الصومال : لا حلول سهلة لمشاكل المنشقين عن حركة الشباب .

 

الصورة: ستيوارت برايس/ صورة الأمم المتحدة  التطلعات الإنسانية لقوات بعثة الاتحاد الأفريقي ليست محل ترحيب من الجميع.

لا حلول سهلة لمشاكل المنشقين عن حركة الشباب

انجذب أنور أحمد*، الذي يبلغ من العمر 50 عاماً وهو منشق عن حركة الشباب، إلى تلك الجماعة السلفية المسلحة في الصومال بعد تلقيه وعداً بالحصول على أجر وبناءً على إيمانه بالمبادئ الإسلامية مثل “الحقوق والعدالة للجميع”.

عمل أحمد أساساً كخفير في حدر عاصمة محافظة باكول، فضلاً عن جمع المقيمين للاستجابة للآذان في وقت الصلاة، وجمع ضرائب المرور على الطرق – ما يصل إلى 300 دولار عن شاحنات البضائع وما بين 10 دولارات و20 دولاراً عن السيارات – والمساعدة في جمع الزكاة، وهي ضريبة تبلغ 2.5 بالمائة من الأرباح السنوية وتُدفع إما نقداً أو عيناً.

أما أجر أحمد نفسه فهو متواضع: 20 أو 30 دولاراً كل بضعة أشهر خلال الثلاث سنوات التي قضاها مع الجماعة المسلحة، وهو لا يكفي لإعالة أطفاله الأربعة وزوجته. ويتذكر أحمد أنه “على المستوى الشخصي، لم يكن هناك أي مكسب. اعتقدت أن حركة الشباب كانت تتعلق حقاً بدعوة الإسلام إلى تحقيق العدالة للجميع، ولكنها كانت مبنية على كذبة كبيرة. لقد كان القادة يحصلون على كل شيء”.

وبعد أن خاب أمله، توجه أحمد إلى بيدوا، وعبر التلال وعاش على كرم الرعاة الذين قدموا له الماء والحليب. وبعد فحصه من قبل مسؤولي الاستخبارات الصومالية، دخل برنامج المقاتلين السابقين.

القاتل السابق

كان غابيري محمد* البالغ من العمر28 عاماً عضواً في تنظيم النخبة المسمى أمنيات (Amniyat)، وهو “جهاز المخابرات” التابع لحركة الشباب، الذي يُقال أن عملاءه تورطوا في الهجوم على مركز ويست غيت التجاري في نيروبي في عام 2013.

ترقى محمد من جندي عادي في حركة الشباب وانضم إلى خلية أمنيات تضم خمسة أشخاص، ويعترف بأن اختياره كان شرفاً كبيراً، ولكنه احتقر دوره كقاتل. “أعطوني مسدساً واسم وصورة وأرسلوني لقتل صاحب الصورة. كنت أكذب دائماً وأعود إليهم قائلاً أن هذا الرجل قد اختفى،” كما أوضح بعد أن أمره ضميره بالمغادرة، مضيفاً: “اتخذت قراري لأنني اعتقدت أنهم يرسلونني لقتل أناس أبرياء”.

وتجدر الإشارة إلى أن محمد لن يحصل أي مبلغ من المال في مركز المقاتلين السابقين في بيدوا ، ولكنه سيحصل على ثلاث وجبات يومياً، ويأمل في الحصول على رخصة قيادة وقسط من التعليم. وأكد محمد أنه لن يعود إلى حركة الشباب، “وحتى الوعد بالجنة لن يجعلني أعود”.
اتخذت قراري لأنني اعتقدت أنهم يرسلونني لقتل أناس أبرياء

وكان أحمد ومحمد من بين المجموعة التي انفصلت عن حركة الشباب وتسعى لإقامة حياة جديدة، ولكن معرفة ما يجب القيام به مع المنشقين حركة الشباب ليس بالأمر السهل بالنسبة للسلطات الصومالية أو لبعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال (UNSOM).

