ما أسباب تزايد عبور المهاجرين بالقوارب إلى أوروبا؟

ارشيف

ما أسباب تزايد عبور المهاجرين بالقوارب إلى أوروبا؟

حفلت الصحف الإيطالية مؤخراً بتقارير عن عدد لا يحصى من القوارب المتهالكة التي تنقل آلاف المهاجرين اليائسين إلى شواطئها. فمنذ مطلع هذا العام، وصل إلى إيطاليا أكثر من 38,000 من المهاجرين غير النظاميين، حيث وصل معظمهم إلى شاطئ جزيرة لامبيدوسا الصغيرة التي تقع جنوب صقلية. ويعد هذا العدد قفزة كبيرة مقارنة بنحو 4,290 مهاجراً الذين عبروا خلال نفس الفترة في عام 2013، ومع ذلك يرى المسؤولون الإيطاليون أنه لا يمثل سوى غيض من فيض.

وفي الشهر الماضي، نقلت وسائل الإعلام بشكل واسع أن رئيس وكالة الهجرة وشرطة الحدود في إيطاليا قد قال للجنة برلمانية أن أكثر من 800,000 شخص يستعدون لمغادرة ساحل شمال أفريقيا باتجاه أوروبا، وهو عدد اعترف في وقت لاحق أنه “توقع غير مؤكد”.

وفي الوقت الذي تتركز فيه المخاوف في إيطاليا وفي جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي على عدد المهاجرين المتوقع أن يأتوا خلال أشهر الصيف، التي عادة ما تشهد تزايداً في أعداد المهاجرين، وكذلك على الأماكن التي سيذهبون إليها، يعكف عدد قليل من الباحثين على فهم الأسباب التي دفعت إلى حدوث هذه الطفرة في عدد المهاجرين الذين يستخدمون هذه الطريق والأماكن التي يأتون منها.

كل الطرق تؤدي إلى ليبيا

ووفقاً لوزارة الداخلية الإيطالية، شكل المهاجرون الإريتريون 31 بالمائة من الوافدين القادمين عبر البحر حتى هذا الوقت من العام الحالي، ما يمثل زيادة كبيرة عن السنوات السابقة. وشكل المهاجرون السوريون نسبة 14 بالمائة، في حين شملت الجنسيات الأخرى الصوماليين والإثيوبيين والسودانيين ومواطني دول غرب أفريقيا بما في ذلك من السنغال ومالي ونيجيريا.

والجدير بالذكر أن الغالبية العظمى من القوارب تنطلق من ليبيا حيث استغل المهربون الفراغ الأمني عقب سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011 وأنشؤوا طرقاً لتهريب المهاجرين والاتجار غير المشروع في السلع من الحدود الجنوبية للبلاد إلى مدنها الساحلية الشمالية.

وأشار تقرير صدر مؤخراً عن أمانة الهجرة المختلطة الإقليمية، ومقرها نيروبي، والمجلس الدنماركي للاجئين، أدلة تفيد بأن المهاجرين وطالبي اللجوء من منطقة القرن الأفريقي أصبحوا أكثر استعداد للإقدام على الرحلات المحفوفة بالمخاطر إلى ليبيا، ومن ثم إلى أوروبا وذلك في ظل تزايد إغلاق الطرق المعهودة في السابق إلى المملكة العربية السعودية عبر اليمن وإلى إسرائيل عبر مصر.

ويرى مؤلفو التقرير أن تدفق طالبي اللجوء من إريتريا والصومال والسودان الذين يتجهون إلى “الغرب” لليبيا ومن ثم إلى أوروبا يتزايد بسرعة، على الرغم من المخاطر الهائلة المرتبطة بهذا المسار.

وفي هذا الصدد، قالت ميليسا فيليبس، الباحثة في أمانة الهجرة المختلطة الإقليمية والتي كانت تعمل حتى وقت قريب مسؤولة برامج مع المجلس الدنماركي للاجئين في ليبيا: “لا نستطيع أن نحدد على وجه اليقين كم عدد المهاجرين في ليبيا. ولكن يمكننا القول بكل تأكيد أن الأعداد تتزايد”.

وأشارت فيليبس إلى غياب المراقبة على الحدود البرية جنوب ليبيا حيث يدخل غالبية المهاجرين والمهربين إلى الدولة عقب رحلات محفوفة بالمخاطر عبر صحارى السودان وتشاد والنيجر. وقالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن “هناك غياباً تاماً للمعلومات فيما يتعلق بالحدود الجنوبية لليبيا” …في هذه اللحظة، فإن الأعداد الموثوقة الوحيدة التي توجد لدينا هي للأشخاص الذين يغادرون”.

وأضافت أن “هناك عدداً غير معروف من الناس الذين لا يصلون إلى [وجهتهم] المقصودة سواء كان ذلك إلى مناطق للعمل في ليبيا أو إلى أوروبا”.

ووفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لقي أكثر من 170 مهاجراً قد مصرعهم منذ بداية عام 2014 أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا عن طريق البحر. ومن غير المعروف بعد عدد الذين لقوا حتفهم عطشاً أو جوعاً أثناء عبور الصحراء الكبرى، ولكن عبور الصحراء بحسب تقرير أمانة الهجرة المختلطة الإقليمية “أكثر خطورة” من عبور البحر الأبيض المتوسط.

وفي حادثة واحدة فقط في شهر أبريل، اكتشفت القوات المسلحة السودانية 600 شخص، معظمهم من المهاجرين الإريتريين والإثيوبيين الذين تخلى عنهم الأشخاص الذين قاموا بتهريبهم بالقرب من الحدود الليبية. وقد توفي عشرة مهاجرين من الجوع والعطش قبل أن يتم إنقاذ باقي المجموعة.

وروى العديد من المهاجرين في تقرير أمانة الهجرة المختلطة الإقليمية كيف لقي أفراد المجموعات الذين سافروا معهم حتفهم بسبب نقص الغذاء أو الماء أثناء عبور الصحراء.

البؤس وانعدام الأمن في لبيبا

ولكن نادراً ما تنهي محنة هؤلاء المهاجرين بعد دخول ليبيا، إذ أن غياب نظام للجوء في ليبيا يعني أنه عادة ما ينظر إلى طالبي اللجوء واللاجئين باعتبارهم مهاجرين غير نظاميين. وعلى الرغم من أنه يمكن لهم تسجيل أسمائهم لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلا أن المفوضية لا تتواجد بصفة رسمية في ليبيا ومن ثم فإن السلطات الليبية لا تعترف بالوثائق التي تصدرها لطالبي اللجوء.

وقال طالبو اللجوء الذين تم استطلاع رأيهم في تقرير صدر في شهر يناير 2014 عن الجمعية اليسوعية لخدمة اللاجئين في مالطا، أنهم يعيشون في خوف دائم من اعتقالهم واحتجازهم إلى أجل غير مسمى على يد القوات المسلحة في ليبيا أو إحدى الميليشيات التي تسيطر على مناطق كبيرة من البلاد. وفي بعض الحالات يطالب الخاطفون بفدية باهظة مقابل الإفراج عنهم. إضافة إلى ذلك، تعد الظروف في مراكز الاحتجاز التي تديرها الدولة سيئة للغاية والرعاية الطبية غير متوفرة في العادة.
الذهاب إلى إيطاليا ليس بالضرورة هدفنا، ولكننا نقوم بذلك بسبب البؤس وانعدام الأمن

وقد توصلت دراسة استقصائية أجراها المجلس الدنماركي للاجئين في أواخر العام الماضي وشملت حوالي 1,000 مهاجر أن المهاجرين من غرب أفريقيا خاصة غالباً ما يرغبون في البقاء في ليبيا للعمل وإعالة أسرهم في أوطانهم، ولكن حالة انعدام الأمن، فضلاً عن تزايد صعوبة الظروف التي يعيشون ويعملون فيه تضطر بعضهم إلى التفكير في الانتقال إلى أوروبا.

وعن الظروف الصعبة التي يعيشها هؤلاء المهاجرون، قال كامارا دياجاريدا، البالغ من العمر 24 عاماً من ساحل العاج، والذي جاء إلى العاصمة الليبية طرابلس في شهر مارس على أمل العثور على فرصة عمل، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): “نأتي كل يوم إلى الدوّار…وعندما تتوقف شاحنة، نجري جميعاً باتجاهها. إذا كنت محظوظاً، سوف يختارك صاحب العمل، ولكن يمكن أن يبقى المرء لمدة يومين أو ثلاثة من دون عمل، وفي بعض الأحيان، لا نحصل على أجورنا”.

وأضاف قائلاً: “إذا امتلكت ما يكفي من المال، فسأذهب إلى أوروبا. تكلف الرحلة إلى هناك ما بين 800 إلى 1,000 دولار. الذهاب إلى إيطاليا ليس بالضرورة هدفنا، ولكننا نقوم بذلك بسبب البؤس وانعدام الأمن. في ليبيا، يتم استهدافنا بالبنادق… الأمر ليس مزحة. ولكن في أوروبا، يقول لنا إخواننا إنه من الصعب العثور على فرص عمل، ولكن على الأقل لديهم الأمن”.

استجابة أوروبا

وبعد غرق إحدى السفن التي كانت تقل مهاجرين وأودت بحياة أكثر من 350 شخصاً من طالبي اللجوء على بعد مسافة قصيرة من جزيرة لامبيدوسا في أكتوبر 2013، شنت قوات خفر السواحل والبحرية الإيطالية “عملية بحرنا” لاعتراض المهاجرين وإنقاذهم من القوارب غير الصالحة للإبحار ومنع وقوع مزيد من المآسي. وخلال الأشهر السبعة الماضية، أنقذت الحملة حياة أكثر من 43,000 شخص وذلك بواسطة خمس سفن تابعة للأسطول، ولكن الجماعات المعارضة للمهاجرين في إيطاليا اشتكت من التكاليف التي يتحملها دافعو الضرائب وقالت أن الحد من مخاطر العبور قد يسهم في تشجيع المزيد من المهاجرين على القيام بالرحلة.

من جانبه، هدد وزير الداخلية الإيطالي مؤخراً بإطلاق سراح المهاجرين طالبي اللجوء إلى بلدان أخرى ما لم تتلق بلاده المزيد من المساعدات من الاتحاد الأوروبي لتحمل تكلفة إنقاذ المهاجرين والإجراءات الخاصة بهم.

في الوقت نفسه، تقول الجماعات المدافعة عن حقوق المهاجرين واللاجئين أن تركيز أوروبا على اعتراض المهاجرين وإنقاذهم أمر في غير محله. وتشير تلك الجماعات إلى أن المهاجرين، وكثير منهم فروا من الاضطهاد والصراع في بلدانهم الأصلية، لن يقوموا بتلك الرحلات المحفوفة بالمخاطر إذا توفرت لهم الوسائل القانونية للمجيء إلى أوروبا. ودعت البلدان الأوروبية إلى زيادة أعداد اللاجئين الذين يتم قبولهم بشكل كبير، وتقليص القواعد المنظمة لجمع شمل الأسرة وتمكينهم من التقدم بطلب للحصول على تأشيرات اللجوء السياسي أو الإنساني عبر سفارات تلك الدول في بلدانهم الأصلية أو في بلدان ثالثة.

وقالت فيليبس أن “الناس يعبرون من ليبيا بالقوارب لعدم وجود وسائل قانونية…لذا، فإن هناك حاجة إلى توفير بعض الفرص القانونية للوصول إلى أوروبا وينبغي على أوروبا أن تظهر أنها تلتزم حقاً بتقاسم الأعباء مع بلدان مثل ليبيا”.

وتجدر الإشارة إلى أن الدول الأعضاء تمول برنامجاً قدره 41 مليون دولار لمساعدة ليبيا على تأمين حدودها وإدارتها بشكل أفضل وذلك من خلال بعثة المساعدة الحدودية للاتحاد الأوروبي إلى ليبيا. مع ذلك، فإن البعثة، التي تدخل الآن عامها الثاني، تواجه صعوبات شديدة بسبب البيئة الأمنية غير المستقرة في ليبيا، وعدم وجود حكومة مركزية قوية.

وفي هذا الصدد، قالت فرنسواز لامبرت، المسؤول الصحفي والإعلامي في بعثة المساعدة الحدودية للاتحاد الأوروبي إلى ليبيا أن “المسؤولين الليبيين يتقبلون النصيحة، ولكن لنكون صادقين، إن قدرة الاستيعاب محدودة… ذلك أن النظراء المحليين الذين نعمل معهم ليسوا دائماً مدربين بشكل صحيح والشخص الذي نتعامل معه لفترة من الوقت، نفاجئ بأنه لم يعد موجوداً”.

وقد حال انعدام الأمن في الجنوب دون زيارة موظفي بعثة الاتحاد الأوروبي في منطقة الحدود الجنوبية حيث تتم معظم عمليات الدخول غير الشرعية إلى البلاد. وبدلاً من ذلك، تركزت الكثير من أعمال البعثة على تدريب خفر السواحل الليبية على إنقاذ المهاجرين الذين يحاولون مغادرة ليبيا بالقوارب وإلقاء القبض عليهم. وفي حين يشمل جزء من هذا التدريب الحديث عن أهمية عدم انتهاك الحقوق الإنسانية للمهاجرين وتوفير الرعاية الطبية لهم، إلا أن ولاية البعثة لا تشمل احتجاز المهاجرين الذي عادة ما يتم عقب اعتراضهم.

وعلى الرغم من أن تشكيل بعثة الاتحاد الأوروبي قد جاء استجابة لطلب الحكومة الليبية للمساعدة، لكن من الواضح أنه ينظر إليها على أنها تخدم مصالح الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تفضل وصول عدد أقل من المهاجرين إلى حدودها.

وقال ستيفان كيسلر، مسؤول السياسة والمناصرة في الجمعية اليسوعية لخدمة اللاجئين في أوروبا أن “تدريب خفر السواحل [الليبية] من أجل إبعاد المهاجرين أمر خاطئ تماماً… فطالبو اللجوء غير آمنين على الإطلاق هناك، ثم إن خفر السواحل يعرقلون حصولهم على الحماية في أي مكان آخر”.

وتتفق فيليبس في أن محاولة منع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا هو نهج خاطئ، حيث قالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): “يتم النظر إلى المشكلة إلى حد كبير من منظور الوجهة المقصودة… ولكن ما لم نأخذ في اعتبارنا [دول] العبور والمنشأ، فإننا نكون بذلك قد ركزنا على جانب واحد فقط من جوانب القضية”.

وأنهت حديثها بالقول: “نحن نفتقر إلى فهم دقيق للوضع في ليبيا، والأسباب التي تدفع الناس إلى هجرة بلدانهم الأصلية، وما الذي يمكن فعله لمساعدتهم سواء في بلدانهم أو في طريقهم إلى الهجرة”.

حقوق الطبع والنشر © شبكة الأنباء الإنسانية “إيرين” 2011.

Previous Article
Next Article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *