونيا واضحا يجعل الوزارات المختصة خاضعة للضغوطات المجتمعية ولا يخلق فوضي ، حيث يناصر البعض الاضراب فيوقف الدراسة ويخالفه البعض  .

 

ونسأل الله ألا يجعلنا ممن قال فيهم سبحانه وتعالي : ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ سورة الرعد الاية 25 .

[1]http://site.iugaza.edu.ps/msousi// د ماهر احمد السويس  حكم الإضراب عن العمل في الإسلام

[2] –  http://mubasher.aljazeera.net/opinion

 

 

نبذة عن -

اترك تعليقا