فالديمار فراي هو مدير مجموعة سيادة القانون والمؤسسات الأمنية (ROLSIG) في قاعدة بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال، وجزء من عمل المجموعة هو التعامل مع المقاتلين السابقين من حركة الشباب.

يصف فراي العمل بأنه “حساس”. إن تطبيق نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج على منظمة تم تصنيفها رسمياً كجماعة ارهابية له صعوباته الخاصة، ليس أقلها ما يتعلق بالحصول على دعم من الجهات المانحة.

عالي المخاطر ومنخفض المخاطر

وبموجب الإجراءات الحالية، يتم فحص المنشقين عن حركة الشباب من قبل الوكالة الوطنية للإستخبارات والأمن (NISA) وبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميسوم). ومن ثم يتم تصنيف كل منهم على أنه إما “عالي المخاطر” أو “منخفض المخاطر”.

وأفاد فراي أن حوالي 1,000 مقاتل سابق “منخفض المخاطر” حصلوا على بعض إعادة التأهيل والتدريب على المهارات. أما أولئك الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم، فيمكنهم الرحيل “إذا كان ذلك مقبولاً من قبل المجتمعات المحلية”.

واشار فراي إلى وفرة البدائل للراغبين في الرحيل عن حركة الشباب، موضحاً أنه “بينما ينشق 1,000 مقاتل، يتم تجنيد 1,000 آخرين. ليس الأمر كما لو كان التجنيد سيتوقف”. وتتراوح التقديرات الحالية لعدد مقاتلي حركة الشباب النشطين بين 5,000 و9,000 فرد.

ولكن المعضلات تصبح أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بالمقاتلين الأكثر خبرة. وأشار فراي إلى أن “نخبة المقاتلين، الأقوياء الذين لا تشعر الوكالة الوطنية للإستخبارات والأمن بأنهم يستطيعون خوض عملية اعادة التأهيل، بل ينبغي عليهم الخضوع لعملية قضائية. يظل غالبيتهم في السجن ونحن نعتبرهم بمثابة حجر عثرة”.

وفي السياق نفسه، جلبت المحاكمات مخاطر جديدة. فقد حدثت سلسلة من الاغتيالات للقضاة المدنيين الذين يترأسون محاكمات مقاتلي حركة الشباب عاليي المخاطر، الذين إما انشقوا أو تم القبض عليهم. وكان الحل الذي توصلت إليه السلطات هو تشكيل محاكم عسكرية، ولكن استعداد تلك المحاكم لتطبيق عقوبة الإعدام قوبل بالاستنكار من قبل المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.

خارطة طريق للمقاتلين السابقين

وفي محاولة لإيجاد حلول دائمة للمقاتلين الذين يرغبون في بداية جديدة، نشرت الحكومة الاتحادية الانتقالية في أبريل 2013 خارطة طريق لبرنامج وطني لعلاج المقاتلين المنفصلين عن الجماعات المسلحة والشباب المعرضين للخطر في الصومال والتعامل معهم.

وجاءت هذه المبادرة في أعقاب الانتصارات العسكرية الكبيرة التي حققتها بعثة الاتحاد الأفريقي والقوات الوطنية الصومالية على حركة الشباب في مقديشو في أغسطس 2011، وفي بيليت ويني بمنطقة حيران في فبراير 2012، وبعد ذلك عند تأمين بيدوا ومدينة كيسمايو الساحلية في جنوب البلاد.

والجدير بالذكر أن هناك 4 مرافق انتقالية للتعامل مع المقاتلين السابقين في حركة الشباب منخفضي المخاطر في مراحل مختلفة من الإنشاء في مقديشو وبيدوا وبيليت ويني وكيسمايو.

الصورة: غاي أوليفر/إيرين
عضاء الوكالة الوطنية للإستخبارات والأمن في بيدوا
وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال أحد مسؤولي الوكالة الوطنية للإستخبارات والأمن في كيسمايو الذي رفض الكشف عن هويته، أنه يتم فحص المقاتلين السابقين على أساس تاريخهم السابق وقناعاتهم الأيديولوجية، التي تحدد نوع التهديد الذي ربما لا يزالون يشكلونه. ويمكن أن تكون هذه العملية طويلة وشاقة. وأضاف أن “أطول عملية فرز شاركت فيها استغرقت حوالي شهر واحد. قد يقول البعض الحقيقة على الفور، وقد لا يقول آخرون أي شيء، بينما في حالات أخرى تتغير الروايات”.

وقد أتاحت الاعتبارات القانونية لبعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال المرتبطة بإعادة تأهيل المقاتلين السابقين من حركة الشباب إجراء تدخلات من خارج البعثة، وتم تشكيل وحدة تتكون من ثلاثة أعضاء تُعرف باسم فريق سيريندي – سُميت على اسم المرفق الانتقالي في مقديشو – وتمولها الحكومات النرويجية والدنماركية والإسبانية.

يضم فريق سيريندي حارساً شخصياً من القوات الخاصة ومهندساً صومالياً كان يعمل في أوروبا بعد فراره من الصومال خلال الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، وعاد لقضاء فترة تفرغ لمدة عامين.

ولم يكن أعضاء الفريق يرغبون في الكشف عن هوياتهم، وسلطوا الضوء على التهديد الذي تلقوه من حركة الشباب. وقال أحدهم: “إنهم يعتبروننا مسؤولين عن تفكيك قواتهم ونحن هدف لهجماتهم”. وتنطبق المخاطر ذاتها على جميع المشاركين في نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. وأخبر أحد أعضاء فريق سيريندي شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن حوالي 70 بالمائة من المقاتلين المنفصلين عن حركة الشباب الذين تم فحصهم تم تصنيفهم على أنهم منخفضي المخاطر.

وتجمع أساليب فريق سيريندي بين طرق مكافحة التطرف العنيف، بما في ذلك التوجيه الفردي وتبادل الخبرات بين مقاتلي حركة الشباب السابقين، وبين برامج التدريب على المهارات لكسب العيش. ويقول خبراء نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أن بناء احترام الذات لدى المقاتلين السابقين أمر حيوي.

ميليشيات خارج حركة الشباب

وأشار فراي إلى أن التركيز على الحرب ضد حركة الشباب يتغاضى عن أنشطة الميليشيات الأخرى. ولا تزال بعض هذه الجماعات تزدهر بعد أن استفادت من انهيار الصومال وتحولها إلى دولة فاشلة على مدار عقدين من الزمان. وهي تبدأ من الميليشيات العشائرية، وصولاً إلى الجيوش الخاصة بأمراء الحرب والشركات التجارية التي تشكل قواتها المسلحة الخاصة لحماية مصالحها المالية.

وأبرز تقرير إحاطة قدمه فريق الرصد المعني بالصومال وإريتريا في فبراير 2014 مخاطر
إنهم يعتبروننا مسؤولين عن تفكيك قواتهم ونحن هدف لهجماتهم
انتشار الأسلحة الصغيرة بعد الرفع الجزئي للحظر المفروض على الأسلحة في البلاد وحجم العنف المستخدم من قبل ميليشيات مختلفة.

وأشار التقرير إلى “الهجمات العشوائية” التي شنتها قوات أبغال وحبر غدير العشائرية على مناطق مدنية في ديسمبر 2013، “مما أدى إلى قتل وإصابة أطفال ونساء وشباب عزل، وارتكاب جرائم اغتصاب، ونهب وحرق القرى، ووقوع عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء”.

وقال فراي أن الميزة التي تتمتع بها الجماعات المسلحة الأخرى هي أنها “ليست حركة الشباب”، مما يوفر على برمجة نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج مطبات التعامل مع منظمة مدرجة كجماعة إرهابية. علاوة على ذلك، فإن معظم الميليشيات كانت بالفعل داخل مجتمعاتها المحلية، مما يجعل من السهل على السلطات المحلية إنهاء الصراعات من خلال برامج الإنعاش الاقتصادي والمبادرات الشعبية الأخرى.

