جزء من محاضرة السياسة الشرعية … معالي الشيخ/د. صالح بن حميد
بواسطة المحرر بتاريخ 4 مايو, 2016 في 06:47 صباحًا | مصنفة في الأخبار, تقارير اخبارية | لا تعليقات

 

صلاة علي النبي

 

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه السياسة الشرعية:

وهذا القسم يتناول الولاة والرعية فعلى كلٍّ منهما أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه، فعلى ذي السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حقٍّ حقه. وعلى جباة الأموال كأهل الديوان أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه إليه; كذلك على الرعية الذين تجب عليهم الحقوق ; وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه فيكونون من جنس من قال الله تعالى فيه : ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 58، 59]، ثم بيَّن سبحانه لمن تكون بقوله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].

ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من الحقوق وإن كان ظالمًا; كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر جور الولاة فقال عليه الصلاة والسلام: «أدوا إليهم الذي لهم; فإن الله سائلهم عما استرعاهم». ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ وأنه لا نبيَّ بعدي وسيكون خلفاء ويكثرون. قالوا: فما تأمرنا؟ فقال: أوفوا ببيعة الأول فالأول; ثم أعطوهم حقهم; فإن الله سائلهم عما استرعاهم».

وفيهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنكم سترون بعدي أثرةً وأمورا تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا به يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أدوا إليهم حقهم; واسألوا الله حقكم».

 

وهذا القسم يتناول الولاة والرعية فعلى كل منهما -الولاة والرعية- أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه، هذه العلاقة المالية بين الولاة والرعية، إذن ذكر ثلاثة أصنافٍ فعلى ذي السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حقٍّ حقه، طبعًا كما قلت لكم فيما سبق تغيرت السياسة المالية في الدول المعاصرة، الشيخ يقول هنا العطاء، العطاء هذا كان قد يكون عطاءً من بيت المال، وقد يكون عطاءً في المغازي الغنائم الخ، الآن لا، الآن كما تعرفون أوسع، فيه رواتب وفيه مكافآتٌ وفيه انتداباتٌ وفيه أشياء .. التنظيمات المالية واسعةٌ  جدًّا، فهذا على ذي السلطان ونوابه الوزراء ومديري العاميين إلى آخره عليهم في الشأن المالي أن يعطوا كل ذي حقٍّ حقه من الرواتب ومن الانتدابات ومن الترقيات ومن المكافآت الخ، لكن هو سماها العطاء.

فعلى ذي السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حقٍّ حقه. وعلى جباة الأموال كأهل الديون، وقلنا إنها يعني لعلها الديوان، فلعلكم تراجعونها، وخاصةً إذا كان أحدٌ عنده مخطوطاتٌ أو يرجع إلى المخطوطات لعلها فيها ما يفيد، وإن كان لها وجه الديون حقيقةً، ولكني أرى لأنه حينما يقول السلطان وجباة الأموال والرعية، الرعية ستأتي، فمن هنا كأني أقول عليها الديوان، فراجعوها جزاكم الله خيرًا، حتى أنت راجعها يا ريان.

وعلى جباة الأموال كأهل الديون، لا الديوان، أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه، بمعنى جباية الأموال هذا في القديم، مثلا عمال الزكاة، الذين يرسلهم الإمام لجباية الزكاة من أصحاب الأموال الزكوية الأموال الظاهرة، زكاة الزروع والثمار الخ، وبهيمة الأنعام، هذه كلها عليهم أن يؤديها، الآن في الوقت الحاضر أكثر، الآن المسئولين الماليين سواءً كانوا في كل الإدارات المالية إدارة الشئون المالية في كل إدارةٍ هي مسئولة أن تؤدي وأن تورد خاصةً البلديات التجارة فيها مثلًا لها موارد ماليةٌ من الناس، وزارة التجارة وزارة البلديات والمرور حق الرخص وما الرخص، هذه كلها يجبون، هذه كلها أنواعٌ من الجباية، ولهذا قلت لعلها الديوان، عليهم أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه، فالموارد التي تأخذها هذه الوزارات أو هذه الإدارات عليها أن تؤديها بأمانة.

وكذلك على الرعية الذين يجب عليهم حقوق قد يكون مثلًا يفترض عليك أنك موظف أخذت شيئًا ليس بحقك لست محقًّا فيه عليك أن تعيده، أو ترتب عليك شيءٌ هذا على الرعية يجب عليهم الحقوق يؤدونها، فتؤدي الذي لزمك قد يكون أعطيت عطاءً أو زاد الراتب خطأً، قد يكون المحاسب زاد صفر مثلًا، فعليك أن تعيد ما دخل إليك مما لا تستحقه.

ثم قال: وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه، لا يجب أن تطلب الانتداب لا يجوز قد لا تستحقه، ولا يجوز له أيضًا أن ينتدبك وأنت لا تستحق، أو يعطيك مكافأةً تشجيعيةً وأنت لا تستحق، فليس لك أن تطالب وليس له أن يعطيك ما لا تستحق، هذا معنى ليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه، عجيبٌ استنباط الشيخ، طبعًا هؤلاء المنافقون ترى، فيكونون من جنس من قال الله تعالى فيه : وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: 58]، وأنا أظن إلى حدٍّ ما لو تشوفون معنا في شبكة المعلومات وتطلعات الناس أحيانًا لبعض .. يعني كأنهم يجعلون العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقةً ماليةً، إن عطانا رضينا وإن ما عطانا كأننا نشوش على البيعة، هذا لا، الطاعة ليس لها علاقةٌ بالشأن المالي أبدًا، السمع والطاعة لولاة الأمور هذا ديانة وليست مقايضةً وليست مقابلةً، وإنما هي ديانةٌ، ولهذا استدلال الشيخ لطيفٌ جدًّا، ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ *  وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ انظر الاستدلال حينما يوضع الشيء في موضعه، وكتاب الله معجزٌ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: 59]، الرضا حينما يضعه الله عزَّ وجلَّ في قلب العبد، يفتح الله عليه من الخيرات والبركات، ويفتح عليه من قرة العين شيئًا لا ينتهي، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾، ترى حسبنا الله ما هي تحس أحيانًا الناس يقولون حسبي الله يريدونها على الشيء المأسوف عليه، لا، حسبنا الله يعني الله كافينا، بمعنى غاية الخضوع لله عزَّ وجلَّ، وغاية التسليم للربوبية لله عزَّ وجلَّ، حسبنا الله، يعني هو كافينا ونحن راضون، ونحن مطمئنون إلى ربنا وإلى حكمه وعدله وقدره ورحمته.

﴿حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ﴾ أيضًا فيه قضية عقدية أشار إليها ابن القيم رحمه الله: قالوا حسبنا الله، ما قالوا حسبنا الله ورسوله، لا حسبنا الله، ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، الإيتاء يعطي الرسول يعطي، وكذلك رضوا ما آتاهم الله ورسوله، أيضًا يعطي لكن حسب لا، الحسب لله عزَّ وجلَّ وحده، وليس للرسول صلى الله عليه وسلم.

﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾… الخ.

ثم قال: ولا لهم، يعني الرعية لا يطلبون ما ليس لهم، لكن أيضًا ليس لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من حقوقٍ، كما قلنا سواءً رخص المرور ولا البلديات ولا الكهرباء هذه كلها تؤدى، وليس لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من حقوقٍ، وإن كان ظالمًا، هذه قضيةٌ كما قال: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»، ولو كان ظالمًا، لأن القضية قضية طاعةٍ، وقضية أمنٍ عامٍ إن صح التعبير، الأمن العام واستقرار الأمة لا يكون إلا بهذا، وإلا الظلم قد أحيانًا يأتي وقد تتسع دائرته وتضيق الخ.

وإن كان ظالمًا السلطان، كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الولاة فقال: «أدوا إليهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم»، لا تظن أن قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن الله سائلهم عما استرعاهم» أنها سهلةٌ، ليست سهلةً، لا تظن أن -استغفر الله- أنها تصريفةٌ، نسأل الله السلامة، أعوذ بالله، إنما هي خطيرةٌ، وعيدٌ على ولاة الأمور وعلى السلاطين، أن الله سائلهم، سواءً في الدنيا أو الآخرة نسأل الله السلامة.

«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء» شيخنا الشيخ ابن عثيمين له وقفةٌ جميلةٌ جدًّا، تقول: في هذا دليلٌ على أن الشريعة سياسةٌ، الأنبياء تسوس، وهذا أحسب أنه من أدق الفقه، قال: لأن الأنبياء يأتون بالشرائع من عند الله عزَّ وجلَّ، فالشرائع سياسةٌ، لأن فيها إصلاح الخلق في معاملة الله، وإصلاحهم في معاملة عباد الله، وهذه سياسةٌ.

أنا أحسب أنا هذا وقفةٌ من الشيخ وقفةٌ جميلةٌ جدًّا ودقيقةٌ وتستحق الحقيقة من أبناء هذا العصر ولا سيما المهتمون بالشأن السياسي الشرعي أن يقفوا عند هذه وأن يبسطوا القول فيها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء» بمعنى أن تسوسهم طبعًا بالشرع، الأنبياء معصومون، والأنبياء يقولون بالوحي، ففعلهم وتنفيذ الوحي سياسةٌ.

طبعًا في أمور ما يتعلق بحق الله عزَّ وجلَّ أو ما يتعلق بحقوق الناس، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ، وسيكون خلفاء ويكثرون، يعني أن ما يقوم به الخلفاء أيضًا سياسةٌ، يعني هذه الأمة لأن النبي محمدًا خاتم الأنبياء الذي بعده هم الذين يقومون بهذه الأمور بعض النظر عن أنهم يؤدونها على كمالها وعلى وجهها أو يأتي نقصٌ، لكنها تبقى ما يؤدونه يسمى سياسةٌ.

قالوا: فما تأمرنا، قال: «أوفوا ببيعة الأول فالأول»، بمعنى من تستقر له الولاية ويسبق إليها فهو أحق، من بعده لا يستحقها، قال: «أوفوا البيعة» عجيبٌ في قوله صلى الله عليه وسلم انظر ربط بين البيعة وبين إعطاء الحق، بمعنى أنه لا شك البيعة عقد يعقده الإنسان من حيث الطاعة ولزوم الجماعة، ثم تستلزم هذه البيعة أن تعطيهم حقوقهم، قال: «ثم أعطوهم حقوقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم»، بمعنى أنه تعطيهم لكن لا يكون العطاء مقايضةً، إن أعطوك أعطيتهم، وإن لم يعطوك لم تعطهم.

وفيهما أي في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنكم سترون بعدي أثرةً وأمورًا تنكرونها قالوا : فما تأمرنا به يا رسول الله؟ قال : أدوا إليهم حقهم; واسألوا الله حقكم».

نبذة عن -

اترك تعليقا