قراءة تاريخية في السياسة الجنائية ” ليبيا أنموذجا … إلى 2010 م ” لـ د فائزة الباشا
بواسطة المحرر بتاريخ 31 مارس, 2013 في 02:59 مساءً | مصنفة في أفضل المواضيع, الإصدارات | لا تعليقات

السياسة ج

ملخص :

      تستدعى مكافحة الجريمة بمختلف أبعادها وأشكالها إقرار سياسة جنائية فاعلة تمنع وقوعها وتحول دون تكرار ارتكابها وتتجاوز أثارها ، والسياسة الجنائية المثلى هي التي تتخذ من السياسة الوقائية هدفا استراتجيا ضمن السياسة العامة للدولة … الاجتماعية والثقافية والتربوية والاقتصادية والعلمية وكذلك السياسية  ، تأكيدا للرأي القائل : بأن السياسة الجنائية شأن مجتمعي ، وأن المجتمع بكل مقوماته مسئول عنها ؛  فالفقر قد يولد الجريمة ، والتطرف الفكري قد يغذيها ،  والفساد يبرر الاعتداء علي البيئة وانهيار القيم الاخلاقية والمجتمعية … الخ .( ) ونحن نعيش في مجتمعات مفتوحة حيث تنتشر الفضائيات وتتنوع آليات الاتصال التي كانت عاملا رئيسا  مكن الأشخاص من التواصل في عصر متعولم  ؛ وهو ما  أدى إلى التحول في القيم الأساسية التي باتت تتجه  إلى إشباع الحاجات المادية في ظل التنوع والتطور العلمي والتكنولوجي ، مما تسبب في انتشار التفكك الأسري وضعف التضامن والتكافل المجتمعي ، وهشاشة التواصل بين الأجيال وتزايد القيم السلبية مثل عدم احترام المصلحة الاجتماعية والأنانية  المفرطة  والرغبة في  الاستحواذ على الأشياء دون  وجه حق وعلى حساب الآخرين .

ولقد واكب حركة المجتمعات تطور في  الفكر الجنائي الذي تزايد اهتمامه  بالمنظومة الحقوقية لأجل البحث عن بدائل اجتماعية دون الاكتفاء بمعالجات عقابية تقليدية  . باعتبار أن الجريمة ليست بالظاهرة القانونية فحسب بل إنها ظاهرة اجتماعية إنسانية . ( ) ولفشل سياسة العقاب التقليدية في الحد من استفحال الظواهر الإجرامية وتطور صورها وأبعادها .  وفي مقدمتها العوامل التي تؤدى إلى ارتفاع الجريمة  بما يستدعى تطوير السياسة الجنائية ؛

ومع تطور منظومة حقوق الإنسان وبحث المجتمع الدولي عن بدائل للعدالة الجنائية التقليدية من أجل تجاوز الآثار السلبية التي نتجت عنها ؛ ظهر من  ينادي بإلغاء التجريم والاعتراف بمشروعية الفعل للحد من التضخم التشريعي ؛ أو بتخفيف الوصف التجريمي والحد من العقاب أو خلق بدائل له ، وآخرون بحثوا في آليات جديدة للتحول عن الإجراء الجنائي ؛ وغير ذلك من المعالجات التي سيتم تناولها في حينه .

لذلك يعتقد البعض أن الحديث عن سياسة جنائية وحيدة الرؤية هو اتجاه محدود وضيق ، لأن تحقيق الأهداف الإستراتيجية لن يتأتِ إلا بإقرار سياسات جنائية متنوعة متعددة بالنظر إلى الفرع محل الدراسة ؛ فالسياسة العقابية تركز على تطوير أشكال العقوبة وأهدافها ، في حين أن السياسة المنعية أي الوقائية  ؛ التي يفترض أنها تسبق توقيع العقاب قد تنجح في تقويم سلوك أفراد المجتمع واحترامهم للقيم الأخلاقية والاجتماعية ، أما السياسة الجنائية الإجرائية فينصب اهتمامها على مراحل الدعوى الجنائية المختلفة بما في ذلك مرحلة الاستدلال التي لا يعتبرها معظم الفقه ضمن مراحلها ؛ ناهيك عن التحقيق الابتدائي والمحاكمة ، ليتم تقدير وتقييم سياسة العقاب المقررة في إطار سياسة جنائية تنفيذية تراقب وتشرف على التنفيذ وتصحح مسار المعاملة العقابية داخل وخارج مؤسسات الإصلاح التي كان يطلق عليها سجون والأفرع المتقدم بيانها لن تنشأ إلا في إطار سياسة تجريمية .

كما لا نغفل خصوصية بعض الموضوعات وما تستلزمه من معالجات في إطار سياسة جنائية خاصة  مثل : العنف الأسري والعنف ضد المرأة والطفل  ، وظاهرة الهجرة غير الشرعية أو تعاطي المواد المخدرة  أو الفساد …الخ .

عليه فإذا كان الهدف الإستراتيجي للسياسة الجنائية هو الحد من الظواهر الإجرامية التي تتطور أشكالها وتأخذ أبعادا متعددة وطنية وإقليمية ودولية ، لتمكن مرتكبيها من تطوير أساليبهم للتحايل علي الأنظمة القانونية وخاصة الجنائية منها ، بفضل  تسخيرهم التكنولوجيا والمعلوماتية وتطور المواصلات والاتصالات في تنفيذ جرائمهم ، فأنه يتعين التفكير في ماهية السياسة الجنائية التي نريد ؟  والتحديات التي نواجهها وأفق تحقيق مستقبلها  ؟ .

ويتعين القول بأن التأكيد على الجوانب الإنمائية للسياسة الجنائية  يستدعى  أن تتجه برامج الإصلاح  وإعادة التكيف الاجتماعي نحو تزويد المجرمين والجانحين  بالمهارات المطلوبة  في سوق  العمل  وميادين الإنتاج والخدمات التي تفرضها التنمية  لتحويلهم من طاقات مهمشة إلى قوة فاعلة ومنتجة اتفاقا مع التوجه الاجتماعي والإنساني للعقاب الذي يجب أن ينطوى في الوقت ذاته  على القدر اللازم لتأهيل الجانح أو المجرم .

ثالثا – من يصوغ السياسة الجنائية  ؟

رافق التشريع تطور الإدراك الإنساني وسيظل يرافقه ؛ لأنه قاعدة وجوهر حياة أو مجموع حيوات الإنسانية بأكملها عندما نتتبع  تطور السياسة التشريعات تاريخيا . لأنه بحسب السياق المنطقي فأن القوانين المعاصرة ستصبح قانونا تاريخيا بالنسبة للمستقبل في حال خضوعها للتعديل بما يتلاءم مع متطلبات التطور والحراك الاجتماعي . ولأجل ذلك يقول أوجست كونت إن أي نظام لا يمكن فهمه جيدا إلا من خلال تاريخه .( ) بما في ذلك التاريخ التشريعي  الذي يلخص ويكشف كامل التجربة الإنسانية للمجتمعات البشرية ومقدار ما تقرر من ضمانات لحقوق الإنسان أو العكس .

ومن وجهة نظري فأن التاريخ التشريعي هو الأكثر قابلية للتصديق وأن اختلفنا في تفسير نصوصه أو الغاية من إصداره أن لم تصاحبه مذكرة توضيحية بخلاف مصادر التاريخ الأخرى التي يسهل تحريفها ؛ ناهيك عما يعكسه عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي كان سائدا ولا أهمية لاختلافنا معه أو قبولنا له .

وهو ما أكده أفلاطون فى كتابه القوانين الذي حث فيه على ضرورة احترام الأعراف والتقاليد والعقائد والطقوس الدينية لأنها فى مجموعها تمثل منظومة القوانين غير المكتوبة أو ما عبر عنه بالدستور غير المدون حينذاك .( ) فماذا عن أن يكون الدستور من قواعد القانون الجامدة والاشتراطات التي يصوغها فقهاء القانون الدستوري فى عصرنا الراهن ؟ وهل القواعد الجامدة للدستور حالت دون تعديله وتطويعه من قبل السلطات الحاكمة فى العديد من البلاد والأمثلة من حولنا كثيرة لا مجال لسردها وما حدث في ليبيا الحديثة [ بالنسبة للزمن الذي نعيشه ] وسوريا التي عدلت دستورها خلال 24 ساعة لتطويعه لاهواء السلطة الحاكمة  خير دليل على ذلك .

و معلوم أن الدولة هي التي تقرر الخطط الكفيلة بمحاربة الجريمة من خلال سنها لمشاريع القوانين الزجرية ، وبما تقره من تدابير وقائية أو علاجية  تسهم في القضاء علي أسباب الجريمة وفي استئصال الخطورة الإجرامية للمجرمين ، على أن تتماهى السياسة الجنائية مع نبض المجتمع ومصالحه بما يكفل له الحماية والضمانات التي ترسخ لاستقراره ، مع إشعار الإنسان المشمول بإحكامها بالأمن والطمأنينة والكرامة .

وفي ليبيا اختلف الأمر في زمن الملكية السنوسية ،  و 42 عاما من نظام القذافي فمن حيث الشكل كان يتم اقتراح مشاريع القوانين من الحكومة (اللجنة الشعبية العامة) وكذلك النقابات والروابط المهنية التي لها أن تقدم رؤيتها ، وكذلك المؤتمرات الشعبية (سلطة التشريع ) والقيادات الشعبية ومؤتمر الشعب العام ، إلا أن الواقع هو أن اللجان الثورية كانت تعمل على وضع ما يقدمه النظام الشمولي متمثلا في شخص القذافي وابنائه بعد أن بلغوا الرشد ؛ من اقتراحات اعتبرت توجيهات بحسب تشريع تم قولبته  للاحتجاج  به أمام المحاكم ، موضع التنفيذ ؛ كما شكلت لجان متخصصة لصياغة مشاريع قوانين لمواجهة تزايد معدلات بعض الجرائم ، وللايفاء الشكلي بمتطلبات المنظمات الدولية التي نجح سيف القذافي في استرضائها ، وإنشئ لهذا الغرض القسم الخاص بحقوق الإنسان بمؤتمر الشعب العام ” الذي يفترض قيامه بدور الكونغرس ” ، وأوكل الأمر  إليه في اختيار أعضاء اللجان القانونية التي لا يحترم رأي المتخصصين فيها غالبا .

نبذة عن -

اترك تعليقا