ويستغرق ضمان إقامة المرافق المناسبة للمقاتلين السابقين بعض الوقت. فعلى سبيل المثال، تم تحديد موقع لمركز انتقالي مؤخراً في كيسمايو، ولكن الأمن ومشاكل البنية التحتية تؤدي إلى تباطؤ الأمور. فمن أجل استطلاع المبنى لمدة 30 دقيقة، على سبيل المثال، احتاج فريق سيريندي إلى تأمين الحماية لمجموعة تضم جنود كينيين تابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي والوكالة الوطنية للاستخبارات والأمن والجيش الوطني الصومالي وضباط الأمن والحماية. وفي الوقت نفسه، يعيش المنشقون عن حركة الشباب في منازل آمنة في المدينة الساحلية.

حلول سلمية داخل العشائر

وفي بيدوا، حيث يوشك مرفق انتقالي تموله فرنسا على الافتتاح، منح التأخير للعشائر دوراً أكبر في إعادة تأهيل نحو 120 من المقاتلين السابقين في حركة الشباب.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال عبد القادر حسن، أحد شيوخ بيدوا، أن العائلات تتولى مسؤولية المقاتلين السابقين وتحدد ما إذا كان يمكن الوثوق بهم. وأضاف أن “الأمر يتوقف على الفرد، ولكن الرحيل يعني أن معظم المقاتلين السابقين قد اتخذوا قرارهم بالفعل. ولذلك ينظر إليهم على أنهم مأمونون”. وأكد حسن أن نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج يلعب دوراً حاسماً في تحقيق السلام في الصومال.

الصورة: غاي أوليفر/إيرين
رذخائر ملقاة على أحد الشواطئ في العاصمة الصومالية مقديشو

وقال الشيخ عدن عبدي لشبكة الأنباء الإنسانية (أيرين) أن حوالي 90 بالمائة من قوات حركة الشباب صوماليون “انضموا إليها لأنهم لا يملكون وسيلة أخرى لكسب العيش”. لكنه شدد على أن “أيديولوجية حركة الشباب أجنبية” وأنه يجب مطاردة الأجانب، وليس اعادة تأهيلهم.

ويلعب شيوخ العشائر دوراً هاماً في إدارة النزاعات العشائرية الناجمة عن الصراع. وقال حسن أن أي عائلة يمكنها أن تطلب “الدية” كشكل من أشكال المصالحة، لكن انتشار الفقر على نطاق واسع يجعل هذا الحل غير واقعي.
نحن نرى أنهم تعرضوا لغسيل دماغ، ولذلك لم يكونوا واعين، وبهذه الطريقة يمكننا في كثير من الأحيان حل المشاكل من خلال العدالة العشائرية

وأفاد أنه من الأفضل الدفاع عن المقاتلين السابقين على أساس أنهم لم يكونوا أحراراً وقت ارتكاب جرائمهم. وقال أيضاً: “نحن نرى أنهم تعرضوا لغسيل دماغ، ولذلك لم يكونوا واعين، وبهذه الطريقة يمكننا في كثير من الأحيان حل المشاكل من خلال العدالة العشائرية”.

مع ذلك، يقول شيوخ العشائر أن إقامة المراكز الانتقالية أمر في غاية الأهمية. ويرى عبدي أنه يجب أن تكون هناك مراكز كافية ويجب أن تكون قادرة على تلبية احتياجات المقاتلين السابقين بشكل صحيح.

“إذا كان هناك شخص جائع وقلت له تعال لتتناول الطعام، ولكن ليس هناك طعام، هل سيأتي؟ الجواب هو لا،” كما أشار، مضيفاً أنك “إذا وفرت لهم حياة ملائمة سوف يأتون، وإذا قامت هذه المراكز بإعالتهم، فإن المقاتلين السابقين سوف يتصلون بأصدقائهم في حركة الشباب ويقولون لهم أنها ليست سيئة كما كنا نظن، وسوف يأتي الآخرون أيضاً. ومن ثم، سينتهي هذا الوضع بسرعة كبيرة”.

* ليس اسماً حقيقياً

 

حقوق الطبع والنشر © شبكة الأنباء الإنسانية “إيرين” 2011. جميع الحقوق محفوظة.

Previous Article
Next Article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *