ليبيا: البرلمان والحكومة يتفقان على تطبيق «إجراءات حاسمة» لبسط سلطان الدولة

عبد الستار حتيتة | الشرق الأوسط  : في وقت استأنفت فيه لجنة المصالحة أعمالها لإنهاء الاقتتال بين عدد من القبائل والمناطق، قالت مصادر في المؤتمر الوطني (البرلمان) الليبي أمس إن قيادات من الحكومة والبرلمان اتفقوا على اتخاذ إجراءات حاسمة بدأ تطبيقها بالفعل، في محاولة لبسط سلطان الدولة، وسط غضب من بعض القادة العسكريين الميدانيين، بعد فشل مهمة إخضاع التمرد في منطقة براك الشاطئ الواقعة على بعد 600 كلم جنوب البلاد إضافة إلى استمرار رفض مدن على رأسها بني وليد الإقرار بالثورة ونظام الحكم الجديد.

وقال حمودة بو عطية جميعي، عضو لجنة المصالحة لـ«الشرق الأوسط» خلال جولة للجنة في ليبيا، إن «عدم تفعيل الجيش والقضاء أدى لاتساع خلافات القبائل، مشيرا إلى أن التحقيقات ما زالت جارية في الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي الذي أدى لمقتل السفير الأميركي كريس ستيفنز وثلاثة من رفاقه، مضيفا أن التيارات الجهادية والسلفية (المسلحة) في بنغازي قضت على نفسها بالممارسات التي قامت بها في حق المواطنين، لكنه لم يجزم بأن يكون تلك التيارات كانت تقف وراء الهجوم على القنصلية الأميركية.

ويواجه رئيس الحكومة المنتخب مصطفى أبو شاقور ملفات شائكة في وقت يسعى فيه للإعلان عن وزراء حكومته قريبا، وعلى رأس هذه الملفات دمج الكتائب المسلحة في الجيش والقضاء على الخلافات القبلية التي طفت على السطح بعد سقوط النظام السابق، وبسط سيطرة الدولة على المدن المناوئة للثورة التي أسقطت العقيد الراحل معمر القذافي العام الماضي.

وقال جميعي، وهو شيخ قبيلة الجميعات في ليبيا، إن الخلافات بين القبائل «اتسعت وكثرت بعد موت الطاغية (القذافي) بسبب عدم تفعيل الجيش وعدم تفعيل القضاء»، مشيرا إلى أن عبد الله السنوسي، رئيس استخبارات القذافي الذي يجري التحقيق معه في داخل البلاد حاليا، أدلى بمعلومات عن أسماء بعض مساعديه الذين لم تكن السلطات الجديدة تعرف عنهم شيئا ما أدى لوقوع مصادمات في براك الشاطئ القريبة من مدينة سبها جنوبا، سقط فيها نحو أربعين قتيلا وعشرات الجرحى.

وعرض عدد من القادة العسكريين الميدانيين من «سرية الإسناد» على رئيس المؤتمر الوطني (البرلمان)، محمد المقريف الليلة قبل الماضية، ملابسات الأحداث في الجنوب، قائلين إن بقاء مدن غير محررة من «أزلام القذافي» قضية «لا يمكن السكوت عليها أو التسامح فيها».

ومن بين ما عرضه وفد من قادة «سرية الإسناد» على المقريف وجود مناطق بأكملها وقبائل خارج سيطرة الدولة وترفض الولاء لثورة 17 فبراير، ومنها «(قبيلة) ورفلة (تتركز في مدينة بني وليد جنوب سرت)» ومدينة «براك الشاطئ»، مطالبين بقرارات حاسمة في هذا الشأن لـ«استكمال تحرير ليبيا دون أي استثناء».

ويأتي هذا في وقت واصلت فيه كثير من الكتائب حل نفسها وتسليم مقراتها لسلطات الدولة استجابة لطب المقريف وخضوعا للإجراءات الصارمة التي بدأت تتخذها القوة الأمنية الرسمية التي لها حق «الضبطية القضائية»، على الرغم من مقاومة بعض التشكيلات ورفضها إخلاء وتسليم مقراتها؛ حيث سمع صوت إطلاق نار أثناء قيام القوة الأمنية بمحاولة إخلاء مواقع تشغلها تلك التشكيلات على طريق مطار طرابلس الدولي، وتحدثت مصادر عسكرية عن وقوع إصابات.

وقررت السلطات استمرار عمل لجنة المصالحة، وهي لجنة كانت قد تشكلت من المجلس الوطني الانتقالي، ثم صدق عليها المؤتمر الوطني (البرلمان) بعد انتخابه الشهر الماضي. وانتقلت اللجنة إلى عدد من المواقع الملتهبة والتقت مع أطراف النزاعات المعقدة في مناطق «جبل نفوسة» و«بني وليد» و«الزنتان» و«المشاشية» وغيرها.

وتابع الشيخ جميعي قائلا، إن «المشاكل الحالية التي تحتاج إلى حل وتسعى لجنة المصالحة إلى تسوية ملفاتها، تتركز في منطقة طرابلس، ومنطقة الشمال الغربي وترهونة، وكذلك بين قبائل كثيرة مثلا قبيلة الزنتان وقبيلة المشاشية»، إضافة إلى الخلافات بين مصراتة وبني وليد، وقضية ترحيل قبيلة تاورغاء من منطقتها.

وعما إذا كان يتوقع، كعضو في لجنة المصالحة، أن تؤدي اعترافات السنوسي إلى مشاكل في مناطق أخرى، قال جميعي، «الذين يحققون مع السنوسي قضاة ورجال نيابة ورجال قانون. التحقيق يخضع للضوابط الدولية، والناس تعرف وتعي أنه يمكن أن يتسبب في إثارة الفتن بين أبناء الشعب الليبي حتى وهو في السجن».

ومن جانبها، قالت مصادر في البرلمان الليبي، إن «الهزيمة التي لحقت بالقوة شبه الحكومية المرسلة للقبض على مطلوبين في مدينة براك الشاطئ، تسببت في تبادل للاتهامات بين عدد من القادة العسكريين والحكومة، على الرغم من محاولة السلطات استدراك الخطأ بقيامها بالإعداد لتسيير قوة كبيرة إلى براك الشاطئ لتوقيف المطلوبين وترحيلهم إلى طرابلس للتحقيق معهم بشأن دورهم في ارتكاب جرائم خاصة في زمن النظام السابق».

وصرح متحدث باسم اللجنة الأمنية العليا التابعة لوزارة الداخلية بأن لجنة من الحكماء تضم شيوخ القبائل، تقوم في الوقت الحالي بمفاوضات مع الجماعات المسلحة في «براك الشاطئ» لتسليم المطلوبين من أتباع النظام السابق، تاركا الباب مفتوحا لاستخدام القوة.

وعن الوضع في بنغازي، قال جميعي، إن «الأحداث الأخيرة التي شهدتها المدينة هي أحداث عارضة قام بها الشعب هناك من أجل التخلص من الكتائب المسلحة وتفعيل دور الجيش والشرطة»، مشيرا إلى أن المشاكل التي تتطلب «نفسا طويلا» لحلها، يقع معظمها في طرابلس العاصمة وما حولها، بالإضافة إلى قضايا عالقة في غرب البلاد وجنوبها.

وأضاف الشيخ جميعي: الذي يرأس أيضا لجنة المصالحة في مجلس حكماء بنغازي، أن المجلس استشعر منذ وقت مبكر الخطر من وجود الكتائب المسلحة في المدينة، مثلما هو الحال في عدة مناطق أخرى بليبيا، بعد أن انتهى دورها بانتهاء الثورة وسقوط نظام القذافي. وقال إن المجلس تحدث حول هذا الموضوع مع الحكومة ومع البرلمان، قبل وقوع أحداث القنصلية الأميركية وقبل خروج أبناء بنغازي للمطالبة بتفكيك هذه الكتائب.

لكن الشيخ جميعي، قال إنه لا يعرف الجهة التي نفذت الهجوم على القنصلية، وما إذا كان الهجوم قد تم التخطيط له مسبقا أم لا؟ مشيرا إلى أن السفير الأميركي «صديق مد لنا يد العون».

وعما إذا كان تنظيم القاعدة أو تيارات إسلامية أخرى وراء الهجوم، استبعد جميعي ذلك، لكنه قال إن الأمر متروك للمحققين، مشيرا إلى أن الليبيين لا يتوقفون كثيرا عند التفريق بين التيارات الإسلامية، لكنه أردف موضحا أن من يطلق عليهم جهاديون وسلفيون «انتهوا بسبب أعمالهم التي رفضها أهل بنغازي»، على الرغم من أن البعض منهم ما زال موجودا في بعض الكتائب. وقال، «من الممكن أن نسمح بحزب إسلامي ومن الممكن أن نسمح بتكتل إسلامي، لكن لا يمكن السماح بجيش يعمل لحساب تيار أو حزب».

وأعلن البرلمان وقيادات حكومية عن تشكيل غرفة عمليات أمنية مشتركة لتسيير دوريات ونقاط أمن في مختلف مناطق بنغازي، وحل الكتائب والمعسكرات التي تعمل خارج شرعية الدولة. كما أعلنت السلطات أمس تمديد مهلة تسليم المواطنين لما لديهم من أسلحة إلى الجهات الشرعية قبل محاسبة من يحمل سلاحا خارج إطار القانون.

Previous Article
Next Article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *