الدكتور ضو مفتاح أبوغرارة … إشكالية الوصف الشرعي لجرائم الإنترنت وعلاجها (قراءة في النصوص الفقهية).
بواسطة المحرر بتاريخ 2 أغسطس, 2017 في 04:31 صباحًا | مصنفة في الأخبار, الحرية, العالم, مقالات الصحيفة | لا تعليقات

 

 

 

 

 

 

 

 

إشكالية الوصف الشرعي لجرائم الإنترنت وعلاجها

(قراءة في النصوص الفقهية)

إعداد

الدكتور ضو مفتاح أبوغرارة

جامعة الفاتح/ كلية القانون

قسم الشريعة الإسلامية

 

 

 

 

 

 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (33) سورة المائدة

صدق الله العظيم

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

إن الوصف الشرعي لجرائم الإنترنت يتنازعه من حيث الجنس حدان, هما حد الزنا, وحد القذف, وذلك وفقا للقراءة السائدة للفقه الإسلامي, فهما شرعا للمحافظة على الأعراض, والنسل, وغني عن البيان أن دور المشرع أو القاضي في تحديد العقوبة معدوم فيما يتعلق بالحد, وأما في تحديد الجريمة فدوره أوسع من  دوره في العقوبة, وإن كان ضييقا,وأما ما كان من جنس الحد ولا يصل إلى مرحلة الحد فدور المشرع في العقوبة أوسع, ولكن فيما دون الحد, أي التعزير, فالحد قيد على المشرع فيما يتعلق بالعقوبة في الحالتين, وإن اختلفت درجته, وهذا وفقا لتقسيم الجرائم إلى حد وتعزير, وتقسيم نظام التجريم والعقاب  في الفقه الإسلامي إلى حد وتعزير يكاد يكون من المسلمات, ومن قال بغيره يتهم بمخالفته لجمهور الفقهاء,إلا أن إمعان النظر في تطبيقات الفقهاء, وعباراتهم يظهر تناقضا مع هذا التقسيم للجرائم في الفقه الإسلامي, وهذا التناقض لا يمكن توجيهه إلا من خلال النظر إلى أراء الفقهاء وأحكامهم وفق منهجية اعتمدتها نصوص القرآن والسنة النبوية, وقلدها فقهاء المذاهب, والنظر إلى ما نقل عن فقهاء المذاهب على أنه تقييم لأرائهم, ولا يمثل أرائهم, وهذا يدفعنا لقراءة الفقه الإسلامي بشكل مختلف, فلا نقتصر على الأراء أو العبارات مجردة, بل ننظر إليها في إطار منهج معين يعتمد ربط الأحكام, والأراء بمقاصدها, وافتراض أفكار وراء العبارات, كما هو الحال في النصوص التي اعتمدها فقهاء المذاهب كمصدر لأحكامهم, وآرائهم, وحيث أن تطبيق أحكام الفقه الإسلامي على جرائم الإنترنت الأخلاقية وفق هذه النظرة السائدة, والمعتمدة على ظاهر الآراء, يثير إشكالية, يتمثل في خرق قاعدة التناسب بين الجريمة والعقوبة في صور كثيرة من هذه الجرائم, فجرائم الإنترنت[1] كثيرا ما تؤدي إلى الانحلال الاجتماعي, وهدم البيوت, والاعتداء على الأعراض, والنسب, وكم  من جرائم حصلت بسبب جرائم الإنترنت, وبالتالي فإن التقيد بحد الزنا, أي حد غير المحصن, أو القذف لا يحقق التناسب بين الجريمة والعقوبة, ولا يكون زاجرا, وهو مقصد العقوبة, وفي هذه الحالة يكون المشرع في الدول الإسلامية, والحريص على أسلمة التشريعات أمام أحد خيارين, أحدهما تجاهل أسلمة التشريعات, وثانيهما خرق قاعدة التناسب, وإهدار مقاصد, ومعني التجريم, والعقاب, فهل من مخرج يجمع بين الإثنين, هذا هو ثمرة هذا البحث, والغرض منه, وهذا يقتضي أولا كيف تثير القراءة  السائدة لأراء الفقهاء هذه الإشكالية, ومناقشتها, وهل في إعادة قراءة آراء الفقهاء علاج لهذه الإشكالية, أي هل دراسة آراء الفقهاء وفق منهجية النصوص تطويرا لآراء الفقه الإسلامي, وحل لما يثيره نظام التجريم والعقاب في الفقه الإسلامي من إشكاليات, والتي تعد مسألة البحث نموذجا لها, نسير على خطاه في مناقشة موضوعات مماثلة, وتكون أساسا ننطلق منه لإعطاء مرونة أكثر للنظام الجنائي الإسلامي, وحل عقدة تقييد الحدود للمشرع, وخرق قاعدة التفريد التي من أهم نتائجها هدم مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة, وبهدمه فوات مقصد المشرع من التجريم والعقاب, والذي اعتمده الفقهاء في تبرير كثير من أحكامهم, واعتمدوا عليه في ترسيخ مبادئ وأسس في النظام الجنائي.

إن هذه الإشكاليات, والتساؤلات نحاول مناقشتها, من خلال تحليل ودراسة أراء وعبارات الفقهاء وفق منهج نصوص الكتاب والسنة, واعتبار ما نقل عنهم, أو ما نسب للفقهاء ما هو إلا فهم لنصوص الفقه, كفهم الفقهاء لنصوص القرآن, والسنة, فكما أنهم لم ينكروا على المخالف لهم في الرأي لأنه لا يخرج عن دائرة الفهم, والفهم يختلف, وفي المقابل لا ننكر على من خالفنا, ولا نعد فهم الغير نصا في مخالفته خرق لمبدأ الشرعية, أو إنقاص من مجهوداتهم في خدمة العلم, وأهله, ولعرض هذه المسائل ونقاشها قسمنا البحث إلى مبحثين, المبحث الأول موضوعه إشكالية الوصف الشرعي لجرائم الإنترنت وفق النظرة السائدة, وسببها, وخصصنا المبحث الثاني لعلاج هذه الإشكالية بقراءة مختلفة من حيث التأصيل, وتوظيف آراء الفقهاء, وأنهينا البحث بخاتمة تضمن أهم النتائج.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول

إشكالية الوصف الشرعي لجرائم الإنترنت, وسببها

لم يتفق فقهاء المذاهب في طريقة عرضهم وتنظيمهم للجرائم, وتقسيماتها, خاصة فيما يتعلق بالحدود والتعازير, وذلك لعدم وضوح فكرة أقسام الجرائم, والعلاقة بين التقسيم الشائع, ولهذا نحاول في هذا المبحث تحديد الوصف حسب الفهم السائد لأقسام الجرائم, أي حد, و تعزير, ونركز على المذاهب السنية الأربعة, مع الإشارة إلى غيرها من أهل الظاهر, أو الشيعة, وذلك لأنها السائدة في المغرب العربي, وأن ما عداها يعود إليها في مجال البحث.

أولا: الوصف التجريمي وإشكاليته وفق رأي الأحناف:

إن الجرائم وفق ظاهر رأي الأحناف إما حد, أو تعزير, والحدود أجناس, والتعزير دون الحد, واختلف الأحناف في قدر التعزيز فيما دون الحد, أي هل أقل حد, أم حد جنسه, والقدر المتفق عليه أنه لا يجاوز حد جنسه, وتناوله الأحناف في حدود حد الزنا أو القذف,وحد الزنا يراد به حد غير المحصن, ثم عادوا بعد ذلك, وأجازوا أن يصل التعزير إلى  القتل, ولكن ليس من خلال تعريف التعزير, أو عند الحديث عن قدره, وإنما في مطلب خاص, أو عند التطبيق, وانحصرت الأمثلة التي ذكرها الأحناف في هذا المطلب على الجرائم غير الحدية, غير جرائم التعزير التي تدخل في جنس الحد[2].

إذا التزمنا بالتعريف فإن التعزير لا يتجاوز الحد, والقدر المتفق عليه هو حد الزنا, أي مائة جلدة, أما إذا رجعنا إلى التطبيقات, والعبارات, فإن التعزير الذي يتقيد بالحد هو التعزير من جنس الحد, صورة ومعنى, أي صورة الحد ومعناه إذا اختل فيه شرط من شروط الحد, وهذا منطقي تفرضه طبيعة العقوبة, وغايتها, لأنه لا يمكن أن تكون عقوبة الأقل من الجانب التجريمي أشد من الأخطر.

إن جرائم الإنترنت لا تخرج عن أحد احتمالين, إما القذف, وذلك إذا تضمنت الإخبار عن الزنا, دون توفر شروطه, أو الاتهام بنفي النسب, أو التعزير, وتعد من باب التعزير المقيد بالحد, ويقيد هذا التعزير إما حد الزنا, أو حد القذف, وحد الزنا هو حد زنا غير المحصن.

إن هذا الوصف لجرائم الإنترنت, وقيوده من حيث قدر العقوبة  إخلال بمقصد العقوبة, وهو الزجر, وإن تضمن التطهير, و يخل بمبدأ التناسب لأن من أهم عناصر التناسب التفريد العقابي, والتفريد العقابي خرقه قيد الحد, ولو تركنا الشكل, والتعريف واعتبرنا المقصد والتطبيقات نصطدم بالشكل, فمراعاة الشكل إخلال بالمقصد, ومراعاة المقصد إخلال بالشكل, ولهذا كان لا بد من التوجيه, و دلالة عبارات فقهاء الأحناف على هذا التعارض ظاهرة, ودون تأويل لكي لا نقول أن هذا التأويل يتضمن تحميل نصوص الفقه ما لا تحتمل, أو أنه فهم لنصوص الفقه نتردد في قبوله, أو لا نسلم به, ولهذا كان لا بد من التوجيه, والذي يشير إلى أن نصوص الفقه كنصوص الشريعة في المنهجية لا ينظر لها إلا ككل, ومن خلال المعاني الكامنة وراء هذه النصوص, وهذا موضوع المبحث الثاني.

ثانيا: الوصف الشرعي  وفق رأى الحنابلة, وإشكاليته:

لم يختلف الحنابلة عن الأحناف من حيث المبدأ في تقسيم الجرائم إلى حدود وتعازير, وأن الحد قيد على التعزير, وأن الجرائم أجناس, ووقع نفس الخلاف في تحديد أعلى قدر للتعزير, فقد اختلفت الروايات عن الإمام أحمد, فنقل عنه أن أعلى قدر للتعزير عشرة أسواط, وقيل ألا يتجاوز الحد, ورجح بعض فقهاء الحنابلة عدم تجاوز الحد الذي يدخل في جنسه التعزير[3],وعليه فإن الوصف التجريمي لجرائم الإنترنت وفقا لرأي الحنابلة لا يختلف عن الوصف وفقا لرأي الأحناف, أي إذا وصل إلى حد القذف يجلد ثمانين جلدة, وإلا يدور بين الجلد أقل من الحد الذي يدخل في جنسه, أي القذف أو الزنا حسب صورة الجريمة, أو عشرة أسواط, أو أقل حد وهو حد القذف, ولم يختلف الحنابلة في التناقض بين التطبيقات والتحديد من حيث المبدأ, فعند تحديد قدر الحد دار نقاش الآراء وعرضها والترجيح بين العشرة أسواط, والحد, إلا أنهم عند التطبيق تجاوزوا هذا الحد في التعزير, منها مثلا عقوبة اللواط, فقد اختلفوا فيها على أقوال, منها القتل للمحصن وغير المحصن[4], فلو قبلنا عقوبة المحصن على أنه من باب حد الزنا, ففي غير المحصن لا يمكن أن تكون إلا من باب التعزير إذا قبلنا التقسيم الثنائي للجرائم, وعقوبته زادت عن الحد, وهذا نقض لما قرر في أعلى حد للتعزير, وكذلك القول  بقتل من قذف أم الرسول صلى الله عليه وسلم,أو قذف الرسول صلى الله عليه وسلم[5], فاختلاف العقوبة باختلاف الشخص تجاوز معنى الحد, ولم يرد نص في هذا الحد, فهي من باب التعزير, وتجاوزت الحد, وأعلى عقوبة في الحد, وهذا أيضا نقض لتحديدهم للتعزير, ولم يختلف في هذا الشافعية عن الحنابلة, فقد اختلفوا في أعلى التعزير, والقدر المتفق عليه عدم تجاوز الحد, كان الحد حد القذف, أو الحد الذي يدخل في جنسه التعزير, ووافقوا الحنابلة في عدم تخصيص فصل خاص للتعزير كالأحناف[6].

إن هذا الوصف لجرائم الإنترنت, وقيوده من حيث قدر العقوبة لا يختلف عن الوصف وفقا لرأي الأحناف, ففي مراعاة الشكل إخلال بالمقصد, وفي مراعاة المقصد إخلال بالشكل, ولهذا كان لابد من التوجيه, ودلالة عبارات فقهاء الحنابلة على هذا التعارض ظاهرة, و دون تأويل لكي لا نقول أن هذا التأويل يتضمن تحميل نصوص الفقه ما لا تحتمل, أو أنه فهم لنصوص الفقه نتردد في قبوله, أو لا نسلم به, ولهذا كان لا بد من التوجيه, والذي يشير إلى أن نصوص الفقه كنصوص الشريعة في المنهجية لا ينظر لها إلا ككل, ومن خلال معاني وراء هذه النصوص, وهذا موضوع المبحث الثاني.

ثانيا: الوصف التجريمي وفق رأى المالكية, وإشكاليته:

        اختلف فقهاء المالكية عن فقهاء المذاهب الأخرى في عدم وضوح فكرة الفصل بين الحد والتعزير كنظامين للتجريم والعقاب, وأن الحدود قيود على التعازير, حتى من حيث الظاهر, فلو أخذنا نماذج من مصادر الفقه المالكي عبر فترات زمنية متباعدة, لأعلام المذهب خلال هذه الفترات لأظهرت لنا اندماج حقيقة النظامين منذ البداية, ودخولهما تحت نظام واحد, يضم جرائم متعددة, لكل جريمة صفتها الخاصة, فمثلا لو رجعنا لكتاب مدونة الإمام مالك, والمقدمات لابن رشد-وهو من علماء القرن السادس الهجري- ومواهب الجليل للحطاب-وهو من علماء القرن العاشر الهجري-  وحاشية الدسوقي- وهو من علماء القرن الثالث عشر الهجري-  لما وجدنا فيها بابا أو فصلا, أو عنوانا للتعزير, بل إن بعض المصادر لم يرد فيها لفظ التعزير, إلا عرضا, وغلب استخدام عوقب, أو أدب[7], ونقل عن الإمام مالك زيادة التعزير عن الحد, هذا إذا تركنا قراءة فقهاء العصر للفقه المالكي, أي فهمهم لأراء الفقه المالكي, واقتصرنا في هذه القراءة على عبارات من ينسب إليهم تأسيس هذا المذهب حقيقة أو حكما.

إن تقسيم الجرائم إلى حد وتعزير والتفرقة بينهما وفقا لما هو سائد غير ظاهر في عبارات جمهور المالكية, وتطبيقاتهم, فلو قلنا بالتقسيم وأساسه الإلزام فإنه يكون في الحدود كما في التعازير, ولو قسمنا على أساس التخيير لولي الأمر في العقوبة, فإنه يكون في الحد كما في التعزير, وإن اختلفت درجته, فإن حد الحرابة أساسا يقوم على خيار الأمر في العقوبة, ولا ينقض ذلك بضيق الخيارات, لأن الخيارات التي ذكرت واسعة, وتقابل أعلى عقوبة, وأدناها من حيث الشدة,أي أن الخيار لا يعد فارقا بين الحد والتعزير, والمقصد لا يختلف, فإذا كان حد الزنا مثلا للزجر فيه معنى التطير, أي الجبر, فإن عقوبة ما دون الحد لا تخلو من هذا المعنى, وخير دليل على هذا جبرها بالاستغفار والصلاة.

إذا كان تحديد الوصف الشرعي  لجرائم الإنترنت وفقا لأراء الفقه المالكي, من خلال التعريف والتقسيم السائد من الصعب تحديده عليه نعود لعبارات المذهب, وما تحمله من معاني ومقاصد, ودلالاتها, وهذا موضوع المبحث الثاني من هذا البحث.

يتضح من خلال ماسبق أن تقسيم الجرائم إلى حد وتعزير, وأن هذا تقسيم تقابلي, هو تقييم أراء الفقهاء, لا أراء الفقهاء نفسها, فلم نجد التقسيم التقابلي بشكل صريح إلا في مصادر الفقه الحديثة, أي هو قراءة لأراء الفقهاء,ونكاد نجد إجماعا من علماء العصر على هذا التقييم لأراء الفقهاء, ولم يتعرض فقهاء العصر للخيار في الحرابة عند التقسيم, وأسسه مع أنه ظاهر, فمثلا يقول أبو زهرة في التفرقة بين الحد والتعزير, فعرف الحد بأنه( العقوبة المقدرة كان الحق فيها لله خالصا, أو حق الله غالب)[8] وعرف التعزير بأنه( العقوبة التي لم يرد نص الشارع ببيان مقدارها, وترك تقديرها لولي الأمر)[9] أي جعل التقدير هو أساس التفرقة,ولا أدري هل القتل يعد مقدرا في وجهة نظره أم لا, فإذا كان عقوبة مقدرة فما حكم القتل سياسة, والذي يعد من باب التعزير, والذي ذكر فيه الأحناف القتل, وأبرزت عباراتهم صيغة الإيجاب في بعض الحالات, وأما في بقية المذاهب فلا يختلف الحد والتعزير فيها من حيث الإلزام, والقتل وجد في التعزير والحد, فإما أن يكون تقديرا في الاثنين, أو عدم تقدير في الاثنين, وفي الحالتين إذابة ما عد فارقا بين الحد والتعزير, ولم يختلف عنه بهنسي في الموسوعة الجنائية[10], والزحيلي في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته, والذي يعد من أهم مصادر الفقه الإسلامي الحديث[11], وهذا اتفقت عليه المصادر الحديثة التي تناولت أراء الفقهاء في تقسيم الجرائم, وذكر هؤلاء العلماء كنماذج,وأعتقد أن سبب هذا هو إهمال الجانب المنهجي لأراء الفقهاء, أي الاقتصار على ظاهر الآراء,دون النظر إليها في إطار منهجي معين,والذي يخفي وراء هذه الآراء أفكارا, تعتمد جملة أمور, ولا تقتصر على ظاهر الألفاظ,أو العبارات.

وبالتالي فإن القول بأن هذا تقسيم للجرائم في الفقه الإسلامي, وباتفاق نتردد في قبوله, وأساسه الخلط بين فهم أراء الفقهاء, والآراء نفسها, قد ينسب من حيث الظاهر لمذهب من المذاهب, أو لفقيه, وفي هذا أيضا نظر, أما أن نجعله من مسلمات الفقه الإسلامي في الجانب الجنائي, ونقرر الاتفاق عليه  فالأمر فيه ما يقال,ونقدم الأساس الذي ننطلق منه لقراءة أراء الفقهاء في تحديد الوصف الشرعي لجرائم الإنترنت.

الأساس الذي نعتمده لقراءة أراء الفقهاء:

إن نصوص القرآن والسنة لم تكن ألفاظها وما تحمله من دلالات هي مصدر أحكام فقهاء المدارس الفقهية فقط, بل منهجية القرآن والسنة كانت مصدرا لمنهجية الفقهاء في التنظير, فالنصوص تحمل أسسا, ومبادئ, ومقاصد, ومعاني, ولا ينظر للنصوص إلا من خلال كم متكامل, فلا ينظر للنص ذاته المتعلق بالواقعة مباشرة فقط, بل علاقته بغيره من النصوص, وفق أسس ومبادئ ترسخها النصوص جملة, فلا يمكن الرجوع إلى النص مباشرة عند العمل, ومعرفة حكم الحوادث, وقد دل على هذا نصوص القرآن والسنة, وآراء العلماء وتطبيقاتهم, قديما وحديثا[12], فموقف القرآن أو السنة من واقعة معينة أو ترسيخ مبدأ معين ليس النص ذاته فقط, بل هو دلالة النص, فالفقهاء اتبعوا هذا المنهج, وبالتالي نتعامل مع آراء الفقهاء وعباراتهم على هذا الأساس, وخير دليل على هذا وجود عبارات متعارضة في الموضوع الواحد تعارضا لا يمكن قبوله في حق من لم يصل درجة تلميذ نشأ في مدارسهم فكيف في حقهم, وتعارض العبارات الفقهية لا يعد عيبا, إن أمكن توجيهه, فهو لم يعد كذلك في مصدر أحكامهم من نصوص القرآن والسنة, فكيف في حقهم,والعرض السابق تضمن نماذج من عبارات الفقهاء عند حملها على ظاهرها, أو النظر لكل مسألة منفصلة, أو الرجوع إلى النصوص الفقهية مباشرة, منها على سبيل المثال عبارة ابن عابدين في تعريف التعزير)  تأديب دون الحد أكثره تسعة وثلاثون سوطا)[13], وذكر مطلبا في باب التعزير وسمه ب( مطلب التعزير بالقتل)[14].

إن هذا التناقض الظاهري بين العبارات في الموضوع الواحد لفقهاء المذهب الواحد, وأحيانا للفقيه الواحد لا يختص بمذهب أو فقيه بل هو عام, هذا وإن دل على شيء فإنما يدل على أن  عبارات الفقهاء وآرائهم كالنصوص,فكما أن النص هو مصدر الحكم, فكذلك عبارات الفقهاء لتقرير حكم المسألة عند مذهب فقهي, أو فقيه ينظر إليها من خلال ما تدل عليه, قد تكون هناك عبارات صريحة في دلالتها, ولا تحتمل تأويلا,أو مقارنة بغيرها من النصوص الفقهية لمعرفة ما تحمله من دلالات, لكن هذا ليس مطلقا, وهذه المنهجية  مصدرها نصوص القرآن والسنة, فكما أن بعض النصوص دلالاتها ظاهرة وصريحة, ولا يكفي النص ذاته لمعرفة الحكم, إلا أن هذا لا يسري على كل النصوص, وإذا قبلنا هذا في النصوص, وأدركنا بعض مقاصدها, فلا موجب لعده قصورا في حق أراء  الفقهاء الذين تتلمذوا في مدرسة هذه النصوص, والحكمة التي من أجلها رسخت نصوص القرآن والسنة هذا المسلك, قلدها الفقهاء, فكما أن أراء الفقهاء وأحكامهم ليست النصوص, وإنما هي فهم النصوص, فكذلك الأمر بالنسبة للنصوص الفقهية, فما ذكره البحاث عن أراء فقهاء المدارس ما هو إلا فهمهم للنصوص الفقهية, وكما أن الحكم ليس النص ذاته, فكذلك أراء الفقهاء في المسألة ليس النص الفقهي ذاته, بل ما يدل عليه النص الفقهي, وهذا يقتضي ربط النصوص الفقهية بمقاصدها, وبما تتأثر به من ظروف, وأماكن, وزمان, وربطها من خلال غيرها من النصوص الفقهية, وهذا يدفعنا لعدم التسليم بكل ما نقل عن فقهاء المذاهب, والدعوة لإعادة قراءة أراء الفقهاء, وهذا الخلط حصل الآن في نصوص القرآن والسنة, وهو سبب التفرق بسبب التدين, وقد ناقشت هذه المسألة في بحث منفصل أحيل القاري إليه. [15]

نضرب مثالا من نصوص السنة النبوية, يبرز لنا المنهجية التي أراد الرسول صلى الله عليه وسلم رسمها لأصحابه, والتي قلدها فقهاء المذاهب, كما أن هذا المثال يبرز علاقة الحدود بعضها ببعض, وعلاقتها بالتعزير إن وجد ولو من طرف خفي.

– عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:(أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد, فناداه, فقال يارسول الله إني زنيت , فأعرض عنه, فتنحى تلقاء وجهه, فقال له يارسول الله إني زنيت, فتنحى عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات, فلما شهد على نفسه أربع شهادات, دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال أبك جنون؟, قال لا, قال فهل أحصنت قال نعم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهبوا به فارجموه, قال ابن شهاب وأخبرني من سمع جابر بن عبدالله يقول فكنت فيمن رجمت, فرجمناه بالمصلى, فلما أذلقته الحجارة هرب, فأدركناه بالحرة, فرجمناه.)[16], وفي رواية فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال( هلا تركتموه,)[17].

– عن أبي هريرة .وزيد بن خالد الجهمي رضي الله عنهما, أنهما قالا):إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:يارسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله, فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله, وأذن لي, فقال :رسول الله صلى الله عليه وسلم قل, ,قال: إن ابني كان عسيفا على هذا, فزنى بامرأته, وإني أخبرت أن على ابني هذا الرجم, فافتديت منه بمائة شاة, ووليدة, فسألت أهل العلم, فأخبروني أنما على ابني جلد مائة, وتغريب عام, وأن على امرأة هذا الرجم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم, والذي نفسي بيده لأقضين بينكم بكتاب الله, الوليدة والغنم رد, وعلى ابنك جلد مائة, وتغريب علم, واغد ياأنيس إلى امرأة هذا ,فإن اعترفت فارجمها, قال فغدا لها, فاعترفت, فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت)[18].

– نقل ابن القيم عن الإمام أحمد واقعة حصلت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه( خرجت امرأة تريد الصلاة, فتجللها رجل ,فقضى حاجته منها, فصاحت, ومر عليها غيره, فأخذوه, فظنت أنه هو, وقالت هذا الذي فعل بي, فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم, فأمر برجمه, فقام صاحبها الذي وقع عليها فقال: أنا صاحبها, فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اذهبي فقد غفر الله لك, وقال للرجل قولا حسنا, فقالوا:ألا يرجم صاحبها, فقال:لا,فقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبلت منهم,  ذكره أحمد, وأهل السنن, ولا حكم أحسن من هذا)[19].

لو نظرنا لظاهر النصوص الثلاثة لوجدنا تناقضا في تقرير حكم الاعتراف,وأثر الرجوع عنه, ففي النص الأول, كان هناك حرص من الرسول صلى الله عليه وسلم على تلقينه الرجوع, كما أن الرجوع ولو أثناء التنفيذ يمحوا العقوبة, وهذه دلالة ظاهرة, واعترافه توبة, وكانت هذه التوبة قبل القدرة عليه, لأنه لم يعلم به أحد حتى جاء واعترف, وفي الواقعة الثانية رتب الرسول صلى الله عليه وسلم الحد على مجرد الاعتراف, ولم يرد أن المرأة لقنت الرجوع, ولا أن هناك بينة أخرى كالحمل, يمكن القول أن الحد ترتب عليها, ومادامت اعترفت فهي توبة في الغالب, خاصة بعد علمها الحد, وخطورته, ومع ذلك لم يدرأ عنها الحد, وفي الثالثة اعتراف, وترتب عليه درء الحد بالتوبة قبل القدرة, فإن ظاهر النصوص يبرز تعارضا فيها, إلا أن الحكم ليس في ظاهر النصوص فقط, وإنما في دلالتها, وفق المقاصد, والقواعد العامة, ولا يمكن توجيه هذا التعارض إلا بالعودة للمعاني والمقاصد, وعلاقة الحدود بعضها ببعض, وربط النصوص جملة, وقد يكون للمسألة أكثر من وجه, أو نظر لها باعتبارات مختلفة.

إن مناقشة ما تحمله هذه النصوص من معاني قد لا يكفيها بحث خاص, والمهم في هذا البحث بيان ما ترسخه النصوص من منهجية رسمها الرسول لأصحابه, وقلدها فقهاء المذاهب, فالاختلاف بين عبارات الفقهاء التي سبق عرضها يؤصله, ويوضحه هذه النصوص الثلاث, وما في معناها,فما هو إلا انعكاس للتعارض بين هذه النصوص الظاهري, وما تحمله من منهجية, ونتعامل مع النصوص الفقهية كتعامل الفقهاء مع هذه النصوص, وما في معناها, فبعض علماء الحديث روي هذه النصوص الثلاثة, وبعضهم روى منها نصين, والتعارض ثابت حتى بين النصين, ومع ذلك لم يقل أحد برد أحد النصين, وإنما حاولوا توجيه هذا التعارض الظاهري, من خلال نصوص أخرى تتناول نفس الموضوع, أو من خلال القواعد العامة, أو المقاصد.

نخلص من خلال ما سبق إلى أن التعارض الظاهري لنصوص الفقهاء هو انعكاس لمنهجية رسمتها نصوص القرآن والسنة, ولها مقاصد قد ندرك بعضها, ونجهل الكثير منها, وأن الفقهاء قلدوا هذه المنهجية, وذلك إدراكا منهم لمقاصدها, وستكون منهجنا في توجيه إشكالية الوصف الشرعي لجرائم الإنترنت, وهو موضوع المبحث الثاني من هذا البحث.

 

المبحث الثاني

توجيه إشكالية الوصفالشرعي لجرائم الإنترنت

ذكرنا في المبحث الأول وصف جرائم الإنترنت الأخلاقية وفقا للنظرة السائدة, وتبين لنا الإشكالية التي يثيرها وصف النظرة, السائدة لآراء الفقهاء,  وأوضحنا الأسس التي نعتمدها في قراءة آراء الفقهاء, من جانب آخر, وبطريقة مختلفة.

إن تعبيري بآراء الفقهاء كناية عن دلالة آراء الفقهاء, أي حسب فهمنا.

يمكن القول من حيث المبدأ أن جمهور الفقهاء انقسموا إلى اتجاهين أساسيين, فيما يتعلق بتقسيم الجرائم,الاتجاه الأول يمثله الأحناف, والاتجاه الثاني يمثله المالكية, وتدور آراء فقهاء الشافعية, والحنابلة والشيعة, والظاهرية  حولهما, فما هي حدود هذا الخلاف في حقيقته, ودون تركيز على ظاهر العبارات, والنظر لعبارات الفقهاء وتطبيقاتهم ككل,والنظر لهذه الآراء من خلال منهجية النصوص.

أولا : دلالة رأي الأحناف:

إن الأحناف وإن فرقوا من حيث المبدأ بين الحد والتعزير, وذكروا بأن التعزير لا يتجاوز الحد, إلا أن العبارات, وترتيب الأبواب, و التطبيقات, أظهرت تناقضا لهذا التقسيم على ظاهره, وفراغا يدل على أنهم نظروا للتعزير باعتبارات متعددة, وأن تقسيمهم للتعزير والتطبيقات والعبارات وراءها فكرة, نحاول إبراز هذه الفكرة, ومعالمها, وأشير إلى أن ما أذكره هو قراءة لأراء الأحناف, أي فهم عباراتهم, ولهذا نحترم, ونقدر أي رأي مخالف.

إن القراءة السابقة لأراء الأحناف ظهر لنا من خلالها تناقضا لا يمكن قبوله في حق من هم في درجة  هؤلاء الأعلام, ولهذا نتردد في قبولها,مما دعانا لإعادة قراءة هذه الآراء.

لقد اتفق فقهاء الأحناف على أن التعزير عقوبة لجريمة لا حد فيها[20],وتدل ظاهر الآراء على أن الحد قيد على التعزير, إلا أن دراسة التطبيقات, والعبارات تدل على أن التعزير المقيد بالحد هو التعزير الذي يدخل في جنس الحد, ولا معنى زائدا عن الحد يتضمنه, وقد أظهرت هذا عبارات فقهاء المذهب, وتطبيقاتهم, ولهذا إذا وردت عبارات تدل على تجاوز الحد, وهي تعزير فيحمل على الجرائم التي زادت عن معنى الحد, أو كانت مما لا حد في جنسها, وقد ابرزت هذه التفرقة عبارات وتطبيقات فقهاء المذهب صراحة, والقول بغير هذا يظهر تناقضا لأراء المذهب, بل لعبارات الفقيه الواحد في كثير من الأحيان, وهذا لا يقبل فيمن هو بمنزلة فقهاء المذهب,ونعرض أهم ما تضمنته عبارات وتطبيقات فقهاء المذهب من معاني, ونبين دلالتها على تقسيم الجرائم, والعلاقة بين هذه الأقسام.

أ-النظر للتعزير من وجوه متعددة:

عرف ابن عابدين التعزير فقال:( تأديب دون الحد أكثره تسع وثلاثون سوطا)[21], وجعل مطلبا للتعزير وسمه ب( مطلب التعزير بالقتل, وذكر فيه جرائم لا حد فيها, ولا تدخل في الحد صورة ومعنى, وإن تعلقت بموضوع الحد, منها مثلا اللواط, فهو وإن تعرض بالأخلاق والأعراض, والنسل إلا أنه ليس في صورة الزنا, وذكر تكرر السرقة, والعوان)[22], يقول الكاساني:( فصل وأما قدر التعزير فإن وجب بجناية ليس من جنسها ما يوجب الحد, كما إذا قال لغيره يافاسق, فالإمام بالخيار إن شاء عزره بالضرب, إن شاء بالحبس…. وإن وجب بجناية في جنسها حد لكنه لم يجب لفقد شرطه , كما إذا قال لمجنون يازاني… فالتعزير فيه بالضرب, ويبلغ أقصى غايته وذلك تسعة وثلاثون سوطا)[23].

إن دلالة العبارات السابقة على تعدد وجوه التعزير ظاهرة, أي أن للتعزير أكثر من وجه, وأن المرتبط بالحد من حيث العقوبة هو التعزير المرتبط به من حيث الوصف, ولا يشمل معنى زائدا على ما في الحد, ولهذا اقتصر الكاساني  في أمثلته على الجرائم الحدية التي لم تتوافر فيها شروط الحد, وصرح بأنه هو الذي يجب ألا يتجاوز فيه الحد, أما التعزير الذي ليس من جنس الحد فاكتفى بتحديد جنس العقوبة, وهي الحبس والضرب, دون تحديد قدرها, ولا أدل على هذا من تعدد وجوه التعزير, كما أن التناسب يقضي بأن يكون التعزير في هذه الصورة أقل من الحد, وهذا ما أظهرته عبارة الكاساني صراحة, ودلت عليه عبارة ابن عابدين, والتناقض ظاهر في أخذ  العبارات السابقة على ظاهرها, مما يقتضي ضرورة التوجيه, ولا يمكن التوجيه إلا بحمل الاختلاف على اختلاف جهات الاعتبار.

ب- دخول التعزير في معنى الحد:

تدل نصوص الفقه الحنفي بشأن التجريم والعقاب على ارتباط التعزير بالحد, وعدم خروجه عن معناه, ومن وجوه متعددة, أهمها:

1- التبويب:

تناول جمهور الأحناف التعزير ضمن كتاب الحدود, وذكر تحت هذا الكتاب تفصيلا حدي الزنا والقذف, وإن أشارت مصادر الفقه الحنفي عند البداية لشمول الحد للحدود الخمسة, وذكر التعزير ضمن كتاب الحدود, أي جزئية من جزئياته, ثم ذكر بعد التعزير كتاب السرقة, وكتاب قطاع الطريق[24], فلماذا ذكر فصل أو باب تحت كتاب الحدود, ولماذا كان فاصلا بين حدود الزنا والقذف, والشرب, وكتاب السرقة, وكتاب قطاع الطريق.

لا أعتقد أن هذا لا معنى له, خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن مصادر الفقه الحنفي جلها إن لم نقل كلها اتفقت على هذا التبويب, وفي فترات زمنية متعاقبة, ولماذا هذا في الجنائي فقط, أي الحدود والتعازير, ولم يحصل في بقية أبواب الفقه, حيث جمعت التقسيمات الموضوع الواحد, وجمعت بين الموضوعات المختلفة, ولا معنى لهذا إلا أنه ضمن باب الحدود, وأما الاختلاف من حيث التقدير فيمكن حمله على أن الحد هو الحد الأعلى للعقوبة, وترك الحد الأدنى للمشرع أو القاضي, خاصة وأن دور المشرع أو القاضي في تحديد الحد من الجانب التجريمي  أوسع منه في العقوبة,ولهذا اختلف الفقهاء حتى في المذهب الواحد في الحدود من الجانب التجريمي, والحدود سميت بهذا الاسم بالنظر للعقوبة لا الجريمة, فمثلا حدد الحد الأعلى للعقوبة, وهذه العقوبة ليست لجنس الزنا باتفاق, وللمشرع تحديد قمة الجريمة بحيث يقابل أعلى حد العقوبة, وأما ما نزل عن هذا الحد فترك للمشرع حرية تحديد العقوبة والجريمة, وهذا ربط للتعزير بالحد .

2- انتقال نفس الفعل من الحد إلى التعزير:

إذا كان الحد قسما مقابل للتعزير, ويختلف فيه صاحب الحق لما جاز انتقال الفعل الواحد من الحد إلى التعزير بالتكرار, قد تشدد العقوبة, ولكن يحتفظ بصفته, ومع ذلك انتقلت السرقة والشرب إذا تكررا إلى تعزير بالقتل, فالسرقة حدية, وهي حق لله, والشرب حدي وهو حق لله, والتعزير وفق النظرة السائدة حق للعبد, فكيف يتغير صاحب الحق بتكرر الفعل, وقد ذهب جمهور الأحناف إلى قتل السارق إذا تكرر منه فعل السرقة, وكذلك شرب الخمر[25], فالتكرار وإن اقتضى تشديد العقوبة إلا أنه لا يقتضي تغير صاحب الحق.

3- اجتماع صاحب الحق والمقصد:

إن الفكرة السائدة أن الحد حق  لله,خالصا كان, أو على التغليب, وأن التعزير حق العبد, على الخلوص كان أو على التغليب, وحق العبد يراد به ولي الأمر, لا الحق الخاص, لأن الحق الخاص مدني كالتعويض, وهذا في ظاهره يمنع دور العبد في الحدود, ولو كان ولي الأمر باعتبار توليه المصلحة العامة.

إن هذه قراءة لرأي الأحناف في التفرقة بين الحد والتعزير على أساس صاحب الحق, ولا أعتقد أن هذا رأي الأحناف حقيقة, لأن ما قرره الأحناف من أحكام وقواعد ينقض هذا الرأي, وهذا دليل على أنه قراءة لرأي الأحناف لا رأي الأحناف نفسه, لأنه لو كان رأي الأحناف لما نقض, من ذلك مثلا ما ذكره الكاساني, (ولنا أن سائر الحدود إنما كانت حدود الله على الخلوص لأنها وجبت لمصالح العامة, وهي دفع فساد يرجع إليهم, ويقع حصول الصيانة لهم… وكل جناية يرجع فسادها للعامة, ومنفعة جزئها يعود للعامة كان الجزاء الواجب بها حق لله عز وجل على الخلوص….وهذا معنى نسبة هذه الحقوق إلى الله تعالى)[26].

إذا كان هذا من أهم الفروق بين الحد والتعزير, وهذا معنى حق الله تعالى فإن دخول التعزير في حق الله تعالى أمكن من بعض الحدود, فتولي ولي الأمر للتعزير لا معنى له إلا توليه صيانة المصلحة العامة, وحمايتها, كما أن تعلق بعض الحدود بحق العبد في بعض الحدود أكثر منه في التعزير, فمثلا ما معنى سقوط حد السرقة بتمليك المال المسروق, فالتمليك هو تنازل, والحد هنا متوقف على التنازل في أي مرحلة, فدور الفرد  ظاهر في تطبيق حد السرقة, إن لم نقل يتوقف عليه, إضافة إلى طبيعة التعزير, فمثلا ما الفرق فيما يتعلق بصاحب الحق بين التعزير في زنا المرأة إذا لم يحد الرجل لأي سبب كان, كصغر السن, وبين زنا المرأة بالرجل إذا كان يحد, إذا كان أساس الحد التحريم, والاعتداء على حقوق الله, فهو في الجريمتين واحد, وإذا كان  أساس تحديد صاحب الحق هو الأعراض, والاعتداء على الأنساب فهو واحد في الجريمتين.

هذا فيما يتعلق بصاحب الحق, ولا يختلف الأمر في وظيفة العقوبة, وهو الزجر أو التطهير, وأثره على تحديد صاحب الحق, فإذا قلنا أن وظيفة العقوبة الحدية الزجر, فالتعزير لا يخلو منها, وإن قلنا الزجر فيه معنى الجبر أيضا التعزير لا يخلو منها, بل إن في بعض التعازير أمكن, فمثلا التعزير في زنا المرأة بالمجنون فيه معنى الزجر والتطهير أكثر من السرقة, والدليل على ذلك أن السرقة للفرد دور في تطبيق الحد, إن لم نقل تتوقف عليه, فبتنازله يسقط الحد, وهذا إضعاف لمعنى الزجر والتطهير في الحد, بخلاف التعزير على من نكح مرأة محرمة عليه وهو يعلم التحريم, فلا دور للفرد في التعزير, وشمول التعزير لمعنى الجبر صرحت به عبارات المذهب, منها مثلا ما ذكره ابن عابدين في تبرير اعتبار التعزير في جانب الكافر عقوبة بقوله:( والتعزير يسمى عقوبة للذمي لأنه شرع للتطهير)[27], ويقول في تضمن التعزير معنى الزجر:(التعزير مفوض للقاضي لأن المقصود منه الزجر)[28],أي أن التعزير يشترك مع الحد في الزجر والجبر, والعبارات السابقة صريحة في تقرير هذا المعنى للتعزير, أما تمكن أحد الوظيفتين فهو يختلف حتى في الحدود ذاتها.

إذا كان التعزير يشترك مع الحد في وظيفة العقوبة, وفي صاحب الحق, فما هي عناصر التقسيم, وأسسه, أي ما أساس التفرقة بين الحد والتعزير؟.

لم يبق إلا أحد أمرين, من الأمور التي اعتمد عليها من قال بتقسيم الجرائم إلى حد وتعزير,أحدهما التحديد, وثانيهما الإلزام.

إن كل ما نذكره في هذه الفقرة وفقا لرأي الأحناف, وعبارات الأحناف وإن ورد فيها ما يدل على التخيير, إلا أن هناك عبارات تنقض القول بالتفرقة على أساس التخيير, نصا, ودلالة, يقول الكاساني في قدر التعزير:( فإنه إن وجب بجناية ليس من جنسها ما يوجب الحد…. فالإمام فيه بالخيار إن شاء عزره بالضرب, وإن شاء بالحبس)[29], فخيار الإمام في تحديد نوع العقوبة, لا في إلزام العقاب, إضافة إلى أنه استخدم لفظ الإيجاب, وهو لا يكون إلا إذا كان هناك إلزام, وابن عابدين استخدم لفظ يقتل في عقوبة العوان, واللواط,ومن تكرر منه الخنق,  ولفظ بجواز القتل تعزيرا في مسائل مماثلة, كما أن كون التعزير للتطهير أو للزجر يمنع فيه الخيار المطلق, والجمع بين هذه النصوص,فإنه قد يجب, وقد يخير, وتحمل كل عبارة من عبارات فقهاء الأحناف التي ينقض بعضها بعضا على مرحلة معينة من مراحل التعزير, أي إذا كان الجرم يكفي فيه اللوم, أو الأولى الستر تحقيقا لفائدة هي أولى فالخيار في العقاب من عدمه, أما فيما عداه فالخيار في تقدير العقوبة لا العقوبة, كما أن الخيار بهذا المعنى لا تخلو منه الحدود, فمثلا في السرقة الخيار للفرد الذي وقعت عليه السرقة, فإن شاء عقابه لم يملكه المال, وإلا تنازل عن ماله, وملكه للسارق, وبهذا تقترب الحدود مع التعازير فيما يتعلق بالإلزام, ولا يصلح الخيار كأساس للتفرقة بين الحدود والتعازير, فهل يصلح التقدير كأساس للتفرقة بين الحدود والتعازير؟.

إن التقدير لا يصلح سببا للفصل بين الحد والتعزير, وفقا لرأي الأحناف لأحد أمرين, أن جنس الحدود لم يخل من عدم التقدير عند الأحناف, والمثال على هذا الحرابة, فالحرابة وإن كانت العقوبات الواردة ليست للخيار من حيث المبدأ, وأن كل عقوبة مقابلة لصورة من صور الحرابة, إلا أن جمهور الأحناف اتفقوا على تضمن العقوبة الرابعة للخيار بين حدين, وإن اختلفوا في هذين الحدين, وأن الفارق بين حدها الأعلى والأدنى كبير, فهي تدور بين شهر, وسنوات, وهذه مساحة واسعة أعطيت للمشرع, أي ولي الأمر في تقدير العقوبة, ولم يقل أحد من فقهاء الأحناف أن العقوبة الرابعة للحرابة تعزير[30], فلماذا كان عدم التقدير في التعزير من جنس الحد مبررا لإخراجه عن جسمه, ولم يكن مبررا لإخراج عدم التقدير في الحرابة, أي أن الحبس في الحرابة تعزير لو طبقنا معيار التقدير للتفرقة بين الحد والتعزير, ولم تخرج هذه الصورة من الحد في الحرابة, بل اتفقت عبارات الأحناف على أن هذه صورة من صور حد الحرابة.

إن التقدير والخيار في العقوبة لا يصلحان أساسا للفصل بين الحد والتعزير,و جعل التعزير تقسيما خاص للجرائم مقابل الحد, خاصة وأن بين الحدود فوارق أكبر من  الفوارق بين التعزير والحد الذي من جنسه فيما يتعلق بأساس التفرقة, وهو الإلزام, أو الخيار, ولو لم يكن هناك مثال واحد إلا السرقة والزنا فيما يتعلق بدور العبد, والحرابة وغيرها من الحدود فيما يتعلق بالخيار, ووظيفة العقوبة لكفى.

يظهر من خلال ما سبق أن الأحناف لم يفصلوا الحد عن التعزير كتقسيم تقابلي للتجريم والعقاب, ووفقا لمعايير, وأسس,ووظيفة, ولكن نسب إليهم, ونقدر هذا الفهم, ولا نؤيده.

إذا ترددنا في قبول  تقسيم الجرائم إلى حد وتعزير تقسيم تقابلي, فما هي العلاقة بينهما, وما هي أقسام الجرائم وفقا لأراء  الفقه الحنفي؟.

من خلال العبارات السابقة, والأسس السابقة, وما تتضمنه من أحكام تدل على أن التعزير لا يخرج عن أحد أمرين, أولهما: أن يكون صورة لجريمة متكاملة, والحد هو قمة الجريمة, جرما, وعقوبة, والمشرع مقيد بالحد الأعلى من الجانب العقابي, أما الجانب التجريمي فللمشرع دور في تحديده, وبالتالي فإن التعزير يرجع إلى جنسه من الحد, وله كل خصوصيات الحد, من تحديد صاحب الحق, ودور الفرد, والقاعدة العامة في التجريم هي الحرابة, وعليه فإن ما كان من جنس الحدود المذكورة يرجع إليه, وما خرج منه يدخل في باب الحرابة,وثانيهما: أن يدخل التعزير في جميع صوره من باب الحرابة, فالوصف التجريمي للحرابة من حيث اللفظ يستوعب كل الجرائم, لأن الجرائم لا تخرج عن معنى الفساد في الأرض, والعقوبات التي ذكرت في التعزير لا تخرج عن عقوبات الحرابة الواردة في النص, نصا, أو دلالة, فالحبس والقتل وردا في الحرابة نصا, وأما الضرب فيمكن تخريجه بأحد وجهين, الوجه الأول أن النص على القتل والقطع في الحرابة من باب النص على  الجنس,أي جنس الأذي,  وذكر أشد أنواع الأذي من باب ذكر الجنس لا القدر, وبالتالي يشمل مراحله, وعليه فإن الضرب يدخل في معنى هذه العقوبات,وقد نص المالكية على ذلك صراحة, أو أن جميع الجرائم تدخل في معنى الحرابة, لأنها جميعا من باب الفساد في الأرض, وتطبيق حدود القذف والزنا من باب تخصيص العام, وبالتالي فإن الضرب يرجع إلى عقوبات الحرابة, وهناك إشارات من عبارات الفقه الحنفي تؤيد هذا الاستخلاص, منها ماذكره ابن عابدين من جرائم تحت مطلب التعزير بالقتل علل ذلك بأنها من باب الفساد في الأرض أي أطلق عليها وصف الحرابة, كما أنه ذكر بعض هذه الجرائم وعقوباتها عند الحديث عن بعض الحدود[31], والكاساني عندما قسم التعزير إلى ما كان من جنس الحد, وما ليس من جنسه خير ولي الأمر بين عقوبتين, هما الحبس, والضرب فيما خرج عن جنس الحد, ولا يمكن الخيار إلا إذا كانا يعودان إلى جنس واحد, والحبس من عقوبات الحرابة قولا واحد عند الأحناف.

إن في هذه الأحكام دلالة على أن التعزير من باب الحرابة,وأن الزنا لا يخرج عن معناها, من حيث الأصل, لأن في ذكر نفس الجريمة وعقوبتها في باب الزنا, وفي باب التعزير في غير الحدود ووصفها في أحد الموضعين من باب الحرابة لا معنى له إلا ارتباط الوصفين, وأن ما خرج عن الحد يعود للحرابة كان من جنس الحد أو من غيره.

إذا كان التعزير لا يخرج عن معنى الحد جملة, وإن اختلفت بعض صوره, والأقرب أنه من باب الحرابة, فما هو الوصف الشرعي لجرائم الإنترنت؟,وما أثر هذا التخريج؟.

إن القراءة السابقة لرأي الأحناف تقضي بأن التعزير إما أن يكون جزءا من جريمة واحدة, حدد المشرع حدها الأعلى, وهو الحد, وهنا يتقيد المشرع بالحد على أنه الحد الأعلى للعقوبة,أو أنه من باب الحرابة, وهنا لا يتقيد بالحد, بل تشمله خيارات الحرابة, وهي واسعة تستوعب كل العقوبات, وعليه فإن جرائم الإنترنت تعود في جل صورها للحرابة, إلا ما اقتصر منها على حد القذف, أو صورته, والحالة الأخيرة المشرع مقيد فيها بحد القذف, إذا لم يتضمن الجريمة معنى آخر غير القذف, وإلا عادت للحرابة, وفي هذا التخريج تخليص المشرع من قيد الحد, والذي أخل بمبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة, وفي الحرابة من اتساع العقوبات ما يمكنه من تحقيق التناسب, وتضمن الحرابة لمعنى التفريد العقابي في أوسع نطاق, والاعتماد على هذا التخريج تحقيق لشرعية أي عقوبة يراها المشرع, وتحقيق مقاصد العقوبة, خاصة الدنيوية, وهي الزجر, وإذا كان لابد من استخدام لفظ التعزير لأنه ورد ذكره فلماذا لا تنقسم إلى قسمين حرابة حدية وتعزيرية, فالحرابة الحدية هي الصور الثلاث الأولى, أي ما حصل فيها قتل, أو سرقة, أو هما معا, وما عداها حرابة تعزيرية, ويعطى المشرع خيار في العقوبات بين القتل والحبس, والضرب غير المقيد بالحد, لأن الضرب أجيز هنا باعتباره جنس إيذاء, وجنسه القتل, وإذا كان الحد قمته, فما دون القطع,أو القتل أقل من الحد, وهذه العقوبات وردت في مصادر الفقه الحنفي كعقوبات للتعزير, ولم يحدد الضرب, ولا الحبس بل وردا مطلقين, ووردا فيما ليس من جنس الحدود الأخرى كالزنا[32],ونحن لسنا ضد استخدام لفظ التعزير, وإنما ضد استخدام لفظ التعزير كتقسيم مقابل للحد جملة, ومقيدا بالحد, لأثره على أسس التجريم, ومقاصده.

دلالة رأي المالكية:

إن رأي المالكية أكثر وضوحا في إذابة الفوارق بين التعزير والحد من حيث المقابلة, فقد أخذنا نماذج من مصادر الفقه المالكي تمثل مراحل زمنية مختلفة, منها كتاب مدونة الإمام مالك, والمقدمات لابن رشد, وهو من علماء القرن السادس للهجري, ومواهب الجليل للحطاب, وهو من علماء القرن العاشر, وحاشية الدسوقي, وهو من علماء القرن الثالث عشر, فإن هذه المصادر تمثل فقهاء المذهب في مراحل زمنية مختلفة, فهذه المصادر لم تتضمن بابا, ولا فصلا, ولا فقرة في التعزير, بل إن بعضها لم يرد فيه لفظ التعزير إلا بشكل عرضي[33], ونحن لا نتكلم عن وجود اللفظ من عدمه, وإنما المراد أن يكون قسما مقابلا للحد, له خصوصياته التي تميزه عن الحد, من حيث المقصد, وصاحب الحق, وحدوده, وتقييد المشرع في تحقيق مقاصده من التجريم والعقاب, وحدود تطوير نظام التجريم والعقاب وفقا لمقتضيات العصر, ودون خلو من الصبغة الشرعية, هوية المسلم.

إن الفوارق بين الحد والتعزير كتقسيمين متقابلين للنظام الجنائي تذوب في الفقه المالكي, فإذا كان أهم الفروق بين التعزير والحد هو التقدير, وسلطة ولي الأمر, فإن الخيارات في الحرابة وسلطة ولي الأمر أوسع منها في التعزير, ولم يقل أحد أن فقهاء المالكية أخرجوا الحرابة جملة من الحدود, والخيارات في الحرابة غير محددة بصورة ,أو مقتصرة على حالات, بل هي عامة, وعقوبات الحرابة واسعة بحيث تشمل جل العقوبات الواردة في النظام العقابي الإسلامي[34].

إن المالكية أكثر من توسع في حد الحرابة, سواء كان في جانب التجريم,أو العقاب, ولم يرد التعزير عندهم كباب أو فصل يدخل تحته الجرائم غير الحدية, بل ما ذكروه من جرائم غير حدية, أو حدية تضمن معنى زائدا في باب الحرابة, من ذلك مثلا, سقي السكر, وقتل الغيلة, وأخذ المكوس, واغتصاب حقوق الناس بأمر السلطان،والزنا إذا اقترن بإكراه, أي الاعتداء على الفروج في باب الحرابة, ولهذا في باب الزنا نجد أن مصادر الفقه المالكي في الاقتصار على حكم من وقع عليه الحد في الزنا, أما الرجل إذا أكره المرأة فلم يتناولوا حكمه عند الحديث عن الزنا, وعدوه من الحرابة, هذا إذا وضعنا في الاعتبار ما نقل عن الإمام مالك من عدم التقيد بالحد في التعزير, فهو نتيجة منطقية لما سبق, وفي العقوبات الأمر لا يختلف, بل إنهم صرحوا بأن عقوبة الضرب والتي لم ترد في النص أنها من عقوبات الحرابة[35], وهذا يعني شمول الحرابة لجميع العقوبات, وهذا يدخل كل جرائم التعزير عند غير المالكية في معنى الحرابة, فإذا كان حديث فقهاء المذاهب عن التعزير من خلال عقوبته, وأن العقوبة التي تخصه هي الضرب, فتصريح المالكية على أن الضرب من عقوبات الحرابة إدخال لجرائم التعزير في الحرابة,أي أن كل جرائم التعزير في المذاهب الأخرى هي من باب الحرابة عند المالكية, واعتبار المالكية عقوبة الضرب من باب الحرابة جاء بشكل صريح, مباشر, مع استحضار عدم ورودها في النص في الذهن, لأن بعض المصادر أشارت إليها, فيقول ابن رشد في هذا في باب ما يجب على المحارب , وبعد ذكر العقوبات الأساسية,    )وإن كان ليس له شيء من هاتين الصفتين – الرأي والقوة- أخذ بأيسر ذلك وهو الضرب والنفي)[36], ويقول الحطاب عند حديثه عن عقوبات الحرابة( يؤخذ بأيسر العقوبات وذلك الضرب والنفي)[37], والحطاب ذكر أن الضرب خارج عن النص, ولم يناقشه, وهذا يعني استحضاره في الذهن, والحكم به دليل جوازه وشموله من حيث المضمون.

إذا كان التعزير عند الأحناف كما ذكرنا ينظر إليه باعتبارين, أولهما باعتبار ارتباطه بالحد, وهذا عقوبته الضرب, ويقيدها الحد, وتعزير ليس من جنس الحد حقيقة أو حكما, أي ولو تضمن الحد واشتمل على معنى زائدا عن الحد, وهذا يعد من باب الحرابة, وتدور عقوبته بين الضرب, وغير مقيد بالحد, والحبس, والقتل, فإن إدخال المالكية الضرب وما يقابله من تجريم في الحرابة تضييق للخلاف بين المالكية والأحناف, ويكاد يكون ينحصر في الجانب النظري, خاصة إذا وضعنا في الاعتبار ما ذكره فقهاء المالكية من ضرورة مراعاة ولي الأمر للخطورة الإجرامية للفعل عند اختيار العقوبة, وإن كان الخيار مطلقا من حيث المبدأ, وظاهر الآراء[38], أي أن هذا  يلزم المشرع بالتقيد بالحد فيما كان من جنسه وصورته وافتقد شرط من شروطه, وبهذا يلتقي المالكية والأحناف من حيث التطبيق, وإن اختلفوا في الإطلاق, أي ما كان من جنس الحد, وفي معناه, وافتقد شرط من شروطه لا يتجاوز الحد وفقا لرأي المالكية والأحناف, إلا أنه عند الأحناف لأنه جزء من جريمة تحدد حدها الأعلى  من حيث العقوبة, وعند المالكية حرابة يجب على المشرع في تقدير عقوبتها مراعاة الخطورة, وما دام خطورة الفعل دون الحد يجب ألا تتجاوز عقوبتها الحد.

إن القراءة السابقة لرأي المالكية تقضي بأن جرائم الإنترنت من باب الحرابة, وبهذا نخلص المشرع من قيد الحد, وخرق مبدأ التناسب, وتحقيق المقاصد من التجريم والعقاب وفق ظروف كل مرحلة, وحالة, أي ما يعرف بالتفريد العقابي, ودون خروج عن مبدأ الشرعية, وهذا إعطاء حيوية أكثر لنصوص الفقهاء, وآرائهم.

نخلص من خلال ما سبق إلى أن الوصف الشرعي لجرائم الإنترنت هو الحرابة فيما خرج عن جنس الحد, ويراد بجنسه الجريمة الحدية إذا اختل منها شرط من شروط الحد, ولا يتحدد من خلال الكلية التي تعلق بها الحد, كالعرض مثلا والنسل في الزنا والقذف, أما ما كان من جنس الحد, فإن تحقق فيه شروط الحد, يطبق عليه الحد, وأما إذا اختل شرط من شروط الحد فيتقيد بالحد في العقوبة, وفقا للمالكية والأحناف, وإن اختلفوا في الوصف من حيث الإطلاق, فهو يدور بين التعزير والحرابة وفقا لرأي الأحناف, وحرابة وفقا لرأي المالكية.

إن الشافعية والحنابلة, ووافقهم الشيعة والظاهرية, تدور أرائهم في فلك المالكية والأحناف, وإن اختلفت طريقة الطرح, فمثلا الحنابلة عند التبويب ذكر ابن قدامة كتاب الحدود , وتناول من خلاله بالشرح والتحليل حدي القذف والزنا, ثم ذكر كتاب قطاع الطريق, وكتاب الأشربة, ,وذكر التعزير مسئلة ضمن كتاب الحدود, وذكره تحت عنوان” لا يبلغ بالتعزير الحد”, وقبل كتاب الحدود ذكر كتاب أهل البغي, وكتاب المرتد, ومن فصوله السحر[39], والشافعية لم يختلفوا عن الحنابلة في هذا, فلم يذكر التعزير تحت عنوان معين, باب أو كتاب أو فصل, أو حتى مسألة, وتعرضوا له عند الحديث عن الزنا, والقذف[40], بل صرحت بعض المصادر بأنه في معنى الحد, يقول الماوردي في هذا( سقوط الحد يوجب الانتقال إلى رادع من جنسه, وهو التعزير….التعزير بعد سقوط الحد يقين, لأنه بعض الحد.)[41], ولا أعتقد أن هذا لعدم المنهجية في التبويب, أو بلا معنى, خاصة وأن مسلكهم في بقية أبواب الفقه يختلف, ويؤيد هذا دلالة التطبيقات على تجاوزه في جرائم تعد صورة من الحدود, مع أنهم قرروا من حيث المبدأ ألا يتجاوز التعزير الحد, منها مثلا عقوبة القتل في من قذف الرسول صلى الله عليه وسلم, أو أمه[42], ومنها رجم من فعل قوم لوط محصنا, كان أو غير محصن, ومنها قتل من فعل في الدابة[43],  فإذا أمكن تأصيل رجم المحصن في اللواط على أنه من باب الحد, فلا يمكن تأصيل غير المحصن إلا على أساس الحرابة, أو التعزير, وفي كليهما نقض لما قرر من حيث المبدأ من عدم تجاوز التعزير الحد, وإذابة الفارق بين الحد, والتعزير.

نخلص من خلال ما سبق إلى دلالة أراء  فقهاء المذاهب الأربعة على أن جرائم الإنترنت من باب الحرابة, فيما خرج عن صورة الحد, أو زاد عليها, وأما ما كان من جنس الحد فقد اختلفوا فيه من حيث الإطلاق فقط, فأساس تحديد العقوبة هو التناسب, والتفريد, وهذا اتفقت عليه عبارات الفقهاء, وهذا كاف في معالجة إشكالية الوصف الشرعي لجرائم الإنترنت, وهذا ما يهمنا في هذا البحث, وأن هذا التأصيل وفقا لقراءة الفقه الإسلامي من جهة غير ما هو سائد, وفي جميع الأحوال لا يخرج ما عرضناه عن دائرة الفهم, ونحترم من خالفنا الرأي.

 

الخاتمة

 

بهذا نكون قد انتهينا من هذا البحث , بعد الدراسة والتحليل والنقاش ,  ونأمل من الله  أن نكون قد ساهمنا , ولو بشيء قليل في إثراء المكتبة الإسلامية , وإزالة اللبس , وكشف النقاب عن بعض المسائل العالقة ,  والتي أثارت جدلا كثيرا , وإتماما للفائدة نختم هذا البحث بأم النتائج , ونلخصها في الآتي :

– إن الجرائم في الفقه الإسلامي وفقا للنظرة السائدة تنقسم إلى حد وتعزير, والحد قيد على التعزير عند الجمهور خلافا لما روي عن الإمام مالك.

– إن هذا التقسيم فهم لأراء فقهاء المذاهب, ولا يمثل أرائهم, وقد ناقضت هذا التقسيم عبارات الفقهاء وتطبيقاتهم.

– إن تطبيق أحكام الفقه الإسلامي على جرائم الإنترنت الأخلاقية وفق هذه النظرة يثير إشكالية, وهي خرق مبدأ التناسب بين العقوبة والجريمة, وتقييد المشرع بالحد, لأن جرائم الإنترنت وفق هذا التحديد لا تخرج عن حد القذف, أو تعزير من جنس حد الزنا, وكلاهما لا يحقق التناسب غالبا.

– إن سبب هذه الإشكالية, عدم مراعاة المنهجية التي استخدمها الفقهاء في تقرير أحكامهم, وعرض أرائهم, والتي أساسها منهجية نصوص القرآن والسنة في تقرير الأحكام.

– إن علاج الإشكالية يبدأ بعلاج سببها, وهو مناقشة أراء الفقهاء وفق المنهجية التي اعتمدها الفقهاء في أحكامهم.

– تدل أراء الفقهاء على رجاحة القول بأن الجرائم التي من جنس الحد صورة ومعنى, و التي لم يتوفر فيها شروط الحد من باب الحرابة, وصرحت بهذا عبارات المالكية وتضمنته عبارات الأحناف, ولم تخرج عبارات الحنابلة والشافعية عن هذا المعنى من حيث المضمون, وأما ما خرج عن الحد وفق التحديد السابق فهو من باب الحرابة, وفقا لرأي الأحناف والمالكية قولا واحد, ولم تخرج أراء المذاهب الأخرى عن هذا المعنى وإن اختلفت طريقة الوصول للنتيجة.

– إن هذه النظرة تذيب الفروق بين الحد والتعزير, وتجعل الحد بمثابة الحد الأعلى لجريمة, أعطي لولي الأمر تحديدها من الجانب التجريمي, أي تحديد صورها, والتقيد بما هو من جنسها, وأقل منها.

– إن التقيد في غير صورة الحد ليس لأن الحد نظام منفصل عن التعزير جملة, بل لأن التعزير يدخل في جنس الحد, وهو أقل منه من حيث الخطورة, وهذا يقتضي أن تكون العقوبة, أقل.

– إن هذا الفهم لأراء الفقهاء يتضمن توجيه التعارض بين عبارات الفقهاء, بل الفقيه الواحد, وإعطاء مرونة أكثر للنظام الجنائي الإسلامي, ويحقق التوافق بين الشكل والمقصد.

– إن جرائم الإنترنت وفقا لهذا الرأي لا تخرج عن أحد أمرين إما حرابة, أو قذف, أو تعزير القذف, وأكثر صورها من باب الحرابة.

– إن هذا الوصف لجرائم الإنترنت يمكن المشرع من تحقيق التناسب بين الجريمة والعقوبة, ودون خرق لمبدأ الشرعية, وتحقيقا للمقاصد والمعاني.

هذه أهم النتائج التي توصلت إليها , وأمل من الله التوفيق والسداد , وأن أكون قد بلغت المقصود, وأن أكون قد أصبت ضالتي, وأرجوا أن يكون هذا العمل خالصا لوجهه الكريم, ونسأل من الله العون, والتوفيق والسداد لعمل هو أتقن, ونرجو من الله المغفرة والعفو فيما حصل مني من خطأ, أو زلل , أو تقصير, في التخريج, والاستنباط, والتحليل, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

قائمة بأهم المراجع

* – أبو زهرة – محمد أبو زهرة – الجريمة والعقوبة- القاهرة – دار الفكر- ب ط سنة 2006م .

*- ابن عابدين – محمد أمين – حاشية رد المحتار على الدر المختار – بيروت – دار الفكر  – طبعة جديدة ب ت

*- ابن حزم – محمد على بن أحمد بن سعيد – المحلى – تح أحمد شاكر – القاهرة دار التراث – ب ط- ب ت .

*- ابن رشد الحفيد- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد – بداية المجتهد ونهاية المقتصد- بيروت- دار الكتب العلمية- ط العاشرة سنة 1988م    .

*- ابن عابدين – محمد أمين – حاشية رد المحتار على الدر المختار – بيروت – دار الفكر  – طبعة جديدة ب ت 5/294.

*-ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد, 1988م, المقدمات، تحقيق: سعيد أحمد أعراب, ط1، بيروت، دار الغرب الإسلامي ط الأولى سنة 1988م

*-  ابن قدامة- أبو محمد عبدالله بن أحمد- المغني- ويليه الشرح الكبير لأبي فرج بن قدامة, القاهرة – دار الحديث-ب- ط سنة 2004م .

*- ابن القيم – أبو عبدالله محمد بن أبي بكر الزرعي- إعلام الموقعين – القاهرة – دار الحديث ب ط – ب ت .

*– بهنسي- أحمد فتحي بهنسي- الموسوعة الجنائية في الفقه الإسلامي- بيروت- دار النهضة العربية- ب ط سنة 1991م1/334 وما

*- الحطاب – أبوعبدالله محمد بن  بن عبدالرحمن المغربي – مواهب الجليل لشرح مختصر خليل – ومعه التاج والإكليل للمواق – بيروت – دار الفكر – ط الثالثة 1992 م.

*-الدسوقي – شمس الدين الشيخ محمد عرفة الدسوقي – حاشية الدسوقي على الشرح الكبير – دار الفكر – ب ط – ب ت .

*- الزحيلي- د/وهبة الزحيلي- الفقه الإسلامي وأدلته-دمشق- دار الفكر ط العاشرة سنة 2007- 8/6605 وما بعدها.

*-.سحنون- سحنون بن سعيد التنوجي- المدونة الكبرىللإمام مالك – ضبط أحمد عبدالسلام – بيروت – دار الكتب العلمية – ط الأولى 1994م .

*-الإمام الشافعي –أبوعبدالله محمد بن إدريس – الأم – تعليق محمود مطرجي – بيروت –دار الكتب العلمية – ط الأولى 1993 م.

*-. الشربيني- شمس الدين محمد بن محمد الخطيب- مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج – تح عماد زكي البارودي وغيره – القاهرة – المكتبة التوقيفية – ب ط – ب ت .

*- القرطبي- أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري- الجامع لأحكام القرآن – بيروت – دار التراث- ط الثانية ب ت – 12/180.

*-الكاساني – علاء الدين أبوبكر بن محمد – بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – مصر – مطبعة الجمالية – ط الأولى 1910م .

*- الماوردي- أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي- الحاوي الكبير- ويليه بهجة الحاوي لابن الماوردي- بيروت- دار الفكر- ب ط – سنة 2003م.

*-المرتضي-الإمام المجتهد المهدي لدين الله أحمد بن يحي- البحر الزخار في مذاهب الأمصار – تع د/محمد محمد باقر- بيروت- دار الكتب العلمية- ط الأولى سنة 2001م .

*- ناصف- الشيخ منصور علي ناصف- التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول – استانبول- مكتبة باموق- ط الثالثة سنة 1962م .

*- النووي – محي الدين أبي زكريا يحي بن شرف النووي – صحيح مسلم بشرح النووي – مراجعة الأستاذ محمد تامر – القاهرة – الدار الذهبية – ب ط – ب ت.

*- النووي – محي الدين أبي زكريا يحي بن شرف النووي- المجموع في شرح المهذب- بيروت – لبنان – دار الفكر- بط – ب ت.

 

[1] – كلما ورد لفظ جرائم الإنترنت  في هذا البحث يراد بها الجرائم الأخلاقية عن طريق الإنترنت.

[2] – الكاساني – علاء الدين أبوبكر بن محمد – بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – مصر – مطبعة الجمالية – ط الأولى 1910م 7/49,94 وما بعدها. ابن عابدين – محمد أمين – حاشية رد المحتار على الدر المختار – بيروت – دار الفكر  – طبعة جديدة ب ت- 4/227 وما بعدهاو230 وما بعدها.

 

 

[3] ابن قدامة- أبو محمد عبدالله بن أحمد- المغني- ويليه الشرح الكبير لأبي فرج بن قدامة, القاهرة – دار الحديث-ب- ط سنة 2004م .12/401 وما بعدها.

[4] ابن قدامة المغني 12/176 وما بعدها.

[5] – المرجع السابق12/269 – 270.

[6] الإمام الشافعي –أابوعبدالله محمد بن إدريس – الأم – تعليق محمود مطرجي – بيروت –دار الكتب العلمية – ط الأولى 1993 م 6/173 وما بعدها. *-. الشربيني- شمس الدين محمد بن محمد الخطيب- مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج – تح عماد زكي البارودي وغيره – القاهرة – المكتبة التوقيفية – ب ط – ب ت 5/515 ,557 . الماوردي- أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي- الحاوي الكبير- ويليه بهجة الحاوي لابن الماوردي- بيروت- دار الفكر- ب ط – سنة 2003م 17/113.

[7] – -.سحنون- سحنون بن سعيد التنوجي- المدونة الكبرىللإمام مالك – ضبط أحمد عبدالسلام – بيروت – دار الكتب العلمية – ط الأولى 1994م 7/2411,2420, وينظر الفهرس للجزء السابع, والذي تناول فيه الحدود. ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد, 1988م, المقدمات، تحقيق: سعيد أحمد أعراب, ط1، بيروت، دار الغرب الإسلامي ط الأولى سنة 1988م 3/253 وما بعدها , ينظر فهرس الجزء الثالث. الحطاب – أبوعبدالله محمد بن  بن عبدالرحمن المغربي – مواهب الجليل لشرح مختصر خليل – ومعه التاج والإكليل للمواق – بيروت – دار الفكر – ط الثالثة 1992 م 6/291 وما بعدها, وينظر فهرس الجزء السادس. الدسوقي – شمس الدين الشيخ محمد عرفة الدسوقي – حاشية الدسوقي على الشرح الكبير – دار الفكر – ب ط – ب ت 4/313 وما بعدها, ينظر فهرس الجزء الرابع.

 

 

 

[8] ا أبو زهرة – محمد أبو زهرة – الجريمة والعقوبة- القاهرة – دار الفكر- ب ط سنة 2006م ص 70.

[9]– المرجع السابق ص 79 .

[10] – بهنسي- أحمد فتحي بهنسي- الموسوعة الجنائية في الفقه الإسلامي- بيروت- دار النهضة العربية- ب ط سنة 1991م1/334 وما بعدها, 2/212 وما بعدها.

[11] — الزحيلي- د/وهبة الزحيلي- الفقه الإسلامي وأدلته-دمشق- دار الفكر ط العاشرة سنة 2007م 7/5274 وما بعدها,5282 وما بعدها.

[12] للباحث بحث بعنوان ( التدين بين النص والحكم- من أعمال مؤتمر التدين بين الإفراط والتفريط- تقيمه الهيئة العامة للأةقاف – طرابلس ليبيا.

[13] ابن عابديت, حاسية ابن عابدين 4/227.

[14] المرجع السابق 4/231 .

[15] – الباحث, التدين بين النص والحكم.

[16] – اللفظ لمسلم- النووي – محي الدين أبي زكريا يحي بن شرف النووي- المجموع في شرح المهذب- بيروت – لبنان – دار الفكر- بط – ب ت كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنا 6/189.

[17] – ناصف- الشيخ منصور علي ناصف- التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول – استانبول- مكتبة باموق- ط الثالثة سنة 1962م كتاب الحدود – باب حد الزنا 3/25.

[18] – اللفظ لمسلم, النووي, صحيح مسلم بشرح النووي,كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنى 6/194.

[19] –  ابن القيم – أبو عبدالله محمد بن أبي بكر الزرعي- إعلام الموقعين – القاهرة – دار الحديث ب ط – ب ت 4/307-308..

 

[20] – الكاساني, بدائع الصنائع  7/94 وما بعدها. ابن عابدين,حاشية ابن عابدين 4/227 وما بعدها.

[21] ابن عابدين, حاسية ابن عابدين 4/227.

[22] – المرجع السابق 4/231.

[23] – الكاساني, بدائع الصنائع 7/94-95.

[24] – الكاساني, بدائع الصنائع, 7/49 وما بعدها, 94 وما بعدها,فهرس الجزء السابع.ابن عابدين , حاشية ابن عابدين, 4/227 وما بعدها, فهرس موضوعات الجزء الرابع, ولم تختلف مصادر الفقه الحنفي في هذا التبويب.

[25]–  ابن عابدين, حاشية ابن عابدين4/227.

[26] – الكاساني, بدائع الصنائع7/83.

[27] – ابن عابدين, حاشية ابن عابدين 4/ 227.

[28] – المرجع السابق230.

[29] – الكاساني,بدائع الصنائع 7/94.

[30] – الكاساني, بدائع الصنائع, 7/135 وما بعدها, ابن الهمام, شرح فتح القدير, 4/208 – 209, 268 وما بعدها.ابن عابدين, حاشية ابن عابدينو4/165 وما بعدها, 231 وما بعدها,  258 وما بعدها, 287 وما بعدها,

[31] – ابن عابدين, حاشية ابن عابدين, 4/288, 293,

[32] – الكاساني, بدائع الصنائع,7/94.

[33] – انظر ص من هذا    البحث

[34] – ابن رشد المقدمات, 3/230 وما بعدها. الحطاب, مواهب الجليل 6/315 وما بعدها.الدسوقي, حاشية الدسوقي 4/349 وما بعدها.

[35] – ابن رشد الحفيد- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد – بداية المجتهد ونهاية المقتصد- بيروت- دار الكتب العلمية- ط العاشرة سنة 1988م 2م455-459.الحطاب, مواهب الجليل 6/314 وما بعدها. الدسوقي, حاشية الدسوقي4/348.

[36] ابن رشد, بداية المجتهد, 2/255.

[37] – الحطاب, مواهب الجليل 6/315.

[38] – ابن رشد, المقدمات 3/230.

[39] – ابن قدامة, المغني ينظر فهرس الجزء 12.

[40]– الإمام  الشافعي, الأم ينظر فهرس الجزء السادس, الماوردي, الحاوي الكبير, ينظر فهرس الجزء 16, 17.الشربيني, مغني المحتاج, ينظر فهرس الجزء الخامس.

[41] – الماوردي, الحاوي الكبير 17/113.

[42] – ابن قدامة المغني,12/269- 270.

[43] – ابن حزم – محمد على بن أحمد بن سعيد – المحلى – تح أحمد شاكر – القاهرة دار التراث – ب ط- ب ت .11/160 وما بعدها.المرتضي-الإمام المجتهد المهدي لدين اللهأحمد بن يحي- البحر الزخار في مذاهب الأمصار – تع د/محمد محمد باقر- بيروت- دار الكتب العلمية- ط الأولى سنة 2001م 6/218- 219, 232 وما بعدهاو 305 وما بعدها.. ابن قدامة , المغني12/176. الماوردي, الحاوي الكبير 17/60 وما بعدها.

نبذة عن -

اترك تعليقا